|
| القسام أبرز تحد إستراتيجي لإسرائيل في 2008 |
يعتبر جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية المعروف بـ"أمان" أكبر الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية على الإطلاق. ويحتكر هذا الجهاز المسئولية عن تقديم التقييمات الإستراتيجية للحكومات الإسرائيلية، والتي على أساسها يتم اتخاذ وصنع القرار في إسرائيل.
تقييمات هذا الجهاز أصبحت ذات أهمية فائقة بعد الفشل الإسرائيلي خلال حرب رمضان عام 1973، إذ إن هذا الجهاز تحمّل جزءا كبيرا من المسئولية عن الفشل في تلك الحرب، وبالتالي شددت لجنة "اجرانات" التي حققت في أوجه القصور في الحرب على وجوب أن يكون جهاز "أمان" مسئولا حصريا عن تقديم تقييمات إستراتيجية للحكومة بشأن التهديدات التي تواجه إسرائيل. ومنذ ذلك الوقت حرص "أمان" على إصدار تقييم إستراتيجي لمكانة إسرائيل الإستراتيجية في العام المنصرم، وتوقعاته إزاء مكانتها على ضوء التهديدات المتوقعة.
يوم 17/12/2007 انفرد موقع النسخة العبرية لصحيفة "يديعوت أحرونوت" على شبكة الإنترنت بنشر التقييم الإستراتيجي السنوي الذي أنجزه "أمان" والذي يستعد رئيسه الجنرال عاموس يادلين لتقديمه للحكومة الإسرائيلية.
وقبل الخوض في تفاصيل ما جاء في التقرير يتوجب الإشارة إلى أن معدّي التقرير حرصوا على التحوّط لأيّ مساءلة في المستقبل، ويظهر هذا في بعض الأحيان من خلال إبراز استنتاج ما ثم التحفّظ عليه، لكن على كل الأحوال يعكس هذا التقييم التوقعات إزاء المكانة الإسرائيلية وطبيعة التهديدات الإستراتيجية التي تواجهها من وجهة نظر الاستخبارات الإسرائيلية، مع العلم أن هذا التقييم يكون في العادة مستندا إلى مادة استخبارية، يزعم معدّو التقييم أنها "موثوقة".
التقييم يؤكد أن إسرائيل تقف أمام 3 تحديات إستراتيجية كبيرة؛ وهي: المشروع النووي الإيراني، وإمكانية اندلاع حرب في الجبهة الشرقية والشمالية مع سوريا وحزب الله، بالإضافة إلى التهديد الذي يمثله قطاع غزة تحت حكم حماس.
الخطر الإيراني
زاعما أنه يرتكز على معلومات استخبارية، يؤكد التقرير أن إيران تواجه مشاكل فنية في تطوير برنامجها النووي وتحديدا في تخصيب اليورانيوم الذي يمكن استخدامه في بناء القنبلة النووية. لكنه في الوقت نفسه يحذر من أن ساعة الحقيقة ستحين عندما تتخطّى إيران الحاجز التكنولوجي الذي يمكنها من تخصيب اليورانيوم بكميات مناسبة، ويتوقع التقرير أن هذا من الممكن أن يحدث في وقت قريب، ويحدد التقرير عام 2009 من المتوقع أن تنجح فيه إيران في إنتاج 5 كجم من المادة المشعة اللازمة لصناعة القنبلة النووية.
وهذا التقييم يتناقض مع التقييم الذي قدمه رئيس جهاز الموساد مئير دجان للحكومة قبل 5 أشهر وأكد فيه أن إيران تحتاج إلى 9 سنوات لإنتاج السلاح النووي، هذا في حال حافظ برنامجها النووي على نفس الوتيرة من التطور.
وينوه التقييم الإستراتيجي إلى أن التقرير الذي أصدرته المخابرات الوطنية الأمريكية مؤخرا، وأكدت فيه أن إيران أوقفت مشروعها النووي للأغراض العسكرية في العام 2003 ترك إسرائيل وحدها في الساحة في مواجهة إيران.
وحول إمكانية أن تقوم الولايات المتحدة بمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، قال معدّو التقرير: "بات في حكم المؤكد لدينا أنه لم يعد هناك أحد مستعد للقيام بهذا العمل من أجلنا". وجزم التقرير أنه سيكون على إسرائيل الاعتماد على قواها الذاتية في حال واصل المشروع النووي الإيراني تطوره. وزعم التقرير أن الاختلاف بين الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية والأجهزة الاستخبارية الأمريكية يرجع إلى "نظريات مختلفة في تفسير المواد الاستخبارية"، مقرا في الوقت ذاته أن إسرائيل لا تملك معلومات استخبارية تختلف عن المواد التي تملكها الولايات المتحدة بشأن المشروع النووي الإيراني.
سوريا وحزب الله
وحسب التقييم فإن الجبهة الشمالية هي مصدر الخطر الثاني، والذي ينصح التقرير بالاستعداد له بكل قوة. ويصف التقييم هذه الجبهة بالساحة الوحيدة التي من الممكن أن تنشب فيها حرب شاملة. ويؤكد التقرير أن سوريا حصلت في الآونة الأخيرة على آلاف الصواريخ ذات المدى البعيد القادرة على إصابة أي نقطة داخل إسرائيل. ويؤكد التقرير أن سوريا بإمكانها إطلاق الصواريخ التي يمكن أن تزرع الدمار في كل مكان من إسرائيل.
في نفس الوقت فإن التقرير يشدّد على أن حزب الله استأنف في الآونة الأخيرة استيعاب المزيد من الصواريخ، حيث إن الحزب حصل على عدد كبير من صواريخ ذات قدرة فائقة على إصابة الأهداف، وهي أكثر تطورا من الصواريخ التي كانت لدى الحزب أثناء حرب لبنان الثانية. من هنا يصل التقييم إلى استنتاج مفاده أن التهديد على العمق الداخلي الإسرائيلي تضاعف على الجبهة الشمالية والجبهة الشمالية الشرقية.
استبعاد نشوب حرب قريبا
لكن التقييم يتوقع أن سوريا وحزب الله لن يبادرا إلى شن حرب على إسرائيل قريبا، على اعتبار أن قوة الردع الإسرائيلية تعاظمت إلى حد كبير خلال العام الماضي لسببين أساسيين:
1- العمليات التي قامت بها إسرائيل خلال العام المنصرم (تحديدا العملية العسكرية في قلب سوريا) لم تدلّل فقط على قدرات إسرائيل الاستخبارية وتفوّق سلاحها الجوي، بل دلّلت أيضا على قوة التصميم على إحباط كل تهديد، والإقدام على خطوات خطرة واتخاذ قرارات صعبة ومصيرية عندما يتعلق الأمر بالأمن الإسرائيلي، حسب وصف معدّي التقييم.
2- يرى التقييم أن كلا من سوريا وإيران وحزب الله قاموا بتحليل نتائج حرب لبنان الثانية بشكل عميق والاستنتاجات الناجمة عنها، وتوصّلت دوائر صنع القرار في هذه الأطراف إلى أنّ شنّ حرب صواريخ على إسرائيل في هذه الظروف ستلحق الضرر بهذه الأطراف أكثر من مسّها بإسرائيل. ويدّعي التقرير أن إيران ذهلت من قدرة إسرائيل على تدمير منظومة الصواريخ بعيدة المدى من طراز "زلزال" -التي كان حزب الله قد نصبها قبيل الحرب الثانية في جنوب لبنان- في أقل من ساعة من الزمن، وقبل أن يتم إطلاق صاروخ واحد. ويدعي التقييم أنه يكشف هنا لأول مرة أن سلاح الجو الإسرائيلي بالتعاون مع وحدات مشاة استطاع تدمير كل منظومة الصواريخ متوسطة المدى التي يتراوح مداها من 220 إلى 360 بعد إطلاق أول دفعة من هذه الصواريخ، أو الدفعة الثانية منها.
ويزعم التقرير أن قيام إسرائيل بتدمير منظومتي الصواريخ طويلة ومتوسطة المدى عقب عملية حزب الله التي قادت للحرب أغضبت الإيرانيين. ويشير التقرير إلى أن كلا من سوريا وإيران تعاونتا في مدّ حزب الله بالصواريخ، لكن طهران اشترطت على قيادة الحزب أن يحصل على إذن مسبق من طهران قبل استخدامها، زاعما أن ممثلي "حراس الثورة" الإيرانيين في لبنان يشرفون على تنفيذ هذه التعليمات. ويؤكد التقرير أن إيران لن تصدر تعليمات لحزب الله لتنفيذ هجوم إلا إذا خدم ذلك مصالحها الإستراتيجية وفي حال تعرّضها لتهديد مباشر، وينوّه التقرير إلى أن هذا لن يحدث في العامين القادمين.
لكن هذا التقييم يتناقض بشكل كامل مع تقديرات أخرى لجهاز الموساد والتي أكد فيها أن تقرير الاستخبارات الأمريكي الأخير قد قلّص إلى حد كبير فرصة قيام الولايات المتحدة بشن حرب على إيران، وبالتالي فإن الحفاظ على منظومات الصواريخ التي تنصبها إيران بالتعاون مع حزب الله في لبنان يصبح أقل إلحاحا، الأمر الذي يجعل من الممكن لإيران أن تسمح لحزب الله باستخدامها حتى في الرد على حدث محلي ليس له علاقة بالمصالح الإيرانية.
ويدعي التقييم أن الردع في مواجهة السوريين ليس مرده العملية التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي في عمق الأراضي السورية، منوها إلى أن السوريين أيضا وقفوا مليا أمام الدمار الشامل الذي لحق بالبنى التحتية اللبنانية خلال الحرب الأخيرة سيّما تدمير حي "الضاحية" في بيروت والمسّ بشبكة الطرق في العاصمة اللبنانية والجنوب، وهم يتوقعون أنّ دمارا أكبر سيلحق ببناهم التحتية من الصعب أن يكون بوسع النظام في سوريا إعادة إصلاحه وترميمه في حال سارعوا إلى شنّ حرب على إسرائيل. ويزعم التقرير أنّه لهذه الأسباب تقلص حماسُ الرئيس السوري بشار الأسد لشراء منظومات دفاع جوية وطائرات حديثة.
لكن هذا التقييم يتناقض مع تقييمات أخرى لأوساط في "الموساد" تؤكد أن "للسوريين ذاكرة قوية وقدرة كبيرة على الصبر، بحيث إنّهم لا يمرون مرور الكرام على أيّ خطوة تدلل على المسّ بكرامتهم الوطنية". ولا يستبعد هذا المصدر أن تقدم سوريا على خطوة عسكرية خاطفة ومحدودة من أجل إغلاق الحساب مع إسرائيل بسبب قيامها بقصف المنشأة البحثية في منطقة "دير الزور" شمال سوريا. وحول صور الردّ السوري على العملية في "دير الزور" فإن المصدر يتوقع أن تحاول سوريا المسّ بأهداف إسرائيلية ويهودية عن طريق منظمات فلسطينية على علاقة بسوريا، ولا يستبعد المصدر أن تحاول سوريا المسّ بالمفاعل الذري الإسرائيلي في ديمونة.
معضلة غزة
أما التهديد الثالث في خطورته الذي يواجه إسرائيل فهو الكيان الذي تسيطر عليه حركة حماس في قطاع غزة. ويستدرك التقييم أن هذا التهديد ليس وجوديا، لكن مع ذلك فإنه التهديد الذي يتوجب معالجته على جناح السرعة وقبل أي تهديد آخر. ويضيف التقييم أن التهديد الذي ينطوي عليه وجود ما أسماه "الكيان الحمساوي" في غزة يتطور يوما بعد يوم ويتحول إلى تهديد مباشر ينذر بالمسّ بالمستوطنين في منطقة النقب بشكل كبير. ويجزم التقييم أن هذا التهديد سيزداد خطورة خلال العام القادم؛ لأنّ حركة حماس تواصل تطوير منظومة قذائفها الصاروخية، سواء عبر زيادة مدى هذه الصواريخ أو عن طريق زيادة وزن المادة المتفجرة التي يتمّ حشو رأس الصاروخ بها. ويؤكد التقرير أن حركة حماس تستعد لمواجهة إسرائيل وتخطّط لإلحاق أكبر الأذى بالجيش الإسرائيلي. وتزيد الأمور تعقيدا -وفق التقييم- بسبب مواصلة حماس عمليات تهريب السلاح والمتفجرات من مصر إلى قطاع غزة، حيث يتهم التقييم مصر بأنها لا تقوم بما تستطيع القيام به من أجل وقف عمليات التهريب. ومع ذلك فإن التقييم الاستخباري يشير إلى نقاط إيجابية تتمثل في تأثير عمليات التوغل المحدودة التي يقوم بها جيش الاحتلال، إلى جانب عمليات التصفية التي تتمّ من الجو، إلى جانب قدرة إسرائيل على جمع المعلومات الاستخبارية، إلى جانب الضغط الاقتصادي، كل هذه العوامل تؤدي إلى نتائج إيجابية تتمثل في شواهد على الأرض، مثل امتناع حركة حماس عن إطلاق الصواريخ، وبدلا من ذلك تقوم بمنح الصواريخ لحركات أخرى، في حين تكتفي بإطلاق قذائف الهاون. وفي نفس الوقت، فإن التقرير يزعم أنّ قيادة حماس تحاول إقناع الأطراف الدولية والعربية بضرورة التوصل لهدنة مع إسرائيل، وتسوية سياسية مع أبو مازن. ويرى التقييم الاستخباري أنّ زيادة الضغط العسكري والاقتصادي على حماس في القطاع سيعزّز هذه التوجهات. ويتوقع التقييم أن يؤدي هذا التقييم إلى أن تقوم حماس بالإعلان عن وقف إطلاق النار من جانب واحد.
لكن هذا التقييم يتناقض مع الكثير من التقييمات التي يفصح عنها العديد من رجال الاستخبارات المتقاعدين الذين يرون أن العمل المسلّح قد يؤدي إلى نتائج عكسية ويؤدي إلى توريط إسرائيل في القطاع وتخليص حركة حماس من عبء المسئولية عن توفير الخدمات للفلسطينيين في القطاع.
تطورات "إيجابية" في 2007
يعتبر التقييم أنّ أهم تطورين خدما إسرائيل خلال العام 2007، هما مؤتمر أنابلويس، وأزمة الرئاسة في لبنان. وحسب التقرير، فإنّ مؤتمر "أنابوليس" ساهم في تعزيز مكانة كل من إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة. والاستنتاج الهام الذي يخلص إليه التقييم من انعقاد المؤتمر هو أنّ حضور الدول العربية يدلل على استعدادها للتعاون مع واشنطن وتل أبيب من أجل القضاء على خطر الإسلام المتطرف. ويعتبر التقييم الإستراتيجي الإسرائيلي أن الأزمة التي تعصف بلبنان على خلفية تنصيب رئيس جديد تمثل تطورا إيجابيا بالنسبة للأمن الإستراتيجي؛ لأنها تشغل كلا من حزب الله وسوريا، الأمر الذي يبعد خطر اندلاع حرب إقليمية في المنطقة.
|