|
| السجن يعطي فرصة للتأمل |
تركزت الآراء والمطارحات التي تعاطت مع وثيقة ترشيد العمل الجهادي حول التأثيرات التي يمكن أن تنجم عن هذه المبادرة، واختلفت التقديرات بين من يرى أن تأثيرات الوثيقة ستكون كبيرة؛ بل وربما مزلزلة لجهة مفاعيل تأثيرها على الحركات الراديكالية؛ وخاصة تنظيم القاعدة على خلفية صدور الوثيقة عن شخصية تبوأت مواقع الصدارة طويلاً في دولاب العمل الحركي داخل البنية التنظيمية الجهادية.
إضافة إلى علو كعب شخصية صاحب الوثيقة "سيد إمام" فيما يتعلق بحيازة القدرات المعرفية في ميدان العلوم الشرعية والتي لا يباريه فيها أحد داخل المصفوفة الجهادية باعتبار أن كتب وآراء سيد إمام شكلت الذخيرة في المحاججة الشرعية لجماعة الجهاد وتنظيم القاعدة، وهو ما يعني أن قناعات كثيرين ممن تشكل وعيهم عبر مدونة إمام الانقلابية العنفوية ستنفتح بإزاء مدونة إمامية مغايرة تعتمد الروحية الاعتدالية والنهج الوسطي الذي يستلهم الأفكار الإسلامية من ينابيعها الصافية غير المغالية.
وعلى عكس الرأي السابق ذهب آخرون إلى أن مبلغ التأثير الذي يمكن أن تحدثه الوثيقة سيكون بالغ المحدودية قياسا إلى الواقع الموضوعي للحركات الراديكالية خاصة القطرية منها والتي صارت منذ فترة خارج نطاق الوجود الموضوعي المؤثر سواء ارتبط هذا بتحولاتها الجديدة وما يعترض طريقها من صعوبات، أو ما يتعلق بما آلت إليه المنازلة الأمنية بين هذه الحركات والأجهزة الأمنية، أما ما يتعلق بتنظيم القاعدة فإن الوضع بشأنه يتسم بالتعقيد وتداخل العناصر وتشابكها.
ضرورة تكثيف الأضواء
وثيقة ترشيد العمل الجهادي ومن قبلها مراجعات الجماعة الإسلامية بحاجة إلى تكثيف الإضاءة حولها بشكل موسع ومحاولة الإحاطة بسياق خارطتها التفصيلية لعناصر الزمان والمكان والشخوص، وما تعكسه من دلالات وما توفره تلك الدلالات من قدرة على استشراف آماد وميادين وأوزان التأثير لتلك المراجعات.
عامل الزمن في المراجعات لا يمكن تجاهله فهو عنصر هام؛ إذ يكشف في طياته عن كثير من المدركات التي ساهمت في صياغة ذهنية أصحاب المراجعات جراء جدلية التفاعل بين ما طرحته محددات الظرف الموضوعي عليهم من أثقال، ومقدار واتجاه وطرائق تعاملهم مع تلك الأثقال والتحديات.
استهلت الجماعة الإسلامية زمن المراجعات بمبادرة وقف العنف التي أطلقتها من قاع السجن في العام 97، وبرغم أن تلك المبادرة قد ثلمتها حادثة الأقصر وبعض المناكفات من بعض قيادات الحركة في القبول بها، إلا أنها شكلت الإعلان الرئيس عن التحول الجذري في مواقف ورؤى الجماعة، ولم يستوِ فعل المراجعة على سوقه في مجال التنظير لفعل المراجعة إلا مع صدور كتب المراجعة الأربع في العام 2002.
ويعني ذلك أن ثمة فجوة زمنية بين الإعلان العام عن المواقف الكلية وتفصيل أسانيد هذا الموقف في ميدان التأصيل المعرفي، الأمر ذاته لا يبدو بعيدًا عن مرجعات الجهاد فالمعلومات المتداولة تكشف أن الموقف العام من مسألة المراجعة يدور داخل أروقة حركة الجهاد منذ فترة ليست بالقصيرة، فالقيادي الأبرز بحركة الجهاد المصرية نبيل نعيم يحاول منذ فترة حسم الموقف عبر ترجيح خياره المنحاز لإعلان الموقف القاضي بالتخلي عن دوامة المواجهة والعنف ومنحى التكفير، إلا أن صعوبات عديدة لم تمكنه من هذا.
كما أن سيد إمام نفسه قد طرح بعض الآراء التي تتعارض مع مسلكيات ورؤى جماعة الجهاد منذ العام 93، الأمر الذي ساهم بجوار عوامل أخرى في مفارقته للتنظيم، وها هو سيد إمام يؤصل معرفيا لفعل المراجعة الجهادي من قاع السجن، وبعد فجوة زمنية أيضا بين سجالات الموقف العام المعلن، والذي يبدو أنه كان راجحا داخل الأروقة الحركية للجهاد منذ فترة ليست بالقصيرة، وبين استواء البعد التنظيري ورجحان الموقف العام للمراجعة بعد مخاض السجال والتدافع.
فجوة الزمن.. ليست عابرة
الفجوة الزمنية التي أشرنا إليها بين الموقف العام المعلن للمراجعة وتكامل رؤاها التنظيرية وأسانيدها الشرعية ليس أمرا عابرا فهو يحمل في طياته دلالات كثيرة في طليعتها أن القناعات بصوابية وصدقية عمل ورؤية المراجعة داخل البنى التنظيمية لهذه الجماعات لا يرتبط بشكل رئيس- كما قد يتخيل البعض لدى القواعد الجماهيرية المؤطرة لهذه الجماعات- بمتانة وقوة العمل التنظيري وحجية أسانيده ودفوعه؛ بقدر ما يرتبط بالإدراك الجمعي لهذه الجموع بأن حصيلة الظرف الموضوعي تحتم فعل المراجعة وتدعو إلى التوقف وإعادة التبصر وقراءة تحولات الواقع ومستجداته.
فأنصار الجماعة الإسلامية -على سبيل المثال- لم ترتبط قناعاتهم بإقرار فعل المراجعة بالاطلاع الكامل على أعمالها التنظيرية -والتي ما زالت تتابع حتى الآن- بل إن الأمر الراجح إن هؤلاء الأنصار تعاطوا بكثافة واهتمام واستمرارية متابعة مع النقاشات العامة لفعل المرجعة أكثر من انشغالهم من التواصل مع تفاصيل المدونة التنظيرية للمراجعات.
وترتبط تلك الدلالة بما يثور الآن من سجال حول دفوع البعض بأن المدى التأثيري المتوقع لوثيقة ترشيد الجهاد يرتبط بالقدرة التنظيرية والمكنة العلمية التي تتوفر لسيد إمام، ورغم عدم التهوين من هذا الأمر، إلا أن الراجح أن فعل المرجعة الجهادية تسوقت مقبوليتها بعد القبول الأكثري به داخل أروقة الجهاد وتلاشي كثير من الممانعة له، ويبقى دور وثيقة سيد إمام في الإطار التكميلي؛ إذ إن عمل المراجعة يبقى في حاجة إلى دعم تنظيري لإضفاء مزيد من المصداقية عليه وتعويم فكرة أنه ما رشح عن عنصر الضغط الخارجي المحض بقدر ما تم استيلاده من رحم القراءة الذاتية الحرة والمراجعة المتحررة من كل عوامل الإكراه.
يظن الكثيرون أن الحديث عن ملابسات الظرف الزمني قد يجلب عند فحص مكوناتها ودلالاتها ما يحمله معه تجريدًا لفعل المراجعة من قيمته ذلك أن البعض يذهب أن الموقف العام من المراجعة واكتماله السير في أشواطها بتمام الفعل التنظيري، ما كان له أن يتم إلا بعد أن تآكلت قدرة هذه الجماعات على الاستمرار في حلبة الصراع مع الأجهزة الأمنية، وأن فعلها بالتوقف عن العنف ما هو إلا حاصل تصديق على ما آلت إليه موازين القوى ومعادلة الصراع على الأرض.
وهذه القراءة يمكن الاتفاق معها والاختلاف في ذات الوقت، فجامع الاتفاق معها أن الواقع الموضوعي أثر بلا شك في صياغة الموقف المعلن لهذه الجماعات فلا أحد يجادل في أن نتيجة الصراع لم تكن في صالح هذه الجماعات، وأن القبضة الأمنية قد أنهكتها، بيد أن الاختلاف معها يكمن في أن هذه الوضعية كونها قد شكلت حافزا لهذه الجماعات في إعادة التفكير فيما صارت إليه أحوالها وأحوال مجتمعها يعد أمرا إيجابيا في حد ذاته، كما أنها تمكنت بعملها هذا من الإفلات من شرك المكابرة، وسنت سنة حسنة ربما غير مسبوقة في ميدان العمل الإسلامي.
فعملية النقد الذاتي التي قامت بها الجماعة الإسلامية والجهاد تناولت كل مفاصل البنية الأيديولوجية وقادت إلى عملية تغيير جذري، وهذا ما زاد من الصعوبات وما منح هذه المراجعات في ذات الوقت قيمة تجريدية في حد ذاتها بعيدا عن الاختلاف حول بعض المحددات التي صاغت دوافعها ومدى تأثيرها العام.
السجن والتأمل
وفي مجال الحديث عن وثيقة ترشيد الجهاد يمكن القول بأن مجال تأثيرها لن يرتبط بالبعد التنظيري أو الموقع الحركي لصاحبها والذي فارق البنى التنظيمية منذ زمن بقدر ما يرتبط بمستويات النضج داخل التركيبة الجهادية بمبدأ وفعل المراجعة، مع عدم الإشارة إلى ما قد تشكله وثيقة ترشيد الجهاد من إشباع حاجات رمزية وأدوات حجاجية لأنصار الجهاد.
تمت الإشارة سلفًا إلى صدور فعل المراجعة وأساسياتها التنظيرية من قاع المعتقلات والسجون، والبعض يذهب في تفسير هذا إلى تقديم طروحات تفسيرية ذات معقولية كبيرة فقد وفرت محنة السجن برغم قسوتها فرصة التخفف من أثقال التنظيم وانشغالاته والتي تلهي في كثير من الأحيان عن أي أفعال تأملية، فماكينة الفعل التنظيمي تستقطب في حركة دورانها كل الطاقات وتستهلك كل الجهود، كما أنها تضع الرؤى والأفكار المعارضة التي قد تنشأ في مربع الحرج.
|
|
محاكمة الجهاديين
|
إذ تبدو مستلزمات الحفاظ على التنظيم وحياطته من كل ما قد يناله من عوامل التقويض أولوية متقدمة على كل ما عداها وحتى الانشغال الحياتي العام والانهماك في روتين العمل اليومي قد لا يوفر في بعض الأحيان الفرصة لالتقاط الأنفاس وإعطاء مساحة زمنية كافية لممارسة فريضة التدبر المتجرد المنفلت من عقال كل استبطان ومنزع تبريري مسبق إنها لمفارقة تستدعي التوقف عندما تتحول السجون بكل جدرانها السميكة ونوافذها المغلقة إلى مجالا للرحب للتفكير والتأمل والتحرر من كل الضغوط، في حين يشكل التنظيم في كثير من الحالات سجنا رمزيا يسلب كل ممكنات التدبر والقدرة على إنجاز تكليفات التوقف والمرجعة والوفاء بفرائض التدبر والتفكر والتأمل، ويقينا فإن تلك المفارقة وما تعايشه كثير من الحركات الإسلامية من ظروف ضاغطة تتطلب وقفة للاستفادة من هذه الدلالات وسبر أغوارها وعدم الاستهانة بمغازيها.
ضعف المؤسسية
مثلما خرجت مراجعات الجماعة الإسلامية تحمل أسماء القيادات التاريخية للجماعة جاءت مراجعات الجهاد أو تتويج مراجعات الجهاد من خلال شخصية قيادية امتلكت في أوقات كثيرة سابقة مفاتيح التوجيه وصناعة القرار ورسم الإستراتيجية داخل جماعة الجهاد.
ووثيقة ترشيد الجهاد كما هي مراجعات الجماعة الإسلامية تكشف عن استمرارية ضعف الأداء الجمعي والفكرة المؤسسية لدى الحركات الإسلامية، فرغم مكوث الآلاف من أبناء الجماعتين داخل جدران السجون ولفترة طويلة لم نشهد تبدلا في الشخوص القيادية ولم نلمح بروز شخصيات جديدة تساهم المراجعات.
والسؤال هنا، هل لم توفر كل هذه السنوات لبعض أبناء الحركة فرصة الارتقاء المعرفي؟ أم ضاق الإطار التنظيمي حتى وإن تقلص حضوره داخل السجون عن خلق واستيعات قيادات جديدة ليس بالضرورة تتزاحم أو تناطح القيادات التاريخية بل تتعايش وتتجاور معها وتتساند جهودها في إنجاز فعل المراجعة التاريخي؟
ويربط حتى بعض المحللين نجاعة مراجعات جماعة الجهاد وقدراتها التأثيرية بالشخصية التي صدرت عنها وثيقة ترشيد الجهاد، ولا تحمل هذه الملاحظة قدرًا من التناقض مع ما ذهبنا إليه من أن المرجعات ارتبطت في مجالات البروز والاستقرار بالقبول الجمعي بها داخل أروقة هذه الحركات فتلك الدافعية الجمعية ظلت بحاجة ولو نسبية إلى غطاء وشرعية رمزية من شخصيات قيادية تمتلك مؤثرات الحضور التنظيمي وملكات الخلق المعرفي ولو كانت المؤسسية حاضرة بأبسط أشكالها داخل هذه الجماعات، ولو كانت الفكرة الجمعية والبنية التنظيمية تمتلك أيسر ممكنات الاستيعاب والتمثل والفاعلية والقدرة على اتخاذ القرارات وحسم الجدالات لربما رأينا فعل المراجعة قد أخذ طريقه إلى الواقع منذ زمن أبكر.
مآلات المراجعات
السياقات والدلالات السابقة قد تساعد في تصور استشرافي لمقدر تأثير وثيقة ترشيد الجهاد والمرجعات بصفة عامة وما ينتظر هذه الحركات من تحولات وأصداء تلك المرجعات على المجتمع بصفة عامه بكل مكوناته.
وثيقة ترشيد الجهاد لن توثر على حركة الجهاد المصرية باعتبارها تحولاً نوعيًّا مستقلا بحد ذاته ففكرة المراجعات تختمر داخل الشرائح الغالبة من منتسبي الجماعة منذ زمن وفي ظننا أنه حتى لو تأخرت وثيقة ترشيد الجهاد في الظهور فإن عمل المراجعة كانت وتائره ستظل تتصاعد داخل الحركة حتى تتوج بموقف عام معلن وراجح.
أما من زاوية ما تحتويه الوثيقة من ذخيرة حجاجية فهو أمر ثانوي أيضا فكما أن جموع أنصار الحركات الإسلامية عندما تلتحق بالفضاء التنظيمي تكتفي بقناعات عامة وأدلة كلية دون الدخول في الإحاطة بكل مكونات الأفكار التفصيلية وأسانيدها، فإن فعل المراجعة أيضا يرتبط في صوابيته والقناعة به بتغير وعي الأفراد جراء معاينة الظرف الموضوعي والاكتفاء بمجموعة من القناعات العامة والأدلة الكلية، فلا يتصور أن نجاح مرجعات الجماعة الإسلامية واستقرارها قد تطلب على سبيل المثال مناقشة جموع منتسبي الجماعة في كتب المراجعات والسجال حول تفاصيلها.
وثيقة ترشيد الجهاد ستعطي دليلا إضافيا وزخما لصوابية فكرة المراجعة التي تتثبت وتزداد رسوخا داخل الذهنية الجمعية للجهاد منذ فترة ليست بالقصيرة، أما مجال تأثير الوثيقة على تنظيم القاعدة فلا يتصور أن تحدث الوثيقة ما يتخيله البعض، ذلك أن سيد إمام فارق الظواهري وبعدت الشقة بينهما منذ ما يقارب الخمسة عشر عاما، ما يعني أن تنظيم القاعدة لم يعتد على حضور سيد إمام، كما أن عنصر الأدبيات ليس بالعامل المرجح في القدرة على الاستقطاب والتحشيد.
فالفرد الذي ينضوي تحت لواء القاعدة وكثير من الحركات الإسلامية لا يرتبط التحاقه بتمكنه من ذخيرة معرفية، كما أنه لن يتأثر بالتبعية بأدبيات مغايرة حتى وإن صدرت عن شخصية كان لها قدم راسخ في التنظير لمسلكيات القاعدة وأعمالها مع ملاحظة أن سيد إمام تراجع عن بعض الآراء الخاصة بأفعال الجهاد والتي تتماثل مع قناعات وأعمال تنظيم القاعدة منذ فترة ولم يؤد ذلك إلى تراجع القاعدة عن هذه المسلكيات.
وأغلب الظن أن القاعدة لو اتجهت إلى التوقف عن العمليات داخل المجتمعات الغربية، وتلك التي تستهدف مدنيين في المجتمعات العربية والإسلامية فإن ذلك سيكون على خلفية ما تدركه من السخط الشعبي على تلك الأعمال وعدم القبول بها في أوساط الرأي العام العربي والإسلامي، إضافة إلى التدني في مجال القدرة العملية على القيام بعمليات داخل الغرب عن ذي قبل.
هل يتوقف العنف؟
العنف والأفكار المغالية لن تتوقف بالتأكيد جراء وثيقة ترشيد الجهاد ومراجعات الجماعة الإسلامية فاختفاء تلك الأفكار إلى حين لا يعني أنها ستتوارى إلى الأبد فالظرف الموضوعي وتعقيداته هو ما يوفر لهذه الأفكار بيئة خصبة تسمح لها بالظهور، ولم تنجح الأدبيات المجردة في يوم ما في الحسم المطلق والنهائي مع تلك الأفكار.
فأدبيات الفكر الإسلامي في مجراها التاريخي عرفت شطط الخوارج وأخبرت عن العواقب الوخيمة لنهجهم، كما عرفت الخبرة الإسلامية عقلانية المعتزلة المفرطة، وعرفت كثيرا من الحركات والمذاهب التي تبنت أفكار التفكير ومنهج العنف كما عرفت شيوع الفكرة الوسطية وبرغم ذلك ظلت الدورة التاريخية تكشف بين الحين والآخر عن معاودة تلك الأفكار وهذه المسكليات في الظهور وإن اختلف الزمن وتبدلت المسميات.
ولا يعني هذا تهافت وثيقة ترشيد الجهاد وما قبلها، فتلك المرجعات تنطوي في حد ذاتها على أهمية كبيرة؛ إذ يكفيها أنها شكلت سابقة غير معهودة في النقد الذاتي، وهي بذلك تفتح الطريق أمام هذا المعطى الجديد الذي تحتاجه عموما الحركات الإسلامية، فعملية النقد الذاتي لا ترتبط ضرورتها وأهميتها بحركات العنف والتطرف فكل الحركات الإسلامية على اختلاف مشاربها تعاني من ضآلة حضور هذه الثقافة في أوساطها، وكثير من إخفاقات الحركات الإسلامية وما تعانيه من احتقانات داخلية وتدنى في مستويات الفاعلية يرتبط بهذا الأمر وستخسر بعض الحركات الإسلامية إذا ما ظنت أن تلك المراجعات دليل على صوابية نهجهها مما يدفعها إلى المباهاة والفخر عوضًا عن أن يقودها إلى فحص التجربة جيدا بشكل معمق والإحاطة بها من مختلف الجوانب.
وبرغم عدم بخس هذه الجماعات حقها الكامل والتاريخي في فعل المراجعات وما يتوفر عليه من قيم وشجاعة أدبية، فإن التحليل الموضوعي يشير إلى أنها كجماعات منظمة صارت خارج الوجود الموضوعي فحضورها انحصر في إطلال بعض قيادتها على المجتمع عبر بعض الوسائط الإعلامية وانصراف أنصارها السابقين إلى معالجة أمورهم الحياتية.
باحث في شئون الحركات الإسلامية
|