|
| أبوالعلا ماضي |
المرتكز الثالث الذي استندت إليه جماعات العنف في أعمالها ومنها مجموعات الجهاد هو تفسيرهم لمفهوم" الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وهو ما يُعرف في الفقه الإسلامي بالحسبة، وهو مفهوم إسلامي أصيل فالدين جزء كبير منه إما أمر بمعروف أو نهي عن منكر.
فالتوحيد معروف والأمر به هو أمر بالمعروف وكذلك الشرك بالله منكر والنهي عنه نهي عن المنكر، والأخلاق الحميدة معروف والأمر بها أمر بالمعروف وكذلك الأخلاق السيئة منكر والنهي عنها نهي عن المنكر، وكل أفعال الخير معروف وكل أفعال الشر منكر وهكذا، لكن المشكلة كانت في تفسير المجموعات التي انتهجت العنف في درجات تغيير المنكر ومن يقوم بها، والحديث العمدة في هذا الشأن هو قول الرسول صلي الله عليه وسلم:
"من رأي منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلكم أضعف الإيمان".
وقد قسم العلماء التغيير بناءاً علي هذا الحديث إلي ثلاث مستويات (وبعد التأكد من كونه منكراً ، لأنه أحياناً يظن البعض فعلاً علي أنه منكر وهو أمر مختلف في تفسيره أي غير مجزوم كونه منكراً كالموسيقي مثلاً):
والمستوي الأول التغيير بالقلب أو الإنكار بالقلب وهو في قدرة كل الناس، والمستوي الثاني في التغيير أو الإنكار باللسان وهي مسئولية من يقدر عليه من العلماء والمفكرين والمثقفين وجمعيات المجتمع المدني فهو في العصر الحديث اتسع الأمر وخاصة فيما يتعلق بالشأن العام سواء السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي ...إلخ.
والمستوي الثالث هو التغيير باليد أو بالقوة وهو أمر يتوقف علي كل مسئول في سلطانه كالأب مع أولاده أو القائد مع جنوده أي له سلطان معروف ومقبول أما فيما يتعلق بسلوك الأفراد بين الناس فهذا واجب السلطان أو الحكومة ولها أن تنيب عنها من يقوم بهذا الواجب بإذنها وهو المكلف بالحسبة، أما من يتطوع من نفسه ويقوم بتغيير المنكر باليد علي غير سلطانه فهو المفتئت علي السلطة وهو باب كبير للشرور وقعت فيه تلك الجماعات في ممارساتها السابقة، إذن المطلوب عند المراجعة مراجعة فكرة تغيير المنكر باليد في خارج سلطانهم الشخصي وأخذ سلطة الدولة او الحكومة ممن هو مكلف بشكل طبيعي أو رسمي، وهو أمر قامت به "الجماعة الإسلامية" في مراجعاتها الأخيرة بشكل جيد .
ولكن ماذا قال د. فضل في هذه المراجعات ؟ لم يرد في كل الحلقات التي نُشرت ذكر مباشر لتغيير المنكر باليد إلا في الحلقة الرابعة يذكرها في معرض " أن الله لم يوجب الجهاد ولا تغيير المنكر باليد علي المسلمين حال ضعفهم بمكة قبل الهجرة" وقرر منع ما أسماها هذه الواجبات الشرعية في حالة الاستضعاف أو في حالة وقوع ضرر علي المسلمين وهي إشارة غير كافية وغير واضحة، كما وردت إشارة كذلك في الحلقة الخامسة لذات الموضوع ولكن في موضوع :
النهي عن الخروج علي الحكام في بلاد المسلمين وحينما أراد ان يستدل علي أن الخروج علي الحكام ليس من باب تغيير المنكر باليد وهو أمر جيد، ولكنه أباح في نفس الوقت تغيير المنكر باليد بين الرعية فقال نصاً حين تحدث عن فهم أن تغيير المنكر باليد هو إجازة للخروج علي الحكام " وهذا خطأ لأنه إذا جاز تغيير المنكر باليد عند القدرة بين الرعية فإنه لا يجوز مع السلطان.."، وإن كانت جماعات ومجموعات الجهاد لم تكن تقوم بعمليات تغيير المنكر باليد بين الناس بشكل واسع كما كانت تفعل " الجماعة الإسلامية الجهادية".
كذلك من المرتكزات الهامة في فكر مجموعات العنف و الجهاد فكرة " الحاكمية"
( المرتكز الرابع)، وكذلك نموذج الدولة التي يسعون لتطبيقها( المرتكز الخامس)، ففكرة الحاكمية أي الاحتكام لله ولحكمه توسعت فيها كل المجموعات التي استعملت هذا المصطلح بدءاً من الأستاذ/ أبو الأعلي المودودي في باكستان إلي الأستاذ/ سيد قطب ، فجماعات القطبيين ومن سار علي دربهم من مجموعات الجهاد المختلفة ؛ فكل هؤلاء اعتبروا أن أي حكم لم يأت من كتاب الله أو تشريع كان مصدره لم يرد في المصادر الإلهية فهو احتكام لغير الله وللطاغوت ، واعتبروه كفراً يوجب مقاتلة من قام به.
وخالفوا بذلك أهل العلم الصحيح اللذين يرون أن هناك أحكاما كثيرة لم يأت بها نص لا في كتاب ولا سنة صحيحة وبالتالي متروك للناس الاجتهاد فيها بما شاءوا بشرط عدم اصطدامها بقاعدة إسلامية صحيحة ، وكذلك مازال عند كثير من الجماعات الإسلامية وفي القلب منها مجموعات الجهاد أن هناك شكلا واحدا للدولة الإسلامية القديمة والحديثة هو تنصيب خليفة واحد لكل المسلمين في العالم في دولة واحدة تحكم بالشريعة الإسلامية وتطبق الحاكمية وفق مفهومهم الخاص ، وهو أمر ليس صحيحاً عند أكثر أهل العلم من العلماء الوسطيين اللذين يرون أن شكل الدولة لم يرد به نص محدد في القرآن الكريم أو السنة الصحيحة.
وأن الذي ورد هي القيم التي تحكم هذه الدولة من الشوري والعدل والمساواة...إلخ، وأن كلمة خليفة كان اجتهاداً من المسلمين بعد وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم فلقد اختاروا الصديق أبوبكر رضي الله عنه وأسموه خليفة رسول الله (أي من خلفه)، ثم اختاروا الفاروق عمر واحتاروا هل يسموه خليفة خليفة رسول الله فوجدوا أن هذا الأمر سيطول كلما مات رئيس وقائد وحاكم المسلمين في ذلك الوقت فأسموه" أمير المؤمنين"، وبالتالي تطورت الدولة إلي أشكال عدة حديثة منها ما هو ملكي أو جمهوري أو إمارة ..إلخ.
فلا يوجد شكل واحد كما يُعلن هؤلاء للدولة الإسلامية، والمفكرون العدول أسموا الشكلين القديم والحديث بالدولة الإسلامية فقالوا عن الدولة القديمة الدولة الإسلامية القديمة وعن الموجودة الآن الدولة الإسلامية الحديثة ، ونظراً لهذين المفهومين الحاكمية وشكل الدولة عملت جماعات العنف والجهاد علي ممارسة العنف لتغيير هذه الدولة لشكل الدولة الإسلامية في مفهومهم ولتطبيق الحاكمية كما فهموها أيضاً.
ولقد قامت أيضاً " الجماعة الإسلامية" في مراجعاتها بمراجعة هذين المفهومين بشكل معقول وخاصة مفهوم الحاكمية وأصدروا كما سبق ذكره كتاب " الحاكمية" وهو أفضل من عالج فكرة الحاكمية عند تلك الجماعات، فماذا فعل د. فضل في هذه المراجعات؟
الحقيقة أن د. فضل مازال يتحدث عن الأشكال الفقهية القديمة لتصنيف الدول والبلاد فهو يتكلم في الحلقة السادسة عن دار الإسلام ودار الحرب، ويتحدث عن عدم القدرة علي الزام الكفار في بلاد الإسلام بالتمييز في المظهر ويبرر ذلك بقوله "بسبب العجز أصلاً عن إقامة الحكم الإسلامي" وهو مفهوم مبطن عن الشكل القديم للدولة الإسلامية، كما ورد كذلك في الحلقة الأخيرة من هذه المراجعات (الحلقة الخامسة عشر) إشارة إلي أن الخلافة قد تنقطع من الدنيا بعض الأزمنة .
واستدل علي ذلك بسؤال حذيفة رضي الله عنه للنبي صلي الله عليه وسلم بقوله:" فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام"، والحقيقة أن العلماء أجمعوا علي وجوب تنصيب الأمير أو الحاكم لدى الجماعة وهي الأمة أو الدولة أما اسم هذا الأمير أو الحاكم فيكون يسمي خليفة أو أمير المؤمنين أو رئيس أو ملك أو حتي أمير فقط فكلها تحقق المراد من الشريعة بتنظيم شئون الناس وجماعتهم أي دولتهم، وهو أمر يحتاج لمراجعة حقيقية من الدكتور فضل ومن معه، كما أنه لم ترد لفظ " الحاكمية" في هذه المراجعات من قريب أو بعيد وبالتالي تظل هذه المسألة في انتظار المراجعة.
وللحديث بقية بإذن الله.
وكيل مؤسسي حزب الوسط
* 17 /12/2007 نقلا عن جريدة المصريون بتاريخ
|