English

 

الأحد. ديسمبر. 16, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » موريتانيا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

تحديات الديمقراطية الناشئة في موريتانيا

مشهور إبراهيم أحمد

Image
القصر الرئاسي في موريتانيا
شهدت موريتانيا في الفترة الأخيرة تحولات ديمقراطية متسارعة، لم يكن آخرها الانتخابات الرئاسية النزيهة، وإن كانت هذه الانتخابات قد أكدت بجلاء مدى التطور الديمقراطي الذي باتت تشهده تلك الدولة وبخطوات متسارعة وثابتة نحو الديمقراطية والعدالة، وهو ما جعل بعض الخبراء يضعون موريتانيا في مصاف "الدول الديمقراطية الراسخة" مع أنها ما زالت في مصاف "الديمقراطيات الناشئة" من حيث حداثة نشأتها.

وعلى الرغم من العديد من المؤشرات التي تصب في صالح التحول الديمقراطي في موريتانيا والاستقرار، فإن هناك مشكلات وعقبات يمكن أن تؤدي إلى الاحتقان والتوتر، ففي شهر نوفمبر الماضي اندلعت مظاهرات هي الأعنف من نوعها في تاريخ مقاطعة بوتلميت منذ منتصف القرن الجاري بسبب الأوضاع الاقتصادية، فيما ندد خمسة من أحزاب المعارضة، بما وصفوه باستمرار الفساد في ظل الحكومة الجديدة التي طالبها زعيم المعارضة باحترام تعهداتها المتعلقة بالإصلاح، معربا عن قلقه من تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية، وقد أثار ذلك مخاوف على مستقبل التجربة الديمقراطية الموريتانية الوليدة، خاصة أن الكثيرين باتوا ينظرون إليها كنموذج يُحتذى به في عالمنا العربي وفي القارة الأفريقية.

خطوات الإصلاح

منذ وصول المجلس العسكري إلى السلطة في موريتانيا إثر انقلاب 3 أغسطس 2005 الذي أطاح بالرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع، سارع المجلس إلى الإعلان عن الخطوط العريضة لبرنامجه للمرحلة الانتقالية التي حددها بسنتين كحد أقصى، ودار هذا البرنامج حول أربعة محاور:

المحور الأول: إدخال تعديلات على الدستور تتعلق بتقليص مدة ولاية رئيس الجمهورية، وعدم السماح بتجديدها أكثر من مرة وهو ما يتطلب إجراء استفتاء.
المحور الثاني: تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية، نزيهة وشفافة، في غضون سنتين.
المحور الثالث: ضمان التوزيع العادل لخدمات الدولة والإصلاح والعدالة.
المحور الرابع: محاربة الفساد وإصلاح الإدارة.

وأتبع المجلس العسكري الإعلان عن برنامجه، باتخاذ عدة خطوات وضمانات لطمأنة الداخل والخارج برغبته الجادة في الإصلاح، منها:

- المصادقة على أمر قانوني يمنع رئيس وأعضاء المجلس من الترشح للانتخابات القادمة أو دعم أي مرشح فيها، وذلك من أجل تعزيز الثقة أكثر بحسن نواياه.
- إعلان ولد محمد فال رئيس المجلس العسكري أنه سينسحب من السياسة والجيش بعد انتخابات 2007 الرئاسية (وهو ما حدث بالفعل)، مؤكدًا أن مهمة الجيش بعد تسليم السلطات للمدنيين ستكون حماية النظام الجمهوري، والمؤسسات الدستورية.
- إصدار عفو شامل عن كل المدانين في جنح أو جرائم سياسية أو عسكرية، وهو العفو الذي استفاد منه تيار كبير كان النظام السابق يلاحقه بسبب معارضته له.
- إنشاء لجنة وطنية لحقوق الإنسان، هي الأولى من نوعها في البلاد، لتكون مهمتها حماية حقوق الإنسان في موريتانيا والنهوض بها.
- إنشاء لجنة مستقلة للانتخابات وإجراء إحصاء إداري ذي طابع انتخابي، كما تم تحديد المواد الدستورية المراد تعديلها في الاستفتاء العام، وحُدد بالشهر واليوم موعد الاستفتاء والاستحقاقات البلدية والتشريعية والرئاسية.
- تخفيض أسعار بعض المواد الأساسية والسعي للقضاء على أبرز مظاهر الفساد، واتخاذ إجراءات صارمة بهدف شفافية تسيير المال العام وترشيد الإنفاق.

وكان الإعلان والموافقة على الدستور الجديد في موريتانيا خلال عام 2006 حدثا حاسما في المسار الديمقراطي، أكد أن هذا البلد قد صمم أبناؤه على عدم التراجع عن طريق الإصلاح الذي بدءوه، وكان من أهم المواد التي تضمنها الدستور الجديد الذي تم الاحتفاء به من المعارضة قبل الأغلبية تقليص مدة فترة الرئاسة من 6 إلى 5 سنوات، ومنع تجديدها أكثر من مرة.

وفي ديسمبر 2006 جرت الانتخابات التشريعية، فيما جرت انتخابات مجلس الشيوخ في فبراير 2007، وخلال العام ذاته، تم الترخيص لثمانية عشر حزبا سياسيا جديدا، بينهم حزب يمثل التيار الإسلامي، كما صدر أيضا قانون غير مسبوق في العالم العربي يحدد وينظم موقع ودور زعيم المعارضة ويكفل له امتيازات بروتوكولية ومادية خاصة، كما يلزم رئيس الجمهورية بالتشاور معه في القضايا الوطنية الكبرى.

أما في مارس 2007، فعلى غير ما هو مألوف أيضا في عالمنا العربي، جرت انتخابات رئاسية نزيهة تعدد فيها المتنافسون، وفاز فيها سيدي ولد الشيخ عبد الله بحصوله على 52.85%، فيما حصل منافسه أحمد ولد داداه على 47.15% من الأصوات.

تحديات وعراقيل

بوصول ولد الشيخ عبد الله للحكم بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية والتي كانت آخر مرحلة في العملية الانتقالية التي بدأت بانقلاب المجلس العسكري في أغسطس 2005، وبإعلان العقيد علي ولد محمد فال رئيس المجلس العسكري تسليم السلطة إلى الرئيس المدني المنتخب، تكون موريتانيا قد أكدت للجميع إصرارها على نجاح تجربتها الديمقراطية، ولكن نشأت مشكلات وتحديات تواجه تلك التجربة، ومنها:

1- الأوضاع الاقتصادية

ففي نوفمبر الماضي، وبعد صدور قرار حكومي مفاجئ برفع أسعار الماء والكهرباء بنسبة تراوحت بين 5 و21 في المائة، اشتدت المظاهرات الاحتجاجية على الأوضاع في البلاد، خاصةً في ظل غلاء الأسعار، وشهدت مدينة أزويرات (أقصى الشمال)، مواجهات بين المتظاهرين الذين أحرقوا السوق المركزية واصطدموا بعناصر الأمن، وهو ما أدى لتدخل وحدات من الجيش لتهدئة الوضع، وفي "بوكي" التي تقع في جنوب البلاد، على الحدود مع السنغال، تم إطلاق الغاز المسيل للدموع على المواطنين، أما سكان مقاطعة بوتلميت، فقد أحكم المتظاهرون سيطرتهم على جزء من المدينة لساعات قبل أن تتمكن قوات الأمن من استعادتها.

وجاءت هذه الاحتجاجات التي وقع فيها بعض القتلى والجرحى، فيما تم اعتقال آخرين، في وقت تعهدت فيه الحكومة بالسعي لتحسين الوضع المعيشي للسكان، كما أعلنت خطة عاجلة لمواجهة الأزمة، تشمل توزيعًا مجانيًّا لستة آلاف طن من القمح وتوفير المواد الاستهلاكية الأخرى بأقل تكلفة ممكنة.

إلا أن أحزاب المعارضة التي أطلقت على ما حدث اسم "انتفاضة الجياع"، اعتبرت أن ذلك لن يسهم في التخفيف من معاناة المواطنين ما لم توكل مهمة تنفيذه لجهات مستقلة بعيدة عن الإدارة التي اتهمتها المعارضة بنهب أموال الشعب والتلاعب بالممتلكات العمومية.

وقد تزايدت المخاوف التي أثارتها تلك الاحتجاجات في ظل أمرين أعطيا للأزمة أبعادا أخرى تتجاوز بعدها الاقتصادي، أولهما اتهام مسئول حكومي جهات لم يسمها بالوقوف وراء تأجيج الصراع القائم بين الحكومة والمواطنين، وثانيهما ما ألمحت إليه بعض المصادر من أن بعض الزعامات القبلية ورموز النظام السابق الذين يشعرون بتهميش "متعمد" في حزب الأغلبية الجديد، قد يكونون وراء هذه الأزمة، وذلك بهدف إظهار حجم نفوذهم الاجتماعي من خلال قدرتهم على تحريك الجماهير وزعزعة الاستقرار.

2 ـ المخاوف من إنشاء "حزب السلطة":

تتخوف المعارضة من أن يؤدي إنشاء حزب السلطة إلى وأد الديمقراطية وإعادة البلاد للوراء، على اعتبار أن رئيس الدولة ينبغي أن يظل حكمًا بين مختلف الفرقاء السياسيين، وخوفا من أن يؤدي إنشاء حزب سياسي ينسب للسلطة إلى هجرة معظم القواعد الشعبية والأطر الفاعلة في الأحزاب الأخرى إلى "حزب السلطة" الجديد، سعيًا للحصول على مكاسب مادية أو إحراز مناصب حكومية رفيعة، كما كان يحدث في عهد الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع.

3 ـ الإرهاب والمخدرات:

سبق في يونيو 2007 أن اعتقلت قوات الأمن خمسة أشخاص، بينهم جزائريون ومغاربة وأحدهم موريتاني يحمل الجنسية السعودية، وذلك بشبهة صلتهم بتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، وفي أكتوبر 2007 تم توجيه تهمة الانتماء إلى شبكات إرهابية لثلاثة موريتانيين بينهم شقيقان، وهو ما أثار قلقا من التحاق مجموعات من الشباب الموريتاني بالحركات السلفية خارج موريتانيا.

وكانت الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية شنت في يونيو 2005، هجوما على قاعدة عسكرية في شمال شرقي موريتانيا مما أوقع 15 قتيلاً و17 جريحا في صفوف الجيش الموريتاني.

وتُثار مخاوف أيضا -عبّر عنها الرئيس الموريتاني نفسه- من تحول موريتانيا إلى "بلد عابر للمخدرات" التي تأتي من أمريكا الجنوبية ويُعاد تصديرها من هناك في اتجاهات مختلفة.

4 ـ قضية الرق:

على الرغم من أن الرئيس الموريتاني سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله أعلن أن عمله على رأس الدولة يتركز بالدرجة الأولى على أولويتين؛ الأولى هي إعادة اللاجئين الموريتانيين الموجودين منذ عام 1989 في السنغال ومالي ودول أخرى في المنطقة، والثانية معالجة مشكلة الرق واستصدار قانون يستأصل هذه الظاهرة، فإن الناشطين الحقوقيين في موريتانيا وجهوا اتهامات للسلطات بتجاهل أوضاع المئات من ضحايا الرق، وطالبوا الرئيس الموريتاني بالتدخل الفوري لإنهاء معاناة مئات الأسر في مناطق عدة من البلاد، وتفعيل كل القوانين التي تعاقب ممارسي هذه الظاهرة وفي مقدمتها قانون مكافحة الاستعباد الجديد الذي أقره البرلمان الموريتاني في أغسطس 2007، وقد أكدت جمعيات حقوقية موريتانية أن العديد من حالات الرق المشين تم رصدها في مناطق متفرقة من البلاد خلال الفترة الماضية، مشيرين إلى أن مساعي السلطات الحالية للقضاء على ممارسة هذه الظاهرة اصطدمت بالنفوذ القبلي الذي يقف عائقا أمام القانون الذي صادق البرلمان الموريتاني عليه بالإجماع والذي يجرم ممارسة الرق، وينصف ضحاياه ويمنحهم حقوقا تمكنهم من الاندماج في الحياة الاجتماعية والسياسية، ويكفل لهم كل الحقوق التي يتمتع بها باقي المواطنين في البلاد.

5 ـ اللاجئون الموريتانيون:

فيما يتعلق بإعادة اللاجئين الموريتانيين، يسود الساحةَ السياسية في موريتانيا جدلٌ سياسي وقانوني إزاء العودة المرتقبة لنحو 20 ألفا من السود، الذين أُبعدوا من البلاد إلى السنغال ومالي قبل 17 سنة، وتحديدًا في أثناء أعمال العنف العرقية التي حدثت على الحدود بين عامي 1989 و1991، ففيما رحبت قوى سياسية متعددة بإعلان الرئيس الموريتاني، عن تنظيم عودة عاجلة وكريمة للزنوج المبعدين، طالبت أحزاب سياسية باتخاذ الحذر في التعامل مع هذا الملف الشائك، واعتبرت "أن أي حسم لهذه القضية يتطلب إجماعا وطنيا وتشاورا مع كافة القوى الفاعلة في البلد، خاصة في ظل سعي البعض لتوظيف معاناة الزنوج من أجل تحقيق مكاسب سياسية، ودون مراعاة مصلحة الشعب والحرص على وحدته".

وعلى الرغم من هذه المشكلات والتحديات التي تواجه النظام المنتخب في موريتانيا، فإنه ينبغي على الجميع التكاتف ومد يد العون له؛ لأن التجربة الديمقراطية الموريتانية باتت نموذجا يتطلع إليه الكثيرون في عالمنا العربي، الأمر الذي يتطلب تقديم الدعم الكافي للنظام الموريتاني وللرئيس المنتخب من أجل التغلب على العقبات والمشكلات التي تواجهه، ويمكن للجامعة العربية أن تقوم بدور فعال في هذا الإطار، وإن كان متوقعا أن التجربة الموريتانية التي حققت نجاحات هائلة خلال فترة ماضية لن تستمر على نفس الوتيرة إلا بوحدة أبنائها وإيمانهم بحتمية القضاء على أي مشكلات قد تعوق التحول الديمقراطي.


(*)- مدير وحدة الدراسات الاستراتيجية بمركز البحوث والدراسات "عرب المستقبل".

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات