English

 

السبت. ديسمبر. 15, 2007

الإسلاميون » عمل مسلح

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين

مراجعات الجهاد.. خلخلة بلا هدم للفكر العنيف

بقلم - هاني نسيرة

Image
هاني نسيرة

الحرب تبدأ في العقول كما يبدأ فيها السلام.. هذا هو شعار اليونسكو منذ ميلادها في 15 نوفمبر عام 1945، من هنا تأتي المراجعة الفكرية للعنف أهم من التراجع العملي في ميدان المعركة، إن الهدنة التي سبق أن دعا إليها أسامة بن لادن في عام 2007 أو إعلان أيمن الظواهري سنة 1995 وقف العمليات الجهادية في مصر لعدم القدرة، أقل أثرا وأهمية وشجاعة من أي مراجعات فكرية وتأسيسية يقوم بها منظر أو مفكر يؤسس لهؤلاء الهائمين في أنفاق الحرب غير المتكافئة، المستلهمين لأفكاره بقصد أو بغير قصد.

مراجعة الفكر

منذ بدأ انتشار خبر مراجعات جماعة الجهاد المصرية، منذ عدة شهور، والتي أتت بعد تحولات الجماعة الإسلامية في مصر، بعشر سنوات، ويقودها منظر الجهاد عبد القادر عبد العزيز أو سيد إمام الشريف، الشهير بالدكتور فضل -كما تعددت أسماؤه الحركية- وانطلاق أولى حلقاتها في الثامن عشر من نوفمبر سنة 2007، قامت الدنيا ولم تقعد، وتحفز من تحفز مستبشرا بنتائج هذه المراجعات، وأنها تمثل بداية الطريق نحو نهاية تنظيم القاعدة، حيث تأتي من أبرز منظريها وأهمهم على الإطلاق.

هذا، بينما اتجه فريق آخر نحو التشكيك فيها مؤكدا أنها ليست أكثر من مناورة، يناور بها أصحابها دون مراجعة حقيقية لسابق آرائهم وقناعاتهم، وهو كشف عن نوايا وميل للتشكيك لا يرقى للرأي العلمي الموضوعي.

فالحقيقة التي تكشفها هذه المراجعات، هي المسافة البعيدة والشاسعة بين طرح عبد القادر بن عبد العزيز السابق، وطرحه الحالي في وثيقة المراجعة التي تؤيده فيها أغلب قيادات جماعة الجهاد المصرية، باستثناء عدد قليل منهم لا يتجاوز العشرين فردا.

فوثيقة ترشيد العمل الجهادي تمثل مرحلة مفصلية ومتطورة، ومختلفة بشكل كبير عن طرح الدكتور فضل السابق، في كتبه ورسائله السابقة، التي احتل بها موقع الصدارة النظرية في التنظيم وبين العرب الأفغان، قبل إنشاء القاعدة وبعدها، فعلى الرغم من انفصال الرجل الرسمي عن تنظيم الجهاد منذ عام 1993، فإن كتبه هي الأكثر تدريسا وتداولا بين القاعدة سواء في أفغانستان أو في خارجها.

وفي الوثيقة يتراجع الدكتور فضل عن عدد من المسائل الرئيسية التي سبق أن حاجج فيها ونافح عن الفكر الجهادي، وأذكر في هذا السياق بالخصوص محاججته القوية للشيخ المحدث الراحل ناصر الدين الألباني حول مسألة الخروج على الحاكم أو اشتراط الإذن من ولي الأمر في الجهاد، في كتابيه الجامع والعمدة، حيث يقول في الأخير تحت عنوان كبير: "الرد على شبهة خطيرة للشيخ الألباني" هي قول الألباني في شرحه لقول صاحب العقيدة الطحاوية (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم. أ هـ) مفصلا طريق الخلاص من ظلم الحكام: "الذين هم «من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا» وهو أن يتوب المسلمون إلى ربهم، ويصححوا عقيدتهم، ويربوا أنفسهم وأهليهم على الإسلام الصحيح، تحقيقا لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} "

وهو ما يرفضه دكتور فضل الأول قائلا: "وهذا التعليق من الشيخ الألباني فيه مغالطات خطيرة وتلبيس شديد ولا يليق بالشيخ ولا بمن دونه في العلم بكثير".

حيث أكد في بيان واجبات الطائفة المنصورة في الباب الثالث من كتابه المذكور، جهاد الحكام الكافرين المرتدين وهو ما فصله في المسألة العاشرة من كتابه الجامع تحت عنوان "رد الشبهات في موضوع الحكم بغير ما أنزل الله" .

ويمكننا القول إن الدكتور فضل الثاني -مقارنة بما حملته المراجعات- انسحب في مراجعاته لأبعد مما كان يرفضه من معارضيه ومعارضي الجهاد سابقا، ولكن وفق نفس الخطاب والنظام المعرفي السلفي في مناهجه وآلياته، والجهادي والحاكمي القطبي في غاياته ونهاياته.

خلخلة بلا هدم

تنطلق قراءتنا هذه من فرضية مبدئية، وهي أن قيمة هذه المراجعات الفكرية تظل شأن أي طرح فكري يحتاج وقتا أطول لإحداث أثره المرجو أو المتوقع، لأن الواقع يظل يفرز تأسيساته وتأصيلاته الخاصة.

لذا نرى أن هذه المراجعات تساهم في خلخلة الفكر الجهادي، ولكنها لا تهدمه حيث إنها جزء من سياقات اجتماعية وسياسية وثقافية أوسع، ولكن لا يمتد الرهان بها لهدم تنظيم القاعدة الممثل الأكبر والأخطر للسلفية الجهادية الآن، والتيار الجهادي الأكثر حضورا الآن بعد انضمام الجهاد المصري في الخارج له.

ومما يعضد هذه الفرضية في ذات الوقت أن العلاقة الفكرية، وتأثير الدكتور فضل على السلفية الجهادية حاضر بعمق مؤلفاته وكونها من أدبيات الجهاد الأكثر رصانة طوال مساره، ولكن علاقاته التنظيمية قطعت منذ فترة، وبلغت منطقة حادة من الارتياب والتشكك منذ فترة طويلة، لذا نتوقف تجاه تهويل البعض من أثر هذه المراجعات وأنها ستهدم تنظيم القاعدة أو ستنهي الأعمال العنيفة للسلفية الجهادية، بمختلف تشكيلاتها.

كذلك فإن التهوين من شأن المراجعات لكونها من داخل السجن أو لكونها لا تحمل تراجعا فعليا عن بعض المقولات الجوهرية والتأسيسية للفكر السلفي الجهادي، كعدم تبين الموقف من التكفير عند الحديث عن الخروج على الحاكم، وكفر الحكومات الحالية في العالم الإسلامي، أو التوقف في مسائل أخرى كالحاكمية أو الولاء والبراء، حيث لا زال الرجل على مواقفه الأساسية في هذه المسائل.

ومن هنا جاء تأنيبه ورفضه لممارسات القاعدة، أو اعتباره حكومة طالبان بريئة من أحداث الحادي عشر من سبتمبر لأنها جاءت من وراء ظهرها ، ولكن قد يكون ذلك أول السيل، كما يقولون، وتنطلق كتابات الرجل في المراحل اللاحقة لمزيد من الرؤى التي يراجع فيها موقفه من مثل هذه المسائل.

ولكن الأهم في هذه المراجعات أنها كانت مراجعات عملية في مجملها الرئيسي، حيث تراجع عن كثير من المفاهيم العملية التي تحرك تيارات السلفية الجهادية، وفي مقدمتها تصوره لمفهوم الجهاد نفسه، كأول واجبات الطائفة المنصورة، ومفهوم العدو ومفهوم دار الإسلام الذي حسم في كتاباته السابقة أنها تحولت إلى دار كفر حين غلبت عليها كلمة الكفر وشرائعه.

وكذلك مثل مفهوم الخروج، ومفهوم القتل بالتترس، والقتل على المذهب والطائفة، وكذلك اعتبار الحوادث وموازين القوى، وهي مسائل لا شك أكثر أهمية لمن يعنيه العنف أكثر في الواقع، كما أنه يؤكد في مراجعته على شجبه وإدانته لممارسات العنف القتالي الذي تقوم بها القاعدة وفروعها، مسفها لأحلام أصحابها ومواقفهم.

ونرى أن بقاء عدد من المفاهيم التأسيسية في مراجعات الرجل يعطيها الكثير من المصداقية والقوة والبقاء داخل المنظومة الواحدة باعتبار المراجعة تطويرا لها ليس إلا، وهو ليس مطالبا بأكثر مما يراه ويعتقده هو.. لا ما يريده الآخرون.

ملاحظات أولية

أؤكد ابتداء على عدد من الأمور، قبل الخوض في تحليل هذه المراجعات واكتشاف دلالاتها المعرفية والسياسية، نرى أهميتها قبل التحليل:

الأولى: أن المراجعات ليست عيبا ولا تراجعا ، بالمعنى السلبي، بل هي نقد ذاتي وفضيلة تحسب لمن يقدم عليها، وهي قديمة في تراثنا كما أنها مستمرة في فضائنا الإسلامي المعاصر، وهي ليست محصورة في الحركات الجهادية والعنفية، كما كان في مبادرة الشيخ فضل الحالية أو مبادرة أبي الفضل ناجح إبراهيم ورفاقه في الجماعة الإسلامية منذ عشر سنين، فهي موجودة على مستوى الأفراد والجماعات في آن واحد.

ولعل من أشهر هذه المراجعات ما كان من أبي الأعلى المودودي وموافقته للشيخ أبي الحسن الندوي في نقده لتفسيره السياسي للإسلام في كتابه الذي صدر في نهاية السبعينيات، قبل وفاة الأول وتعرض فيها للمفاهيم المركزية والشغالة في أطروحة كل من المودودي وسيد قطب حول الدولة الإسلامية وبخاصة الحاكمية.

وفي الأعوام الأخيرة طالعتنا مراجعة حسن حطاب مؤسس الجماعة السلفية للدعوة والقتال وأميرها السابق، التي تحولت خلال عام 2007 للقاعدة في بلاد المغرب العربي، وقد سلم حطاب نفسه مؤخرا للسلطات الجزائرية، ربما فرارا من رفاقه السابقين، الذين لم يتوانى أشباه لهم عن قتل الشيخ محمد سعيد أمير جماعة الجزأرة ( أتباع المفكر الجزائري مالك بن نبي) ومعه خمسمائة من أتباعه في منتصف التسعينيات، حينما أرادوا التراجع عن الخيار العنفي الذي اختاروه عقب الأزمة الجزائرية في عام 1992 على يد الجماعة الإسلامية المسلحة بقيادة جميل زيتوني.

كما تحولت الشبيبة المسلمة المغربية عن العنف وخرج من مخاضها حركة التوحيد والإصلاح التي يمثل حزب العدالة والتنمية المغربي فرعها وجناحها السياسي.

ولعل من أشهر المراجعات الجهادية الأخيرة، مراجعة الأردني أبي محمد المقدسي الذي يتنازع صدارة التنظير والتأسيس الفكري للقاعدة والسلفية الجهادية، مع الدكتور فضل، وقد طال نقاش وجدل حاد بينه وبين تلميذه أبي مصعب الزرقاوي قبل رحيل الأخير عام 2006، حول العمليات الاستشهادية والقتل على المذهب والطائفة، وقد استدل الزرقاوي في رده على المقدسي بآراء للدكتور فضل في هذه المسائل وغيرها.

ومن ثم فمراجعات الدكتور فضل وغيره برأينا تقدم نحو الأمام، نحو فهم أعمق للدين وأحكامه ومآزق الرؤية السابقة ونقائصها، هي قراءة تتصالح مع المسألة الماثلة واللحظة الراهنة كما تكتشف من النص ومن دوران الأحكام مناسبتهما، وهو المنطق الذي دفع الشافعي أن ينشئ مذهبا في العراق وآخر في مصر، وكان يقول -رحمه الله-: "إني لأتدين بدين الحق، أينما وجدته عدت إليه". كما أنه المنطق الذي جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول يوما: "أصابت امرأة وأخطأ عمر".

الثانية: المراجعات جزء من سياق أعم:

ربما لمأزق التيار الجهادي والأدلجة الإسلامية بعموم كان تواتر وتتابع المراجعات في صفوفها، وكان زخم متابعتها والتعاطي معها، فضلا عن رمزية مراجعات دكتور فضل تحديدا، فالمراجعات سمت عام في الخطاب العربي المعاصر، في مختلف تشكلاته وتياراته، فالنهضة العربية المعاصرة ليست سوى لحظة توتر ممتدة لا تنقطع، منذ بداياتها في أواخر القرن التاسع عشر، فمثلا تراجع الشيخ محمد عبده عن تأييده لثورة عرابي ووصفه إياه بالقائد الأشل بعد ذلك، وكذلك مغادرته لأطروحة الدولة عند أستاذه الأفغاني نحو طرح الأمة والتعليم والبدء منه، بعد وفاة الأول.

وفي لحظتنا الراهنة لم تعد القوالب الفكرية المصمتة سوى قوالب خشبية هشة يتحرك بين تخومها المفكرون وأطروحاتهم، وتتعدد روافد مرجعياتهم، فتتم أسلمة الليبرالي دون أن يدري ولبرلة اليساري والإسلام بقصد أو بلا قصد، والمقاصد البراجماتية لا تغيب في أغلب أحيان، إنه فقه الواقع المتقلب ولحظة النهضة المتوترة التي تستعصي على الحسم منذ مائتي عام ليس فقط في فضاء الإسلاميين ولكن في فضاء كل النخب العربية على حد سواء.

وأنا هنا لا أقلل من أهمية المراجعات الجهادية، خاصة ما ارتبط بها من آثار دموية وعنيفة كان أول ضحاياها العاديين والبسطاء من أهل هذا الوطن وغيره من أوطان العالم العربي والإسلامي، ولكن ما أؤكد عليه هو أن هذه المراجعات وغيرها، أمر طبيعي في مناخ متأزم ومتوتر على كل مستوياته، لم يستثن أحدا من إمكان المراجعة والتوتر داخله.

الثالثة: القراءة والعمق الدلالي المعرفي:

1-الدلالة الأهم هي تأكيد هذه المراجعات على أن خيار العنف لا يمكن أن يكون خيارا مؤبدا، ولا يمكن الامتداد به في استقامة أيديولوجية حادة ولا تاريخية فوق النص والتاريخ، فالصراع المؤبد خيار فاشل، سواء في تأسيساته أو في سياقاته، وإذا كان التأصيل السابق للدكتور فضل أو غيره يجيز ذلك ثم تراجع عنه، فهو ما يؤكد على تاريخية كل تأصيل وأن التأصيل الذي لا يتزحزح ليس سوى وهم يسكن عقول أصحابه وكهوفهم.

2-هذه المراجعات دعوة للمراجعة الشاملة من قبل النخب السياسية والفكرية الأخرى، فبعد مراجعات الجهاد المصري عن العنف، والتي تأتي بعد مراجعات الجماعة الإسلامية في مصر، ينبغي أن تدفع في اتجاه مراجعة شاملة تؤسس للتجديد والتجدد على مستوى الفكر والممارسة السياسية لهذه المجموعات ومعارضيها في الآن نفسه.

3-الدلالة الأهم هي أن العنف لا يمكن أن يكون خيارا مؤبدا وملتزما للجماعات التغييرية من مختلف مشاربها، وأن التاريخ والواقع سيظل يمارس فعله واقتداره على الأيديولوجيات الانقلابية عليه، حتى ينجح في تطويعها أو تطويرها، وهذا ليس انهزاما أمام الواقع ومنتجاته، قدر ما هو تصالحا مع الواقع والتحاما به من أجل تغيير أكثر رحابة وإمكانية.

وهذا التراجع السلمي والتأسيسي المفارق لأيديولوجية العنف نحو أيديولوجية الأمن ينبغي أن تستغله مختلف النخب السياسية والفكرية من أجل دفع الحيوية والمطلبية السياسية لمزيد من الحراك السياسي الفاعل، الذي كان يتعلل فيما سبق بالعنف الإسلامي الذي كانت تمثله الجهاد والجماعة الإسلامية، وهو ما قد يؤكد ضرورة الانفتاح السياسي الحقيقي الذي يستوعب هذه التطورات ويؤمن ممارسة سياسية مسموحا بها للجميع، دون تعلل بحوادث إرهابية هنا أو هناك، كما أنه يؤكد على قيمة جوهرية في ضرورة النقد الذاتي على الجميع أن يرتفع إليها.

من هنا نرى أن كثيرا من القراءات التي تناولت مراجعات الدكتور فضل، على الرغم من قيمتها وقدرها، لم تول نظرا لمثل هذه الدلالات المهمة التي تفيض بها هذه المراجعات، سواء في كليتها أو في تفاصيلها، قدر ما ركزت على السبق باستنتاج آثارها، وتأثيراتها على تنظيم القاعدة، غير المؤكد وجوده في مصر حتى الآن.

شروط الرهان الفكري 

نرى أن الرهان الفكري على أثر هذه المراجعات يظل مرتبطا بالحالة القطرية للتنظيم في مصر، وقياداته في السجون، وكذلك وبشكل كبير على رمزية دكتور فضل في فضاء السلفية الجهادية، وهو ما كان يتطلب من الدكتور فضل جهدا مضافا، وهي مراجعات على مستويين نوجزهما فيما يلي:

1- نقد تأسيساته السابقة: عبر نقد رؤاه السابقة في الخروج على الحاكم أو قتل المدنيين أو مسائل الجهاد، أو توضيح سوء التأويل لها، وهو بذلك يربط تلاميذه والمرتبطين به من أعضاء السلفية الجهادية بمراجعاته الحالية، ويؤكد للمتشككين فيها جوهريتها وعمقها واستقلالها، وكما اعترف الكثيرون بالعمق الفقهي للمراجعات، يعرف من قرأ التأسيسات السابقة له كذلك عمقها وحجاجها، وخاصة أن جزءا من أهدافها كان توضيح شبهات وجدل مع علماء أقدمين ومعاصرين كما قال في مقدمة كتابه الجامع في طلب العلم الشريف، وهو ما يستدعي مراجعة صاحبه له، وهو ما سبق أن صنعه العديد من المتحولين للفكرة الإسلامية من الاتجاهات العلمانية، وأولى أن يصنعه المتحولون عن أيديولوجية عنيفة تأسست على رؤية دينية بالأساس.

2- نقد كتابات السلفية الجهادية الأخرى، التي يراها أسست لهذه الممارسات التي يرفضها.

فالسلفية الجهادية وفكر القاعدة صار يجد زخما من تأسيس فقهي وديني متنوع، يحضر فيها سيد قطب وعبد الله عزام وأحمد محمد شاكر ومحمد حامد الفقي ومحمد خليل هراس ومحمد بن عبد اللطيف آل شيخ مفتى السعودية قبل السابق، وتلميذه حمود عقلا الشعيبي من الراحلين، ومن الحاليين هناك أبو بصير وأبو قتادة الفلسطيني وأبو مصعب السوري وناصر الفهد وغيرهم ممن تمتلئ شبكة الإنترنت بمؤلفاتهم ويتداولها أعضاء السلفية الجهادية، بل يحضر فيها جيل جديد من السلفيين الجهاديين صار يؤسس فكريا لممارساته العنيفة، أغلبهم لم يتجاوز عقده الثالث بعد.. أو قتل كذلك، منهم السعوديان الراحل يوسف العييري وفارس آل شويل الزهراني المسجون حاليا في السجون السعودية، والجزائري مصطفى دوركدال، الذي يشبه سلفه الجزائري السابق عنتر زبراوي.
 
بل إن كثيرا من الكتابات الرفضية والعدمية والاستياء من السياسة الأمريكية في المنطقة والعالم تمثل تبريرا وتعضيدا لهذه الأيديولوجية من طريق غير مباشر، ويتم استثمار قادتها لها، والتجنيد عبرها للأيديولوجية العنفية.

كما أن واحدا من شروط مواجهة العنف الديني هو تغيير المناخ المساعد عليها، سواء أكان سياسيا أو اجتماعيا أو خطابيا، فالأمر ينبغي ألا يحصر في مجرد مراجعة فكرية قد يظل تأثيرها تاريخيا، شأن كثير من المراجعات التي قام بها أصحابها في القديم والجديد، نذكر منها مثلا تراجع وتوبة ثلاثة من أكبر ممثلي السلفية الجهادية على شاشات التلفاز السعودي في أواخر التسعينيات، على الرغم من أنه لا زال ثناء والتزام أعضاء القاعدة في السعودية بمؤلفاتهم ونشرها عبر مواقعها المتعددة.

من هنا نؤكد أن قيمة مراجعات دكتور فضل تظل قيمة فكرية ويظل أثرها فكريا لا يمتد نحو إحداث خلخلة فكرية عميقة في فكر القاعدة، لكونها مراجعة فكرية لا تشمل التنظيمات الجهادية في سياقاتها الجيوسياسية الحالية، فضلا عن توقع تجاهل القاعدة لها، فضلا عن ابتعاد الدكتور فضل المؤكد عن التنظيمات منذ ما يزيد عن عقد من الزمان، وهو ما يستدعي منه الالتحام بالأطروحات المضادة لأطروحته الحالية بما فيها أطروحاته السابقة، دون الاكتفاء بالتبرؤ العام منها.

أما التنظيم فكفيلة بخلخلته ظروف الواقع وتحدياته التي تكسر دائما محاولات الانقلاب عليها، تحت دعوى الاقتدار والانقلاب على الزمن.

كما يبقى هناك تحد آخر هو التحدي الزمني بعد غياب جيل القاعدة القيادي الأول، الذي تجاوز العقد الخامس من عمره، واحتمالات الاختلاف بعده، وتحد جغرافي بعد تحوله من العالمية إلى الإقليمية بظهور فروعه الجديدة في جزيرة العرب وبلاد الرافدين والمغرب العربي وغيرها، مما ينذر بضعف الارتباط المركزي داخل شبكة، ويعيد الكرة لصالح الأنظمة القطرية في مواجهتها والقضاء عليها.
 


* مدير وحدة البحوث بمركز المسبار للدراسات والبحوث - دبي.

 

ابحث

بحث متقدم