English

 

السبت. ديسمبر. 15, 2007

دعوي » الدعوة والحركة

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين

الدكتور القصبي زلط في حواره مع إسلام أون لاين. نت:

مراجعات الجهاديين.. من فكر الفرقة إلى فقه الأمة

حوار - عبد الرحمن هاشم

Image
د. القصبي زلط

رحب الدكتور القصبي محمود زلط، عضو مجمع البحوث الإسلامية ونائب رئيس جامعة الأزهر سابقا، بمراجعات الجهاد وما سبقها من الجماعة الإسلامية، معتبرا أن مسائل الجهاد والدماء والأموال من القضايا العامة التي لا تنفع فيها الفتوى الفردية.

ولفت في حواره مع "إسلام أون لاين.نت" إلى أن الكلام المنشور في المراجعات ليس جديدا، ولا يضيف شيئا إلى معارف الباحثين الذين نهلوا من منابع ومراجع مدرسة الوسطية الإسلامية، التي ينتمي إليها غالبية أهل السنة والجماعة.

وقال زلط: لا أريد أن أقلل من شأن ما جاء في الوثيقة؛ لأنها تمثل انقلابا في أساسيات مشروع جماعات الجهاد، وانتقالا به من فكر الفرقة إلى فقه الأمة، وهي من هذه الزاوية مهمة للغاية لكل الفصائل التي انخرطت في المشروع وانطلقت من تعاليمه، ولا تقل في أهميتها عن مراجعات الجماعة الإسلامية التي صدرت قبل عشر سنوات، وكلها تهدر فكرة العنف وترفض التكفير.

وانتقد نائب رئيس جامعة الأزهر السابق سياسة "تجفيف الينابيع" التي تعد من أهم العوامل التي تشجع على التطرف والإرهاب، مؤكدا أن التدين الرشيد هو الذي يقوي مناعة الشباب ويحصنهم ضدهما، مطالبا الدولة أن تنظر إلى العائدين نظرة إيجابية وأن تعطيهم أملا في إمكان إحداث التغيير المرجو بالطرق السلمية؛ لأن تيسير الحلال أنجع الأساليب لقطع دابر الحرام.
 
* بداية نريد أن نتعرف من فضيلتكم على صاحب حق الإفتاء في موضوع الجهاد.. بمعنى من يفتى لمن؟


موضوع الجهاد موضوع خطير، وهو من القضايا العامة الشائكة التي لا تنفع فيها الفتوى الفردية، بل لا بد من الرجوع إلى المجامع الفقهية المعتمدة حتى تناقش ويخرج العلماء فيها برأي موحد، وهذا ما اعترفت به الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد في مراجعاتهما، وبينوا فيها بادئ ذي بدء خطورة قضية الجهاد، وخطورة الإفتاء فيها على يد غير المؤهلين شرعيا.

فيقول سيد إمام في "وثيقة ترشيد الجهاد في مصر والعالم" بعد أن بين أن طلب العلم في مقام الجهاد واجب، وأنه يترتب عليه أنه لا يجوز لغير المؤهلين شرعيا من أفراد الجماعات الجهادية تنزيل ما في بطون كتب السلف من أحكام مطلقة على واقعنا المعاصر، فالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وإن كانت ثابتة لا تتغير إلا أن فيها خيارات تناسب كل واقع وحال، وهذا لا يدركه إلا خبير بالشرع.

ثم يقول : ولا يجوز لغير المؤهل أن يفتى في هذا، ولا يجوز أيضا لغير المؤهل أن يقود مثله في عدم الأهلية لخوض صدامات باسم الجهاد، فإن الاحتياط في أمور الدماء والأموال في غاية الوجوب، وقد قال تعالى في سورة النساء: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا" [النساء : 94] ، وقد تورع النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل تمرة خشية أن تكون من الصدقة، وهي لا تحل له، فكيف لا يتورع المسلم في الدماء والأموال والأعراض، ونبيه يتورع في تمرة واحدة؟ وأخيرا يقول: ولقد رأيت بعض من لا يحسن الإجابة عن سؤال في فقه الصلاة أو الطهارة يفتي ويأمر بإهدار الدماء والأموال بالجملة، فهل يسوغ هذا في دين الإسلام؟".

ومثل هذا قاله قادة الجماعة الإسلامية، ففي كتاب "تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء" جاء ما نصه: "... ولما كان القتال يراق فيه الدماء، وتقتل فيه النفوس كان لا بد أن توضع له الضوابط الشرعية حتى لا يختلط الحابل بالنابل ولا يدرى القاتل فيما قتل ولا المقتول فيما قتل".

ثم دللوا على حرمة الدماء بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم"، وقالوا في موضع آخر في نفس الكتاب: "إن أحرى المسائل وأولى القضايا بالتدقيق فيها ولزوم الورع في تناولها والتأني في الخوض فيها هي مسائل الجهاد التي تتعرض للدماء والأموال، فعلينا أن نكل هذه المسائل لأهل العلم والاجتهاد، فإذا كنا نتحرى أقوال المجتهدين وفتوى المفتين في مسائل الطهارة والنجاسة فهل يليق أن يتصدى لمسائل الجهاد والدماء والأموال من ليس له من العلم سوى بضاعة مزجاه؟!"، وهذا الكلام وإن كان قد صدر عن الجماعة الإسلامية فهو حق نرتضيه.

* لك تجربة أتاحت لك الاقتراب من أفكار الجماعات الجهادية نقدا وتحليلا.. نريد إلقاء الضوء عليها؟

نعم.. عقدت رابطة الجامعات الإسلامية في يوليو 2007 مؤتمرا بعنوان "الإسلام بين الوسطية والتشدد.. مراجعة للفكر المتطرف"، وكان محور المؤتمر الذي اشتركت فيه مع بعض الزملاء هو تحليل فكر العائدين من خلال مؤلفاتهم، والكتاب الذي أسند إليَّ تحليل أفكاره هو كتاب: "تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء".

وقد فتح لي هذا الكتاب بابا للاطلاع على أفكار الجماعة الإسلامية، وعلى العنف الذي مارسته، ثم على مراجعة هذه الأفكار، والمناداة بالبعد عنها ومناشدة الشباب بنبذ العنف والإرهاب، وأبرز هذه الكتب التي وقعت عليها والتي عرضتها إضافة للكتاب السابق هي: "مبادرة وقف العنف"، "النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين"، "الغلو في التكفير"، وكانت مهمتي تتلخص في العرض ثم التعليق بالإضافة والتوضيح أحيانا، أو بالمناقشة والنقد أحيانا أخرى.

* من المستهدف قتاله في آية السيف؟

** الآية الخامسة من سورة التوبة والتي يطلق عليها آية السيف ليست عامة، وإنما خاصة بمشركي العرب، وقد كان لهؤلاء المشركين مواقف كثيرة ضد الإسلام والمسلمين، وخاصة مشركي مكة، فهؤلاء بعد أن أسس الإسلام دولته في المدينة حاربوا المسلمين في غزوة بدر، ثم حاربوهم في أحد وفي باقي الغزوات.

وكانوا يتعاملون مع المسلمين ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسلوب الغدر والخيانة ونقض العهد، فأراد الله أن يحمي ظهور المسلمين حتى لا ينقض عليهم هؤلاء المشركون، فأمر المسلمين بمعاملتهم معاملة خاصة، وألا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل، وهذا ما تنص عليه آيات براءة.

فقد بينت هذه السورة موقف المشركين في الجزيرة العربية من الإسلام والمسلمين، وأنهم دائما ينقضون عهودهم ويخونون، وسياق الآيات يدل على ذلك، فالله تعالى يقول: " كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ" [التوبة : 7]، ويقول: " كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ" [التوبة : 8].

ويقول أيضا فيهم بعد ذلك: " لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ" [التوبة : 10]، ويقول: " أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ" [التوبة : 13 ، 14].

ونرى في السورة أيضا أن المسلمين أمروا بأن يوفوا عهدهم مع الذين لم ينقضوا عهودهم، فقال قبل هذه الآية: " إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ" [التوبة : 4]، وعلى هذا فآية السيف خاصة بمشركين معينين، أما قتال غيرهم فله أسبابه التي وضحتها نصوص القرآن والسنة.

فالإسلام أمر بالقتال للدفاع فقال تعالى: "وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ" [البقرة : 190]، وأمر بالقتال لإنقاذ المستضعفين الذين يؤذون ويعذبون حتى يرتدوا عن دينهم على أيدي المشركين فقال تعالى: "وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ" [البقرة : 193]، وعبارة (ويكون الدين لله) كما يقول بعض المفسرين: ليس المعنى أن يدخلوا في دين الإسلام جبرا، وإنما المعنى أن يكون الناس أحرارا في أن يعتنقوا دين الله سبحانه بحيث لا يؤذون عندما يعتنقونه.

وأيضا أمر الإسلام بالقتال إذا منع الناس وصول الدعوة الإسلامية وصدوا الدعاة عن دعوتهم.. هذه هي أسباب القتال في الإسلام، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله..."، فالحديث لا يشير إلى إكراه الناس على اعتناق الإسلام، وإنما المراد بلفظ (الناس) مشركو العرب، فهو لفظ عام أريد به خاص.

وكيف نأخذ آية السيف على أساس ظاهرها، وأن العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين علاقة حرب على طول الخط.. فهذا يتعارض مع قول الله سبحانه وتعالى يقول: "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة : 8]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من قتل ذميا لم يرح رائحة الجنة"، وقوله : "من آذى ذميا فقد آذاني".

أما من ذهب من المفسرين القدامى إلى أن هذه الآية نسخت كل موادعة وكل سلام مع غير المسلمين وأن العلاقة بين المسلمين وغيرهم علاقة حرب، فهذا الفهم مردود أو مرفوض، حيث كفل الإسلام لكل الناس حرية الاعتقاد، وبين القرآن أنه لا إكراه في الدين.

* البعض يفهم مبدأ (عالمية الإسلام) أنه يعنى بالضرورة (جهاد الطلب) أي فتح بلاد جديدة، ويرهنون ذلك بالتمكين والاستطاعة.. كيف ترى ذلك؟

** الذي يحكم علاقتنا كأصحاب رسالة عالمية بغير المسلمين قول الله عز وجل : "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الممتحنة : 8]، ثم إن الفقه هو التعامل مع الواقع، وواقع المسلمين والعالم الآن ينفي هذا النوع من الجهاد الذي أوجبه بعض الفقهاء في واقع يختلف عن واقع الكرة الأرضية الآن.

ودعني أسأل ما الداعي لهذا النوع من الجهاد الآن؟ فقد علمنا أن أسباب الجهاد إما دفع العدوان أو دفع الفتنة أو إيصال الدعوة عندما يحول بين الدعاة وبين دعوتهم حائل، وبالنسبة لمسألة إيصال الدعوة فهي متاحة الآن في كل مكان وبوسائل حديثة متعددة، وهناك غير مسلمين كثر يدخلون الإسلام يوميا.

وبالنسبة لمسألة دفع العدوان أو دفع الفتنة فنرى الاعتداء على المسلمين واغتصاب أراضيهم في فلسطين والعراق وأفغانستان وكشمير وغير ذلك مما يوجب جهاد الدفع ويبقيه حتى ينتفي سببه، وعندما ننظر إلى غزوات النبي صلى الله عليه وسلم نرى أنها كلها كانت تصب في (جهاد الدفع) ثم جاء عصر الصحابة فوجد (جهاد الطلب) لإبلاغ دعوة الله؛ لأن الملوك كانوا يقفون حجر عثرة أمام الدعوة الإسلامية.

* بوصفك عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف ونائب رئيس جامعة الأزهر سابقا ما تقييمك للقضايا التي طرحتها مراجعات الجهاديين؟

** حين اطلعت على "وثيقة ترشيد العمل الجهادي" التي شغلت الرأي العام خلال الأسابيع الأخيرة وكتبها منظر الحركة الدكتور سيد إمام الشريف، الذي اشتهر بأسماء أخرى، وجدت أن الكلام المنشور ليس جديدا على ثقافتنا الأزهرية، وأن ما اعتبرته وسائل الإعلام فتوحات فكرية - كما ذكر الأستاذ فهمي هويدي - هو جزء من المعارف التي حصلها أى منشغل بالشأن الإسلامى منذ نصف قرن على الأقل، بل هو جزء من الثقافة الإسلامية التقليدية لدى أهل السنة والجماعة.

أقصد أن عناوين الوثيقة الأساسية التي تخلى فيها كاتبها عن الأفكار التي تبنتها مجموعات الجهاد الإسلامي في مشروعها، لا تضيف شيئا إلى معارف الباحثين المسلمين العاديين، ممن نهلوا من منابع ومراجع مدرسة الوسطية الإسلامية التي ينتمي إليها غالبية أهل السنة والجماعة.

ولا أريد أن أقلل من شأن الوثيقة؛ لأنها تمثل انقلابا في أساسيات مشروع جماعات الجهاد، وانتقالا به من فكر الفرقة إلى فقه الأمة، وهي من هذه الزاوية مهمة للغاية لكل الفصائل التي انخرطت في المشروع وانطلقت من تعاليمه، ولا تقل في أهميتها عن مراجعات الجماعة الإسلامية التي صدرت قبل عشر سنوات، وكلها تهدر فكرة العنف وترفض التكفير، وتنهى عن قتل المدنيين المسلمين أو التعرض بالأذى للأجانب السائحين، وتنوه إلى أن التكليف منوط بالعقل والعلم والقدرة، وتتحرى سبلا جديدة للتصالح مع المجتمع، تتوافق مع ما اصطلحت عليه الأمة وتعايشت في ظله منذ قرون، إلى جانب أنه من الإنصاف أن نشيد بشجاعة الرجل الذي تبنى هذه المراجعات، ولم يتردد في نقد الأفكار التي سبق أن تبناها، مؤثرا العودة إلى الحق الذي أدركه، بدلا من المضي في العوج الذي بدأه.

* ترى ما السبب الرئيسي لهذه المراجعات؟

** أعلق دائما بأن هذه المراجعات لم تتم بناء على قهر أو جبر، وإنما تمت بناء على اقتناع وبصر، وهم قد أعلنوا سبب هذه المراجعات، فالجماعة الإسلامية كتب قادتها تحت عنوان (شرعية التغيير في الاجتهادات الفقهية) أن الاجتهادات والفتاوى والآراء والأفكار كلها قابلة للتغيير؛ لأنها اجتهادات بشرية وليست نصا مقدسا من عند الله.

ومن الأمثلة التي عرضها المؤلفون يتضح لنا أن سبب المراجعات هو التغير في الفكر والاجتهاد نتيجة التوسع في القراءة داخل السجن، والوقوف على نصوص غير التي وقفوا عليها، ونقلوا أن عمر رضي الله عنه خرج على ما كان عليه الحكم في (الزكاة) من إعطاء المؤلفة قلوبهم، حيث منع سهم المؤلفة قلوبهم لأن الإسلام صار في قوة ومنعة، ومنع (إقامة الحد) على السارق في عام المجاعة لوجود شبهة تدرأ حد السرقة وهي الجوع، فالجوع شبهة تسقط الحد عمن لا يجد ما يشتري به.

وكذلك فعل الإمام علي رضي الله عنه حيث قضى (بتضمين) الصناع إذا هلك ما تحت أيديهم على خلاف ما كان متبعا من قبل، وما ينطبق على الجماعة الإسلامية ينطبق على الجهاد، فالدكتور سيد إمام رأى بأم عينيه أن مشروعه القائم على تكفير المجتمع والخروج على حكامه ومقاتلتهم حقق فشلا ذريعا، وأنه كلف الأمة ثمنا باهظا من دماء وأرواح أبنائها وعرض مجتمعاتها لويلات وأحزان كانت في غنى عنها.

وهو ما صدمه وجعله يفتح عينيه على الدائرة الأوسع، متجاوزا بذلك الفرقة الاستثنائية التي تقوقع في داخلها، وحين خرج من النصوص إلى الواقع، ومن ضيق الفرقة إلى سعة الأمة، فإنه رأى المشهد من زاوية مغايرة تماما، وكانت النتيجة أنه قرأ النصوص التي انطلق منها من منظور مغاير رأى فيه الواقع بمتغيراته والتكاليف بأولوياتها وموازناتها، والمدارس الفقهية بثرائها وتعدد اجتهاداتها، وهو ما أوصله إلى مشارف فقه الأمة الذي بدا فيه فقه الفرقة وفكرها مجرد نقطة في بحر كبير بلا شطآن.

* لكن ألم يكن للأزهر دور في هذه المراجعات؟

** إن الجماعات التي وجدت في مصر أو في غيرها من البلدان الإسلامية لم تكن تثق بعلماء الأزهر؛ لأنهم من وجهة نظرهم (علماء السلطة)، ومن الملاحظ أيضا أن هذه الجماعات لها قيادات هي التي يسمع كلامها وتوجيهها، ولا يأبه أتباعها بأي كلام آخر.

ومن هنا فإن تعصب هذه الجماعات يكون للأشخاص لا للحجة والدليل، وهذا ما نلمحه في كتابات الدكتور سيد إمام، فقد حذر من هذا التعصب، ودعا إلى عدم الاستجابة لتوجيهات القادة بعد هذه المراجعات.

فهو يقول في الحلقة الرابعة وتحت عنوان (شرط الإذن والتكافؤ) بعد أن استعرض أن إذن الوالدين في الجهاد الكفائي واجب، وأنه لا يصح للولد أن يخرج بدون إذن والديه أو أحدهما، وكذلك لا يجوز أن يخرج عند بعض الأئمة في الجهاد المفروض عينا، عندما يكون في خروجه تضييع للوالدين أو أحدهما، يقول بعد هذا العرض: فيا أيها المسلم لا تسمح لأحد من الجهال ومدمني الشعارات أن يستفزك للدخول في صدام أنت غير مؤهل له، وغير قادر عليه باسم الجهاد، ويتلو عليك نصوص الوعيد لمن ترك الجهاد، فإن هذا شيء لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة رضي الله عنهم عند عدم القدرة، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان قبل الهجرة وفي وقت الاستضعاف يطلب النصرة ويقول "من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي"، وذلك عملا بما أرشده الله إليه في قوله: "وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيرا"ً [الإسراء : 80]، ثم يقول في النهاية (واعلم أن الله سبحانه قد رتب نظام هذه الدنيا على الأخذ بالأسباب لا على خوارق العادات).

* في نظرك ما الدرس المهم الذي تطرحه هذه المراجعات على مستوى المجتمع والدولة؟

*من خلال تتبعي لمسار التيار الجهادي، لاحظت أن هذه المجموعات بدأت تتوالد في أواخر الستينيات عقب الصدام الثاني بين ثورة يوليو وجماعة الإخوان المسلمين، الذي ترتب عليه اعتقال عدد كبير منهم، الأمر الذي أخلى الساحة من أى وعاء يمكن أن يستوعب الشباب المتدين الذي اتسعت دوائره في المناخ الذي أعقب هزيمة 67.

ولأن الفكر المتشدد هو الذي توفر لهم في الساحة التي غابت عنها أوعية مدارس الوسطية، فقد كان طبيعيا أن ينجذب هذا الشباب - أغلبهم من النابهين في الكليات العملية غير الأزهرية - إلى ذلك الفكر ويوغلوا فيه، إلى الحد الذي أوصلهم إلى ما وصلوا إليه.

هذا التحليل إذا صح، فإنه يقودنا إلى الدرس المهم المتمثل في أننا حين لم نوفر للشباب سبل تحصيل حد معقول من الثقافة الإسلامية، فإننا دفعناهم دفعا إلى الارتماء في أحضان الفكر المتشدد.

أيضا تظهر خطورة فكرة "تجفيف الينابيع" التي تبنتها بعض الجهات المشتبكة مع التيار الإسلامي، حيث أثبتت التجربة التي نحن بصددها أن ذلك التجفيف من أهم العوامل التي تشجع على التطرف والإرهاب، في حين أن التدين الرشيد هو الذي يقوي مناعة الشباب ويحصنهم ضدهما.

* إذا كان هؤلاء قد اكتشفوا خطأ الطريق الذي تنكبوه ونبذوا العنف وأعلنوا ذلك في مراجعاتهم فما الواجب تجاههم؟

** ينبغي أن تنظر إليهم الدولة نظرة إيجابية، ويجب أن نوفر لهم طريقا بديلا يعطيهم أملا في إمكان إحداث التغيير المنشود بالطرق السلمية؛ لأن تيسير الحلال هو أبسط الأساليب لمنع الحرام.

 

ابحث

بحث متقدم