|
| لبنان يعيش فراغا رئاسيا منذ 23 نوفمبر الماضي |
بين حالة الفراغ المنظم التي يعيشها لبنان منذ ليلة الرابع والعشرين من نوفمبر الماضي بعد خلو سدة الرئاسة للمرة الثالثة في تاريخه، وبين فترة زمنية غير معلومة في انتظار ملء هذا الفراغ بوصول الرئيس العتيد، تطرح جديا على بساط البحث الدلالات والإشكاليات الأكثر تعقيدا من مجرد اختيار الرئيس أو تشكيل الحكومة الجديدة.
فهذا الفراغ لم يتولد فقط نتيجة الخلاف على شخص الرئيس بقدر ما أنه يعكس ثقل أعباء مرحلة انتقالية بدأت مع الانسحاب السوري من لبنان أواخر العام 2005 بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وما أعقبها من صراعات سياسية وتشنجات طائفية ومذهبية أوصلت البلد إلى حالة من الشلل السياسي الكامل في غضون عامين بعد أن تحولت مؤسسات الدولة الشرعية إلى جمعيات تقوم على خدمة أصحاب النفوذ والمال ورعاة الطوائف وأرباب المنافع والمتنافسين على الزعامة والمتعلقين بإيران وسوريا والمنساقين خلف أمريكا والغرب.
دلالات الفراغ
وأول التساؤلات التي تطرحها الوضعية اللبنانية الراهنة تتعلق بالتساؤل حول حاجة لبنان إلى ميثاق جديد للطوائف وما إذا كانت بعض الطوائف أو الأقطاب فيها قد بدأت فعليا رحلة البحث الجدي عن هذه الصيغة الجديدة.
الواقع يشير أنه للمرة الثالثة يحدث فراغ في موقع الرئاسة، لكنها المرة الأولى التي يجد فيها الموارنة أنفسهم دون ماروني على رأس مؤسسة كبرى من مؤسسات الدولة، ولا سيما في موقع الرئاسة الأولى، فالفراغ الرئاسي الأول حدث يوم 21 سبتمبر 1952 مع استقالة "بشارة الخوري" أول رئيس للجمهورية بعد نيل الاستقلال عام 1943، لكن دخل ماروني آخر رئيسا لحكومة انتقالية كان هو قائد الجيش فؤاد شهاب.
وآل الفراغ الثاني في عام 1988 حين انتهت ولاية الرئيس الجميل دون التوافق على رئيس بديل إلى قيام حكومة ثانية في لبنان برئاسة قائد الجيش حينذاك العماد ميشال عون، وتبع هذا الفراغ حرب بين المسيحيين قادت، إلى جوار الحرب الأهلية، إلى تأسيس جمهورية الطائف أو الجمهورية الثانية في لبنان في العام 1989، والتي تراجع معها الدور القيادي للمسيحيين داخل النظام السياسي.
ومع نهاية هذه الجمهورية الثانية فعليا بخروج سوريا العسكري من لبنان خريف عام 2005، وبخلو سدة الرئاسة وحلول فخامة الفراغ محل الرئيس الماروني، علاوة على تعطل المجلس النيابي وعدم اعتراف ما يربو على نصف اللبنانيين بشرعية الحكومة الحالية التي تتولى بالوكالة مهام رئيس الجمهورية، أصبح مسيحيو لبنان الآن لا يعانون من خطر التهميش السياسي الذي أصابهم بعد اتفاق الطائف وحسب، بل إنهم يرون أن ثمة خطرا وجوديا يتهددهم خاصة بعد أن انقسموا بين فريقي الموالاة (وهم مسيحيو 14 آذار) وبين المعارضة (وهم مسيحيو 8 آذار).
وقد ترك هذا الإحباط المسيحي بصماته على الطرفين، فمسيحيو الموالاة أو الأكثرية النيابية أعربوا عن رفضهم سيادة الفراغ حتى لو اضطر الأمر حينذاك إلى انتخاب رئيس بالنصف + واحد، أما الطرف المسيحي الأبرز في المعارضة زعيم التيار الوطني الحر ورئيس كتلة التغيير والإصلاح النيابية ميشال عون، فقد كان أبعد نظرا في طرحه لوثيقة الطروحات المسيحية (4 ديسمبر 2007)، والتي عدها المخرج الوحيد من وجهة نظره لكل من تهميش المسيحيين وبدء علاج أزمات لبنان السياسية والاقتصادية والمجتمعية.
لقد رأى العديد من المراقبين أن هذه الوثيقة تتضمن طرحا يعيد للمسيحيين دورهم ويبني فيدرالية جديدة للطوائف في لبنان ويعيد من جديد تأسيس بنية سياسية أخرى وشراكة حقيقية في الوطن، بيد أن هذه الوثيقة لم تشر من قريب أو بعيد إلى مسألتين جوهريتين، أولهما اتفاق الطائف وثانيتهما إسرائيل وخطرها على لبنان، وهو ما يشير من زاوية أخرى إلى أن العماد عون يطرح رؤيته بالقدر الذي يحفظ له موقع رئاسة الجمهورية بعد عامين على ضوء موقفه الذي يرمي إلى انتخاب العماد ميشال سليمان قائد الجيش لحين إجراء الانتخابات النيابية في مارس 2009 أو قبل هذا التاريخ.
ولا يمنع ذلك في كل الأحوال أن ثمة طرفا مسيحيا قد بدء فعليا رحلة البحث عن صيغة توافقية جديدة، وحتى إن كان هناك من يجزم بأن اتفاق الطائف لم يهمش دور المسيحيين على اعتبار أن انتقال معظم صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء وضرورة إجرائه استشارات ملزمة حول تعيين الوزراء لا يشكل تهميشا في ظل إبقاء كافة وظائف الفئة الأولى بالدولة مناصفةً بين المسيحيين والمسلمين، وعلى خلفية أن الخلل الأساسي يكمن في الممارسة السياسية لزعماء الطوائف في لبنان وانقسام المسيحيين على أنفسهم قبل وبعد توقيع اتفاق الطائف.
توازنات المرحلة
ومن جانب آخر تكشف الأزمة السياسية الراهنة عن حجم القوة السياسية لكل من حزب الله وحركة أمل، إذ يكاد يوجد إجماع على أن حزب الله بات المعادلة الأصعب في السياسة اللبنانية، وأن ما لم يوافق عليه الحزب يصعب تمريره، كما أن زعيم حركة أمل ورئيس البرلمان الرئيس نبيه بري يعد قوة شيعية كبرى باعتباره من ركائز المعارضة، كما أنه يعد رمانة ميزان ضرورية وحيوية في السياسة اللبنانية كونه رئيسا للبرلمان.
ومعلوم أن حزب الله لم يدخل في قلب السياسة سابقا، وتحديدا في عقد التسعينيات، إلا بالقدر الذي كان يحفظ له حق المقاومة في الجنوب ويمنع النقاش حول مسألة نزع سلاحه ما دام هناك احتلال وعدو إسرائيلي يحتل أراضيَ لبنانية، فوازن الحزب بين الأيديولوجي والسياسي ولم يكن ينحاز بشكل دائم إلى المعارضة أو الموالاة.
أما مع بزوغ عهد الجمهورية الثالثة، وفي قراءة موضوعية لتحولات المرحلة، عمد الحزب إلى أن يكون ركنا وفاعلا مركزيا في السياسة اللبنانية الداخلية، يملك تعطيل وشل عمل الحكومة والمجلس النيابي ويملك حق النقض على اختيار رئيس لا يناسب خياراته وأولوياته، حتى أن الحزب قد دخل تماما طور "اللبننة" باعتماده ورقة التفاهم مع التيار الوطني الحر في فبراير 2006، وفي ذات الوقت يسعى للحفاظ على دولته الخاصة في الجنوب ليبقى مجتمع حرب ومقاومة.
على أن كافة هذه المتغيرات في طبيعة المشهد داخل الطائفة الشيعية لم ينعكس في محاولة لإعادة صيغة لبنان الوفاقية التي استقرت بميثاق الطائف؛ فحزب الله يدرأ بنفسه عن مواجهة سنية شيعية، ويكفيه الآن الحضور السياسي الفاعل والتحكم عن بعد في مفاصل السياسة العامة بالبلد، وبالقدر الذي يحفظ له هامش التحرك الحر بالجنوب ويضمن له الاحتفاظ بالعلاقات المتميزة والقائمة منذ عام 1982 مع كل من سوريا وإيران.
ويمكن القول: إن حزب الله من أكثر القوى السياسية التي حققت أهدافها حتى الآن، إذ أنه قد أظهر وبجلاء قوته في الرد على أي محاولة لنزع سلاحه بالقوة أو إدخال تعديلات جديدة على مهام قوات اليونيفل بالجنوب من خلال قدرته على الحشد والمعارضة القوية وربما تعطيل مؤسسات الدولة السياسية والإدارية في حال اتخاذها قرارات كهذه.
هل من ميثاق جديد؟
ولا يعني هذا التغير الحادث داخل الطائفتين المسيحية والشيعية أن لبنان بات بحاجة ملحة إلى "طائف" جديد، كما أن الانتقال العسير لتأسيس الجمهورية الثالثة لا يعني التفلت من سياق الطائف خاصة بالنسبة للعماد عون ولحزب الله؛ لأن كلا منهما قد بنى مواقفه السياسية الحالية خاصة ما يتعلق منها باختيار الرئيس الجديد على وثيقة الوفاق الوطني "اتفاق الطائف".
يتكشف ذلك بالنظر إلى أن النزاع بين الأكثرية والمعارضة هو في الأساس نزاع ناجم عن المزاوجة بين الدستور والميثاق، فوفقا لبنود الدستور تعد حكومة الرئيس السنيورة شرعية ويعد تغيب النواب عن جلسة انتخاب رئيس للجمهورية أمرا لا دستوري، بل إن انتقال صلاحيات الرئيس بالوكالة لمجلس الوزراء مجتمعا له سند دستوري واضح، بينما كافة هذه الأمور غير ميثاقية وفقا لميثاق العيش المشترك واعتماد مبدأ الديمقراطية التوافقية، والدستور اللبناني هو الوحيد في العالم الذي يتضمن صيانة للميثاق ولأسس العيش المشترك، فالفقرة (ى) من المقدمة تنص على "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"، والمادة 95/أ تنص على أن "تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة".
والإشكالية الكبرى هنا أن كل فريق يستخدم قاعدة الأكثرية الديمقراطية المعمول بها في غالبية النظم البرلمانية حين يملك هو الأكثرية النيابية، أما المعارضة فتصر على اعتماد التوافق، وبين هذا وذاك تتيه آليات سير العمل السياسي ومنع الفراغ المؤسساتي بالدولة.
وإذا أضيف إلى ما سبق أن ميثاق الطائف قد أسس للجمهورية الثانية، فإن هذه الجمهورية الثانية لم يشأ لها أن تقوم على أراض الواقع، فسوريا قد فرضت وضعا خاصا بها في لبنان، ولم تشكل اللجنة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، ولم يؤسس لقانون انتخابي عصري، ولم تؤخذ في الاعتبار ضرورة قيام مجلس للشيوخ يعكس التركيبة الطائفية ليبقى مجلس النواب مجال التمثيل الشعبي الخالص.
والأمر الثالث هو أن الظرف الإقليمي والدولي الراهن لم يمكّن أيّا من الأطراف الخارجية الفاعلة من أن تفرض رئيسا مواليا لها في لبنان، بل اتفقت هذه الأطراف ضمنيا على التموضع لفترة ما حول صيغة الفراغ المنظم لحين نضوج شروط التسوية، فكيف بهذه الأطراف أن توافق على تأسيس صيغة لبنانية جديدة في الأمد المنظور.
إن جوهر الخلاف القائم اليوم في لبنان -حتى إن تجاوز رئاسة الجمهورية وتشكيلة الحكومة الجديدة- يؤكد أن كافة الفرقاء في لبنان يسعون لتعزيز مراكزهم السلطوية تحقيقا لمصالح بعضها فئوية وبعضها طائفية وبعضها شخصية لا لصالح إعادة تموضع طائفة ما على حساب طائفة أخرى.
وهنا تكمن أسباب تمسك الفرقاء في لبنان بالتفاوض حتى الرمق الأخير دون تقديم تنازلات ملموسة من أجل اختيار رئيسهم الجديد الذي -ولا شك- سيكون عنوانا لمرحلة لبنانية جديدة، ستؤسس لمستجدات وليدة وإن لم تلغ في كل الأحوال السياقات المركزية التي تقوم على أساسها الصيغة اللبنانية الحالية.
كاتب وباحث سياسي.
|