|
| خارطة العالم الإسلامي |
عمليات التفجير الإرهابي في الجزائر يوم 12/12/2007 كعمليات تفجير سبقتها في الجزائر نفسها وفي المغرب بجوارها وفي عدد آخر من البلدان الإسلامية ليس فيها قوات احتلال أجنبي، عمليات عنف غير مشروع إسلاميا، مهما جرى ليّ النصوص والأحكام من جانب من لا يفقهونها لتسويغ أعمالهم، ومهما أتقن العاملون من أجل استمرار تلك العمليات فنّ تفسير الواقع وتأويله ونسج الأساطير والأوهام لتعليلها، وهي حتى لو كانت تمثل استخدام القوّة المسلّحة استخداما مشروعا - وما هي كذلك - لا تلحق ضررا كبيرا بعدوّ أجنبي، ولكن تلحق أفدح الأضرار بالعرب والمسلمين وبلادهم في الأوضاع الراهنة.
ولقد تلاقت أصوات التفجير في الجزائر في ذلك اليوم، مع عملية الاغتيال الإجرامية في لبنان لقائد العمليات في الجيش اللبناني العميد فرانسوا الحاج، ومع أصوات القذائف الإسرائيلية الإجرامية في قطاع غزة، ومع تفجيرات أخرى في جنوب العراق، ومع القذائف الأطلسية في أفغانستان، ليطرح مسلسل التفجيرات صورة للعالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، تنطبق عليها صياغة تعبير "هلال الأزمات" الذي استخدمه الأمين العام لحلف شمال الأطلسي عام 1993م في بروكسل، وهو يشرح المسوّغات الغربية لتعديل البنية الهيكلية والمهام الأساسية للحلف كي يتوجه بقوته العسكرية، وقضّه وقضيضه، للتحرّك مستقبليا باتجاه البلدان الإسلامية، تنفيذا لشعار "الإسلام عدوّ بديل"، الذي رفعته الولايات المتحدة الأمريكية عام 1991م عقب انتهاء الحرب الباردة.
وهذا ممّا يستدعي طرح السؤال: ما الذي صنعته السياسات والممارسات الأمريكية والغربية والإقليمية منذ ذلك الحين، حتى تحوّل العالم الإسلامي فعلا إلى "هلال أزمات متفجّرة" وليس هلال أزمات سياسية فحسب؟
إخفاق مزدوج للإرهاب
مشكلة ما يسمّى الإرهاب ليست وليدة الساعة، وتاريخ نشأتها لا يرتبط بتاريخ المنطقة الإسلامية بالذات، وما انتشرت عملياتٌ يسري عليها حديثا وصف "الإرهابية" انطلاقا من أرض إسلامية أو تحت عنوان "إسلامي" إلاّ في فترة متأخرة، ولئن بلغت ذروة عنفوانها في تفجيرات السفارتين الأمريكيتين في تنزانيا وكينيا عام 1998، ثم في نيويورك وواشنطن عام 2001، فلا بد أمام ما وصل إليه شريط الأحداث الدامية من تسجيل ملاحظتين أساسيتين:
الملاحظة الأولى: أن العمليات التي تحرّكت بها مجموعات مترابطة تحت مظلة "تنظيم القاعدة" أو متفرّقة وتنهج نهجه، كان ضحاياها من العرب والمسلمين على اختلاف انتماءاتهم وتوجّهاتهم يعدّون مئات أضعاف ضحاياها من غير العرب المسلمين، كما كان هؤلاء من المدنيين غير المنخرطين مباشرة في عمل عسكري عدواني، يعدّون عشرات أضعاف من سقط من العسكريين المحاربين تحت أعلام الاحتلال والعدوان في البلدان العربية والإسلامية.
كما أنّ جميع هذه العمليات لم تحقّق هدفا مقبولا من الأهداف المعلنة لتنظيم القاعدة في ميدان أمني أو سياسي - مثل تنظيمات سبقته على النهج نفسه في مصر والجزائر وسواهما - فلا تحقّق تحرير عن طريقها، ولا سقط مرتكز من مرتكزات الهيمنة الأجنبية نتيجة لها، بل على النقيض من ذلك حتى الآن، كانت سببا في مضاعفة هجمة عسكرة الهيمنة، وارتماء المزيد من الأنظمة الحاكمة في خندق التبعية لها، ومضاعفة ترسيخ أسباب الاستبداد المحليّ إلى جانب الاستبداد الدولي.
حتى مقولة إنّ عمليات التفجير في نيويورك وواشنطن كانت استفزازية لتتحرك القوات الأمريكية باتجاه البلدان الإسلامية فتتلقّى الضربات الموجعة، مقولة مخادعة من البداية، فعسكرة الهيمنة وهجمة "الحروب الوقائية" كانت مقرّرة في وثائق كُشف عنها، وتنتظر الانطلاق في فرصة سانحة، وكانت هزيمتها محتّمة، من قبل نشر تلك المقولة، ومن قبل تحرّك تنظيم القاعدة نفسه، بل إنّ هذه المقولة تلتقي مع الفرضيات التي تحدّثت عن ضلوع جهات أمريكية في حمل المسئولية عن تفجيرات نيويورك وواشنطن، لتكون على غرار "بيرل هابر" في الحرب العالمية الثانية، سببا كافيا لتسويغ التحرّك العسكري الأمريكي المقرّر مسبقا.
إنّ سلوك طريق الإرهاب وفق استخدام الكلمة حديثا - والمقصود في غياب تعريف مصطلح دولي قويم ومشترك العنف غير المشروع- هو طريق علاوة على عدم مشروعيته من حيث الأساس والمبدأ لا يؤدّي على أرض الواقع إلى تحقيق أهداف كريمة، ولا يمكن القبول به على أساس قاعدة الغاية تسوّغ الوسيلة فهي مرفوضة إسلاميا من الأصل، ويلتقي في نتائجه مع النتائج التي يريدها ويعمل لها العدوّ المستهدَف به نظريا، مقابل إصابة العدد الأعظم من الضحايا خارج نطاقه واقعيا.
الملاحظة الثانية: كذلك فممارسة الإرهاب، بمعنى العنف غير المشروع، في مواجهة حروب عسكرة الهيمنة الأمريكية، تحت عناوين لا أصل لها من المشروعية من أي منطلق، ومنها عنوان الحرب ضدّ الإرهاب، ممارسة مرفوضة من حيث الأساس أيضا، ولا تمثل سوى تكريس شرعة الغاب.
كما أنّها أثبتت إخفاقها الذريع على أرض الواقع في تحقيق الهدف "الرسمي" المعلن لها، فلم تستطع أن تجتثّ الإرهاب من جذوره، بل لم تستطع أن تكبح ازدياد انتشاره، ولم تحقق هدفا واحدا على هذا الصعيد، باستثناء إضافة مزيد من الإرهاب، للشعوب والحكومات، والمدنيين الآمنين لا المحاربين المسلّحين، مثلما أضافت أبشع أشكال إجرام البشر بحق البشر، كما تطرح عناوين جوانتنامو وأبو غريب والمعتقلات السرية والفلوجة والحديثة ورفح وقانا وغيرها، وقد أصبحت وصمة عار في سجل التاريخ، على جبين من يحمل المسئولية عنها.
كذلك أخفقت الممارسات الحربية الإرهابية إخفاقا ذريعا على أرض الواقع في تحقيق الهدف "الحقيقي" المعلن جانبيا، تحت عنوان "الفوضى الخلاقة" في "شرق أوسط كبير أو صغير وعتيق أو جديد"، فصنعت الفوضى ولم تكن "خلاّقة" حتى بالمعنى الاستعماري المقصود بها، أن تسمح بإيجاد أوضاع جديدة تتلاءم مع تثبيت دعائم الهيمنة الأمريكية على أسس جديدة، قابلة للبقاء حينا من الزمن قبل أن تهترئ كسوتها، وتحوّلت إلى فوضى لا يكاد المسئولون الأمريكيون الحاليون والذين يعدّون أنفسهم لاستلام المسئولية، أن يجدوا مخرجا كريما منها، فباتت تتخبّط ما بين خطط جديدة للهيمنة وخطط لمحاور إقليمية فاسدة وخطط لإيجاد بدائل في السلطات المحلية وخطط للانسحاب العسكري بالإكراه من البلدان التي دمّرتها حروب الفوضى ودمّرت فيها حتى إمكانية اصطناع أوضاع "مستقرّة" على أساس خدمة المصالح والمطامع الأمريكية.
إنّ الإرهاب والحرب الإرهابية ضدّ الإرهاب عنصران متكاملان في حمل المسئولية عمّا لا يزال يقع من عمليات عنف غير مشروع، حيثما وقع في أنحاء الأرض، سواء داخل البلدان الإسلامية نفسها أو خارجها، وسواء انتحل لنفسه حمل راية المقاومة - وهي مقاومة موجودة مشروعة فعّالة بوجود تنظيمات الإرهاب وغيابها - أم لم ينتحل، وسواء حملت الحروب العدوانية بدعوى مكافحته عنوان الوقائية المبتكر أم لم تحمل.
هذا وجه من وجوه الفوضى الهدّامة التي يجب أن تتلاقى الجهود على مواجهتها والحيلولة دون تفاقمها، والعمل على اجتثاث أسبابها من الجذور، وفي مقدّمة تلك الأسباب انصياع نهج التبعية المحلية للهيمنة الأجنبية.
كما أن تكامل الإرهاب والحرب الإرهابية يفرض العمل على التمييز الدقيق، العملي في الممارسات لا النظري في طرح الأفكار وإطلاق التصريحات فحسب، ما بين ذلك العنف غير المشروع، كما في حالة الجزائر أو حالة لبنان المشار إليهما، وبين المقاومة المشروعة الواضحة دون لبس كما في قضية فلسطين، وكما هو حالها دون ممارسات إرهابية في العراق وأفغانستان وكلّ أرض ترزح تحت الاحتلال العسكري الأجنبي.
إدانة الاستبداد والاحتلال كإدانة الإرهاب
إنّ إدانة أيّ عملية عنف غير مشروع، في أي أرض، كما هو الحال مع إدانة عمليتي الجزائر والاغتيال في لبنان يوم 12/12/2007، إدانة مطلوبة مفروضة دون تحفظ ودون تردّد، ولكن لا ينبغي أن تشغل عن التعامل القويم مع الأرضية التي أصبحت من مصادر أسباب نشأة جماعات ترتكب العنف غير المشروع في الجزائر، ومن مصادر الثغرات التي تنفذ منها القوى الكامنة وراء مسلسل الاغتيالات لتقويض وجود لبنان ومؤسساته والحيلولة دون استقراره.
ولئن أصبح يسيرا على كثير من المسئولين السياسيين أو العاملين في ساحة الفكر والإعلام في كثير من البلدان العربية والإسلامية، أن يدينوا بمواقفهم ومقولاتهم بقوّة، الاحتلالَ الأجنبي، والعدوان الخارجي، ومطامع الهيمنة، وما بات يسري عليه وصف الاستبداد الدولي، فإنّ مثل هذه الإدانة تفتقر إلى المصداقية وتفتقد التأثير الفعّال؛ لأنّها تتزامن وتتجاور مع سلسلة من أسباب إضعافها، وفي مقدّمتها:
1- إدانة الهيمنة الأجنبية شكليا والتبعية لها واقعيا.
2- إدانة الاستبداد الدولي وممارسة الاستبداد المحلي.
3- إدانة الإرهاب عنفا غير مشروع والحرب على المقاومة بالقوة المشروعة.
4- إدانة استغلال الإسلام عنوانا فوق عمليات عنف غير مشروع، وممارسة القمع غير المشروع لكل دعوة إلى الأخذ بالإسلام كما أنزل في الحياة والحكم.
5- إدانة زعزعة استقرار بلد كلبنان والعمل على استقرار مزيّف مرتبط بالقوى الدولية.
6- إدانة سياسات منظمات متهمة بخدمة مصالح أجنبية أو تحقيقها ولو دون قصد، وممارسة سياسات تخدم المطامع الأجنبية رسميا وعلنا.
7- إدانة التعاطف مع عمليات عنف غير مشروع، وممارسة الملاحقة للمتعاطفين مع المقاومة المشروعة.
لا يمكن إيجاد أجواء جديدة داخل البلدان الإسلامية تحول دون استشراء ظاهرة العنف المحلّي غير المشروع، دون تعبئة شعبية واسعة النطاق على هذا الطريق، ولا يمكن تحقيق هذه التعبئة في ظلّ حملة رسمية واسعة النطاق، دوليا ومحليا، لخنق المقاومة المشروعة وتقويض التحامها الراسخ مع إرادة الشعوب على طريق تحرير الأرض العربية والإسلامية وتحرير صناعة القرار فيها.
إن من أخطر ما يساهم في نشر الفوضى الهدّامة، على حساب الشعوب والحكومات، هو المضيّ وراء الرؤى الصهيوأمريكية لاستخدام القوة داخل البلدان الإسلامية، والحكم على ذلك بالإرهاب، سواء كان لغرض مشروع أو غير مشروع، وبوسيلة القوة المشروعة ضد الاحتلال والعدوان أو بوسيلة العنف غير المشروع ضدّ أهداف أجنبية ومحلية.
لا يمكن النظر في عودة العنف غير المشروع إلى الجزائر على سبيل المثال، وانتشاره من جديد، دون النظر في أرضية المصالحة الوطنية وارتكازها على مثل ما ترتكز عليه الانتخابات في كثير من البلدان الإسلامية الأخرى، على استثناء التيار الإسلامي العريض أو تقييده أو تحجيمه، أو تطويعه وعلمنته، بمختلف السبل، بعد أن أصبح التيار الأقوى شعبيا، والأقدر مستقبلا على احتضان الأهداف الوطنية الذاتية المستقلّة عن هيمنة أي قوة أجنبية.
ولا يمكن وقف مسلسل الاغتيالات في لبنان أو مواجهته الفعّالة إذا استحال وقفه، ما دام وجود لبنان الدولة، ووجود هدف الاستقلال الوطني الناجز، ووجود مؤسسات الدولة، مرهونا، أو العمل على أن يكون مرهونا، بإرادة القوى الدولية، الأمريكية والأوروبية، والاستعداد لوقف مسيرة الحياة السياسية نفسها في لبنان لحساب العمل على الانحراف بها وفق رغبات القوى الأجنبية.
ما جرى ويجري في الجزائر ولبنان يختلف عمّا جرى ويجري في فلسطين والعراق وأفغانستان، حيث لا يسري وصف الهيمنة الأجنبية عبر مرتكزات محلية، بل يسري وصف الاستعمار والاحتلال والعدوان بالقوة العسكرية الأجنبية بصورة مباشرة.
لقد حققت المقاومة المسلّحة هنا كثيرا من أهدافها، فحالت دون التسليم المطلق لعملية القهر الاستعماري العسكري الأجنبي، ولم يعد مطروحا استقراره قدر ما يُطرح البحث عن إنقاذ ما يمكن إنقاذه في فترة تراجع أو انهيار أو انسحاب.
ويختلف هنا مفعول الفوضى الهدّامة التي أوجدتها عسكرة هجمة الهيمنة الصهيوأمريكية خلال السنوات القليلة الماضية، فيختلط فيها عمل القوة الباطشة الأجنبية بالقوة الباطشة من جانب المرتكزات المحلية، كما يختلط العدوان الأجنبي المتواصل بالمشاركة المحلية والإقليمية في الحصار الظالم لقوى المقاومة المشروعة، وتختلط مزاعم الحرب ضدّ إرهاب ومنظمات إرهابية بوقائع الفتك المتواصل لإخماد المقاومة وتنظيماتها.
وهذا مّما يطرح مفعول الفوضى الهدّامة في أخطر ميادينها، فحجّة الحيلولة دون سقوط العراق ضحية حرب أهلية ومواجهات طائفية أوجد الاحتلالُ أسبابها ومرتكزاتها، باتت المدخل إلى ممارسة عمليات إرهابية تُنسب إلى المقاومة المشروعة، وإلى ممارسة حملات تستهدف المقاومة المشروعة وتتستّر تحت عنوان الحرب ضدّ الإرهاب.
وحجّة الحيلولة دون عودة طالبان إلى ممارسة السلطة بصيغة كانت موضع الرفض أو الانتقاد من جانب غالبية تيار العلماء والمفكّرين والحركيين الإسلاميين في أنحاء العالم، أصبحت المدخل لتسويغ دعم الاحتلال الأجنبي ومرتكزاته المصطنعة في أفغانستان وخارج حدودها، ولتسويغ الامتناع عن دعم المقاومة المسلّحة المشروعة ضدّ الوجود العسكري الاستعماري الأجنبي في أرض أفغانستان، رغم أنّ عملياته لم تعد تصلح لوصفها بعمليات حربية عسكرية، وقد بات ضحاياها من الأطفال والنساء والشيوخ من عامّة أهل أفغانستان، أضعاف ضحاياها ممّن يمارسون المقاومة المسلّحة ضدّ الاحتلال.
في العراق وأفغانستان وفي أمثالهما، يستحيل مع وجود احتلال هو بحدّ ذاته جريمة كبرى، ولا يتورّع عن ارتكاب الجرائم بأنواعها - ولا يتورع حتى داخل حدود بلاده عن إتلاف وثائق تكشف مسئولي قادته عنها بعد رحيلهم - ومع وجود ركائز محلية للاحتلال لا يسيطرون بحماية دباباته حتى على صناعة القرار وصياغته.. يستحيل أن يجزم أحد بصورة قاطعة، حول تفاصيل عملية تفجير تقع، ومن ارتكبها، ومن كان ضحاياها، وما هي أهدافها، وما هو الموقف الأصحّ تجاهها، ولا بدّ هنا حتى رحيل الاحتلال، وحتى تثبيت استقلال حقيقي وفق سيادة شعبية فعلية، من بقاء التعميم مخرجا اضطراريا للقول برفض العنف غير المشروع، الذي يرتكبه الاحتلال مهما كانت مسوّغاته وذرائعه، ورفض العنف غير المشروع في مواجهته، وتأييد المقاومة المشروعة له.
مركزية قضية فلسطين على خلفيّة الفوضى الهدّامة
قد لا يمكن التمييز دوما ولكن يمكن ببذل الجهد التمييز في تلك الأقطار العربية والإسلامية ما بين معركة كبرى تدور بين الحق والباطل، وألف معركة ومعركة تثار حولها وتحت عنوانها، وتتداخل فيها عناصر الاستبداد الدولي بالمحلي، والهيمنة بالتبعية، والعدوان بطعن المقاومة، إنّما تبقى فلسطين القضية المحورية التي تكشف بواقع ما يجري على أرضها وما يُصنع لها في الداخل والخارج، هي الساحة المركزية للكشف عن ذلك كلّه فضلا عن كشف طبيعة ما تشهده القضية نفسها في المرحلة الراهنة.
في قضية فلسطين سقط كثير من الأستار والشعارات التي أراد المروّجون لها لفترة طويلة مواراة ما يعنيه الاحتلال الاستعماري الاستيطاني المتواصل منذ أكثر من ستين عاما، وما يعنيه التسليم التطبيعي وغير التطبيعي الماضي قدما على المستويات الرسمية دون الشعبية منذ أكثر من أربعين عاما، فالمرحلة الراهنة مرحلة تحرير أو تصفية، ومقاومة أو تطبيع، وهنا يستحيل تمييع المواقف والممارسات دون أن تظهر على حقيقتها على مرآة تجاور المفاوضات مع حصار الإبادة البطيئة، وتجاور المبادرات والمؤتمرات مع عمليات الاغتيال الإرهابية، وتجاور تجريد المقاومة من سلاحها حيث أمكن ذلك مع الغارات الجوية والاجتياحات الأرضية.
إنّ ما يجري ما بين الجزائر وأفغانستان لا يمكن أن يغيّب ما يجري على أرض فلسطين في مرحلة مفصلية من تاريخ القضية، ولئن بلغت الهجمة الصهيوأمريكية مستوى الاستهداف المباشر لوجود شعب فلسطين وقد أصبح بغالبيته العظمى يمثل جسد المقاومة وشرايين حياتها، فإنّ دوي التفجيرات التي تصنعها قوة الاحتلال كأصوات من يموت بصمت دون دواء أو بقذيفة وراء جدار، لا تغيب كما يراد لها في حمأة الانشغال بأحداث العراق وأفغانستان، والجزائر ولبنان، والصومال والسودان، وسواها.
سيّان هل كان هدف صنع الفوضى الهدّامة على امتداد الأرض العربية والإسلامية من البداية ينطوي على جعلها أرضية لتنفيذ هدف التصفية في قضية فلسطين المركزية، أو أنّ المشروع الصهيوني يريد استغلال انتشار الفوضى الهدّامة لتحقيق أغراضه في فلسطين والمنطقة حولها، فالحصيلة واحدة: لن تسفر الجولة الحالية في قضية فلسطين، إلا عن نكسة أخرى في مسلسل نكسات المشروع الصهيوأمريكي في المنطقة.
المقاومة التي تحتضنها الإرادة الشعبية غير قابلة للوأد، في فلسطين وفي لبنان، وفي كل مكان تنشأ فيه، على أرضية مشروعية الدفاع عن حق اغتصب، ضد عدوان باطل.
وكلّ استخدام للعنف الأجنبي العدواني غير المشروع يضاعف من أسباب نماء المقاومة وازدياد احتضان الإرادة الشعبية لها، بما يستحيل أن يقف عند حدود فلسطين.
على أنّ ما ينبغي أن يدركه المسئولون في البلدان العربية والإسلامية أيضا أنّ كلّ إسهام، مباشر أو غير مباشر، علني أو خفيّ، صريح أو متستّر بعناوين مزيّفة، في دعم العنف الأجنبي العدواني غير المشروع، ضدّ المقاومة وأهلها وأنصارها، داخل فلسطين وخارجها، أو في مهادنته والسكوت عنه، أو في تهيئة الظروف الإقليمية الملائمة له، إنّما هو إسهام في نشر أسباب امتداد المقاومة وتحوّلها إلى تيار شعبي عريض، فلسطيني وغير فلسطيني، وقد ينطوي ذلك على تحوّل ساحات المعركة من داخل الأرض الفلسطينية إلى خارجها، وهذا في مقدّمة ما تعنيه الفوضى الهدّامة على صعيد قضية فلسطين المحورية المركزية.
إنّ العودة بقضية فلسطين إلى موقعها الطبيعي المشروع، قضية حق وباطل، واحتلال وتحرير، وعدوان ومقاومة، يجب أن تكون عودة عربية وإسلامية شاملة، فالقضية ليست قضية فريق فلسطيني وطرف إسرائيلي، إنّما هي قضية العرب والمسلمين جميعا، والشعوب العربية والإسلامية جميعا، والحكومات العربية والإسلامية جميعا، ومدخل الإرادة الشعبية في قضية فلسطين، هو في مقدّمة مداخل إصلاح العلاقة بين الشعوب والأنظمة، والخروج من دوّامة الفوضى الهدّامة في مختلف ميادينها ومواقعها.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|