|
يموت 3 ملايين شخص سنويا من جراء الأمراض التي تنقلها المياه، ومعظمهم دون الخامسة من عمرهم، ويفتقر ما يقدر حاليا بـ 2.6 مليار نسمة لمرافق الصرف الصحي، وعلى النطاق العالمي ما تزال المياه الملوثة أكبر سبب لمرض الناس وموتهم.
كان هذا جزءا مما أورده التقرير الرابع للبيئة، والذي يعبر عن توقع عدد من نخبة الخبراء البيئيين في العالم لمستقبل الحياة على الأرض بناء على التقييم الذي يقوم به برنامج الأمم المتحدة للبيئة.
والتقرير الرابع (GEO-4) صدر عام 2007 ويحوي عرضا عاما للقضايا البيئية وحالة واتجاهات البيئة خلال الفترة ما بين عام 1987 وعام صدوره، والأبعاد البشرية للتغير البيئي، ويرصد عددا من التوقعات المستقبلية باستخدام أربعة سيناريوهات.
وعمد القائمون على إعداده إلى ذكر الحقائق والمخاطر كاملة دون أي تجميل، واتجهوا إلى سياسات الترهيب والتهويل في بعض القضايا لعلهم يستطيعون في النهاية الوصول إلى دعوة ملحة للعمل لمعالجة هذه القضايا.
وصدر حتى الآن 4 تقارير، الإصدار الأول (GEO-1) عام 1997، أما الثاني (GEO-2) وهو عبارة عن توقعات للبيئة العالمية عام 2000 وصدر عام 1999، والثالث (GEO-3) عام 2002 قبيل القمة العالمية للتنمية المستدامة المنعقدة في جوهانسبرج.
البيئة والتنمية
يتناول الفصل الأول من التقرير موضوع البيئة من أجل التنمية، وأثر تدمير البيئة على التنمية، وجاء في التقرير رصد لعدد من مظاهر التحول في العالم منذ عام 1987، ومنها تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية.
ورد منها ازدياد عدد السكان بمقدار 34%، ونمو التجارة بنحو 3 مرات، وارتفاع دخل الفرد بمقدار 90%.
واللافت أن التغير الحادث ليس متكافئا، فسداد الديون يكبح عجلة التنمية في العديد من الدول، فالعديد من البلدان الإفريقية تنفق على سداد الديون 3 أمثال ما تنفقه على تقديم الخدمات الأساسية للشعب، مما يعوق التنمية ويزيد من معدل التعرض لمخاطر البيئة.
ويكفي أن نقول إن التعرض لمخاطر البيئة بات السبب الحقيقي لحوالي ربع الأمراض كافة، وخاصة أمراض الجهاز التنفسي وبعض أنواع السرطان والأمراض التي تحملها ناقلات الأمراض مثل الحشرات.
الغلاف الجوي
أما الفصل الخاص بالغلاف الجوي فيقدم تقريرا عن تلوث الهواء وتآكل طبقة الأوزون وتغير المناخ، ويقدر أن ما يقرب من مليون نسمة على النطاق العالمي يموتون سنويا بسبب تلوث الهواء.
وأشار التقرير إلى أنه على الرغم من التقدم الكبير في الإلغاء التدريجي للمواد المضرة بطبقة الأوزون، فإن تآكل طبقة الأوزون في القطب الشمالي أكبر منه الآن عن أي وقت مضى، مما يسمح بوصول الأشعة فوق البنفسجية الأكثر ضررا للأرض.
وحذر تقرير توقعات البيئة العالمي من أنه ومنذ عام 1987 ارتفعت الانبعاثات العالمية السنوية من غاز ثاني أكسيد الكربون، مما أدى لارتفاع نسبة حامضية المحيطات فيها ويهدد المرجان والكائنات الرخوية، وبيّنت العينات الأسطوانية المأخوذة من الجليد أن مستويات ثاني أكسيد الكربون والميثان تزيد كثيرا حاليا وبشكل كبير عما كانت عليه منذ 500 ألف سنة مضت، مما يشير إلى أن مناخ الأرض دخل في حالة غير مسبوقة منذ عصر ما قبل التاريخ، فقد ارتفع متوسط درجات الحرارة العالية بنحو 6.7 درجات مئوية منذ عام 1906، وأفضل تقرير للارتفاع في هذا القرن توقع أن الزيادة ستتراوح بين 1.8 إلى 4 درجات مئوية.
الأرض
ويغطي الفصل المتعلق بالأرض التلوث الكيمائي وأشكاله المتعددة التي تؤثر على التربة، ومن المتوقع أن تتجه نسب هذا النوع من التلوث للزيادة، إذ يستخدم تجاريا حوالي 50 ألف مركب كيمائي، ويضاف إليها سنويا مئات أخرى، ومن المقرر أن يزيد الإنتاج الكيميائي العالمي بنسبة 85% خلال 20 سنة القادمة.
وتنبع أهمية التقرير من اعتماد ثلثي البشر حول العالم لسد جوعهم على الأسمدة وخاصة الأزوتية في الزراعة، وهو أمر في غاية الخطورة، فعلى سبيل المثال يتعرض 85% من مراعي الدول المطلة على البحر المتوسط في أوروبا للتصحر من جراء هذه الكيماويات.
المياه
يتوقع التقرير أنه بحلول عام 2050 سيخفق واحد من كل 10 أنهار من الأنهار الكبرى في الوصول إلى مصبه في جزء من السنة، بسبب زيادة الطلب على الري في مجراه الأعلى.
وأرجع التقرير تناقص سقوط الأمطار في المناطق الساحلية إلى تغير درجة حرارة المحيطات خلال الأعوام المنصرمة، إلى جانب ذوبان الغطاء الجليدي لجزيرة جرين لاند بمعدل سريع، وبسبب ارتفاع درجة الحرارة وانخفاض فترة تجمد أنهار المنطقة القطبية في الشتاء عن المعتاد، وبالتالي سيرتفع منسوب البحار والمحيطات في المستقبل، متسببا بذلك في إحداث عواقب ضخمة على البشر، فإنه يعيش ما يربو على 60% من سكان العالم في إطار100 كيلومتر من الساحل، وسيتعين عليهم الانتقال لأماكن أخرى.
ومما كان صادما ما ورد من تناقص موارد المياه العذبة حول العالم، فبحلول عام 2025 سيعيش 1.8 مليار نسمة في بلدان تعاني من ندرة في المياه، وحينها يتوقع أن يرتفع استهلاك المياه بنسبة 50% في البلدان النامية وبنسبة 18% في العالم المتقدم.
كما انخفضت أعداد الفقاريات في المياه العذبة بمتوسط يبلغ نحو 50% من عام 1987 إلى 2003 بمعدل أسرع بكثير من تناقص الأنواع البرية والبحرية.
التنوع الأحيائي
يقصد بالتنوع الأحيائي تشكيلة الكائنات والأحياء التي تعيش على سطح الأرض، فالاعتداءات التي تستهدف البيئة أدت إلى انقراض الأحياء بمعدل أسرع بمقدار 100 مرة عن المعدل الطبيعي المبين بالسجل الأحفوري للأحياء على مر العصور، بسبب تغير المناخ والإفراط في استغلال الموارد والتلوث وانتشار الأنواع الدخيلة الغازية.
ومن بين المجموعات الفقارية الرئيسية التي جرى تقييمها بشكل كامل، فإن 30% من البرمائيات و23% من الثدييات و12% من الطيور مهددة بالانقراض، ويعتقد بأن التجارة في لحوم حيوانات الأدغال في حوض الكونغو تبلغ 6 أمثال المعدل القابل للاستدامة.
كما يهدد التغير المناخي الحادث بفقدان التنوع الجيني للأمن الغذائي؛ وذلك لأن 14 نوعا من الحيوانات تمثل 90% من إنتاج الماشية، ويهيمن 30 محصولا على الزراعة العالمية مما يوفر 90% من السعرات الحرارية في العالم.
ويشير تقرير التوقعات إلى أنه مع التنوع الأحيائي يضيع التنوع الثقافي بسرعة، فإن أكثر من نصف 6000 لغة في العالم معرض للانقراض، ويعتقد البعض أن ما يصل إلى 90% من اللغات قد لا يبقى على قيد الحياة خلال هذا القرن.
السيناريوهات الأربعة
ويعرض التقرير في النهاية توقعاته مستخدما 4 سيناريوهات لتقصي أشكال المستقبل المتوقعة حتى عام 2050، وهي:
-
السوق أولا: بحيث تدعم الحكومة القطاع الخاص في سعيه لتحقيق الحد الأقصى من النمو باعتبار ذلك أفضل طريقة لتحقيق هدف تحسين البيئة والرفاهية للجميع.
-
السياسة أولا: الذي تنفذ فيه الحكومات سياسات قوية موجهة لتحقيق الهدف في حين تركز على التنمية الاقتصادية.
-
الأمن أولا: ويقتضي ذلك أن تنافس الحكومة والقطاع الخاص على السيطرة أساس لتحسين رفاهية البشر أو الحفاظ عليها بالنسبة للأغنياء والأقوياء، ويمكن وصفه بأنه "سيناريو أنا أولا".
-
الاستدامة أولا: ويتضمن التعاون بين الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص لتحسين البيئة ورفاهية البشر للجميع.
وأشار التقرير إلى أن الاعتماد على سيناريو السوق وحده لا يحقق الأهداف المرجوة، ولكن يبدو أن سيناريو الاستدامة أولا هو السيناريو الوحيد القابل للتطبيق، ولكن حتى في هذا السيناريو فإن متوسط درجة الحرارة العالمية يتوقع أن يزيد بمقدار7.1 درجات مئوية عن مستويات ما قبل عصر الصناعة مع ارتفاع مستوى سطح البحر بنحو 30 سم، في حين أن سيناريو الأمن أولا الضيق يرجح أن يعني بالنسبة للبعض زيادة تعرض الجميع للمعاناة.
وتختلف السينايوهات الأربعة بشأن الأرض والمياه اختلافا ملحوظا، لكن فقدان التنوع الحيوي يحدث فيها جميعا.
كاتب مهتم بالشأن العلمي، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة oloom@islamonline.net
|