|
| حرب الأفكار |
لن يتأتى الانتصار على الإرهاب إلا من خلال قيام واشنطن بالطعن في مصداقية أيديولوجية الإرهابيين؛ الأمر الذي يعني أن الخطر الإرهابي لا ولن يُمكن محوه على الإطلاق؛ وهي حقيقة لا بد على واشنطن الاعتراف بها. هذا هو ملخص ما كتبه "فيليب إتش جوردون" بمجلة "فورين أفيرز" الأمريكية في عدد (نوفمبر/ ديسمبر 2007)، تحت عنوان "هل من إمكانية لكسب حرب الإرهاب: كيف نحارب الحرب الصحيحة؟".
مفهوم الانتصار
ويعتبر "جوردون" من الباحثين الأساسيين والمتخصصين في شأن السياسة الخارجية الأمريكية بمؤسسة "بروكينجز" البحثية. ومقاله مأخوذ من كتابه الأخير "كسب الحرب الصحيحة: المسار إلى أمن أمريكا والعالم"؛ وهو الكتاب الصادر عن مؤسسة "تايمز بوكس" للنشر، في عام 2007.
ويبدأ "جوردون" القصة من أولها، قائلاً: "منذ إعلان الرئيس الأمريكي "جورج دبليو بوش" حربه على الإرهاب في يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001، والجدل على الساحة الأمريكية -بخصوص كيفية كسب هذه الحرب- في تصاعد مستمر. فمن ناحية، يتبنى الرئيس الأمريكي ومؤيدوه السياسة الهجومية ضد الإرهابيين؛ ومن ناحية أخرى، يتبنى الزعماء الديمقراطيون السياسة الدبلوماسية التي تتضمن إعادة السلطة الأخلاقية والرمزية للولايات المتحدة، ودعم التعاون مع الحلفاء الأساسيين. وهم ينطلقون من حُجة أساسية تقول: إن سياسة "بوش" الهجومية ضد الإرهاب أفرخت مزيدًا من الإرهابيين، وستستمر تلك الزيادة إلا إذا قام بتغيير مساره بشكل راديكالي".
إلا أن أكثر ما غاب عن ذلك الجدل، وما زال غائبًا، كما يشير الباحث الأمريكي، هو مفهوم "الانتصار" في حرب غير تقليدية مثل حرب الإرهاب. هل يمكن رؤية "الانتصار" في حرب الإرهاب، مثلما نراه في الحروب التقليدية؟ سؤال يطرحه "جوردون"، ويوجهه إلى صناع القرار الأمريكي. وهنا يجيب قائلاً: إن انتظار "الانتصار" من تلك الحرب لا يمكن أن يتم إلا بالاعتراف أولاً بكون تلك الحرب حربًا جديدة ومختلفة. ومن ثَم، فإن "الانتصار" الحقيقي في تلك الحرب لا ولن يتأتى بقتل جميع الإرهابيين على يد واشنطن وحلفائها، ولكن سيتأتى فقط بفقدان أيديولوجية الإرهابيين لمصداقيتها، وبفشلهم في إنجاح تكتيكاتهم، وبإدراكهم بأنه هناك مسارات أخرى للوصول إلى الكرامة والاحترام والتقدير. حينئذ سيقل خطر الإرهاب، مع عدم زواله. ومعنى تقليل خطر الإرهاب هنا، أن يقل تأثيره -بصورة ملحوظة- على حياة المواطن العادي، وعلى فكره. إن إدراك السياسيين الأمريكيين لمثل هذه الحقيقة، سيساعدهم على تبني السياسات التي تصل بهم إلى تلك النوعية من "الانتصار".
الحرب ستنتهي لا محالة
يؤكد "جوردون" بأن حرب الإرهاب ستنتهي حتمًا -عاجلاً أو آجلاً- في ظل العوامل الكثيرة والسائلة التي تُحرك السياسة الدولية؛ تلك العوامل التي من فرط كثرتها وسيولتها لا تُبقي نظامًا أو صراعًا إلى الأبد. وتلك هي العوامل التي أنهت كل الحروب، سواء في دقائق مثل الحرب الأنجلو - زانزيبارية (1896) التي انتهت بعد 45 دقيقة، أو في عقودٍ مثل الحرب الباردة التي انتهت بعد أكثر من أربعين عامًا.
إن "جوردون" يشير إلى فرضيته مؤكدًا بأن إفلاس الأيديولوجية الإسلامية هو مفتاح أو مناط "الانتصار" الأمريكي في حرب الإرهاب، وأنه هو الذي سيُنهيها في القرن الحادي والعشرين، كما أنهى إفلاس الأيديولوجية الشيوعية الحرب الباردة في القرن العشرين.
مستقبليات بديلة
ما هي المستقبليات البديلة التي يتوقعها "جوردون"؟ قبل إجابته عن هذا السؤال، ينطلق أولاً من منطلق أساسي، يعتبره بديهيًّا، وهو أن هدف إنهاء حرب الإرهاب غير مقبول على الإطلاق؛ منطقيًّا أو واقعيًّا. وهو يرجو بذلك الإدارة الأمريكية أن تكفّ عن الترويج لذلك الهدف، وأن تكف عن تسخير جميع القدرات والثروات من أجله، لأنه -بكل بساطة- لا ولن يتحقق.
ومن ثَم، فالمستقبل -من منظور المتخصص الأمريكي في السياسة الخارجية الأمريكية- سيكون مرهونًا ببديلين. إما الاستمرار في تجاهل الرئاسة الأمريكية لرؤية "بن لادن" الحربية، وعدم أخذها في الاعتبار، مما سيترتب عليه استمرار السقوط الأمريكي في يد "بن لادن"، وفي مستنقع حروبه التي تشحذ جموع المسلمين ضد الولايات المتحدة؛ أو العمل على الطعن في أيديولوجية الجهاد لدى "القاعدة" وأتباعها، حتى يصلوا إلى قناعة تجعلهم يؤمنون بأن الطريق "الجهادي" لم يَعُد نافعًا.
كيف ستكون صورة "الانتصار"؟
يتخيل "جوردون" صورة غير تقليدية للانتصار على الإرهاب. فهو لا يتخيل عالمًا خاليًا من الإرهاب، وإنما عالمًا قد نقص فيه الإرهاب؛ بحيث لا يَعُدّ خطره مهيمنًا على السياسات الخارجية والحريات المدنية. بمعنى آخر، إن خطر الإرهاب سيظل موجودًا؛ ولكن حدوثه لن يؤدي إلى ثورات عارمة في السياسة الخارجية، ولن يؤدي إلى تقنينات صارمة في الحريات المدنية، كما نشهد اليوم. والسبب في ذلك، أن الداعم الرئيسي للإرهاب سيكون قد تم القضاء عليه، كما يتخيل "جوردون". فمع إفلاس الأيديولوجية "الجهادية" -كما يتوقع- سيقلع "القاعديون" أنفسهم عن الحرب، وسيدركون عدم جدواها، مما سيؤدي إلى سقوط الأهداف "الجهادية" التي يُصنفها "جوردون" إرهابية.
وكذلك يعتبر تصادم الجماهير المسلمة مع "القاعدة" من ضمن تخيلات وتوقعات "جوردون" الذي يؤمن بـ"اعتدال" الجماهير المسلمة، ومن ثَم إعراضها تدريجيًّا عن "القاعدة" وعن استخدامها العنف كأداة سياسية. وهو الأمر -بالمناسبة- الذي نصح به مركز "راند" الأمريكي في تقريره السنوي لعام 2007، تحت عنوان "بناء شبكات مسلمة معتدلة"، حيث دعا الإدارة الأمريكية إلى ضرورة قطع الصلة بين الجهاد العالمي والجهاد المحلي، عبر تأكيد الاختلافات بين حركة الجهاد العالمية "القاعدة" وبين حركات الجهاد المحلية التي لا تهدد الغرب.
بل حذر التقرير أيضًا من الخطر الكامن في الفكر الإسلامي برمته الذي يصفه التقرير "بالمتطرف". ومن ثَم، ذهب التقرير إلى أن حسم معركة الإرهاب لن يتم فقط أمنيًّا وعسكريًّا، بل سيتم أولاً عبر هزيمة الفكر الإسلامي كله؛ وهو ما يعتبر نقطة تحول كبرى في التقارير الصادرة عن هذا المركز الذي يعتبر من عُمدة المراكز البحثية الأمريكية، ذات التأثير المباشر والعميق على الإدارة الأمريكية. فلأول مرة يتم التترّس للإسلام في ذاته، وليس فقط لفكرة "الجهاد"، كما كان الأمر من قبل. وهي نقطة لا بد من أخذها في الاعتبار عند قراءتنا لمقال "جوردون"، الباحث في مركز "بروكينجز" الذي لا يختلف كثيرًا عن "راند".
الحرب الصحيحة
إن "الحرب الصحيحة" -من وجهة نظر "جوردون"- هي حرب ذات أهداف صحيحة، لا أهداف وهمية. ومن أولى خصائص تلك "الحرب الصحيحة" أو Right War التي يجب أن تمارسها الإدارة الأمريكية ضد الإرهاب، هي كونها حربًا غير تقليدية. فهي ليست كالحرب العالمية التي انتصرت فيها الولايات المتحدة، بتعبئة 16 مليون جندي أمريكي، وبإنفاق 40% من مُجمل ميزانيتها على الدفاع. ومن ثَم، فإن الحرب الآنية لن تتطلب تعبئة كل هؤلاء الجنود، أو تخصيص هذا الكم الضخم من الميزانية للدفاع الأمريكي.
ويُكمل "جوردون" حجته قائلاً، إن اتضاح الهدف "الصحيح" -وهو دحض الأيديولوجية الإسلامية- أمام الإدارة الأمريكية، سيوفر على الأخيرة ردود الفعل الثورية على كل حدث إرهابي، وسيعطيها الفرصة -بدلاً من ذلك- لوضع جهدها وثرواتها في تحسين صورتها وسلطتها الأخلاقية، مقابل الصورة "السيئة" للإرهابيين.
ويتوقع "جوردون" بأنه مع الوقت والخبرة، ستصطف الجماهير المسلمة ضد الإرهاب، بل سيخرج من بينها دعاة التغيير، وسيأتون من قمة السلم الاجتماعي/ السياسي، كما حدث في الاتحاد السوفييتي، حينما أتى "جورباتشوف" من أعلى، مستخدمًا مركزه كرئيس دولة؛ لتغيير الاتحاد السوفييتي وإسقاط الأيديولوجية الشيوعية، واضعًا كلمة النهاية للحرب الباردة. ولذا يُنهي "جوردون" مقاله، ناصحًا الإدارة الأمريكية بالتحلي بالصبر؛ لأن المُغيّرين سيأتون من الداخل الإسلامي، مما سيجعلهم أكثر فاعلية في "دحض الأيديولوجية الجهادية" من الأمريكيين أنفسهم. بل إن "جوردون" قد يتوقع ظهور قائد عربي ديناميكي جديد لدولة عربية كبرى، رافعًا شعلة الإصلاح السياسي والاقتصادي، وقادرًا على توجيه ضربة قاضية ضد الإرهابيين.
مقارنة الإسلام بالشيوعية
وقد يبدو السؤال هنا متوقعًا: هل من المنطقي مقارنة الأيديولوجية الشيوعية بالإسلام؟ وهل من المنطقي أيضًا مقارنة عصر الحرب الباردة في القرن العشرين بعصر ما بعد الحرب الباردة في القرن الحادي والعشرين؟.
إن أول ما يُمكن قوله في هذا الصدد، أن الإسلام كعقيدة ربانية، وكمنهج رباني، لا يجوز أبدًا وضعه في مقارنة مع نظرية إنسانية بشرية. فالإسلام، كرؤية ربّانية شاملة للحياة ولجميع الإنسانية، لا ولن يتساوى مع تلك النظرية البشرية القاصرة المحدودة التي لا تُعبر إلا عن مصالح فئة مُعينة. وكما أكد المؤرخ والمفكر المصري "طارق البشري" في كتابه "في المسألة الإسلامية المعاصرة: ماهية المعاصرة" (1996)، إن المقارنة بين الإسلام كنظر ديني وبين النظم السياسية، سواء كانت ماركسية أم رأسمالية، خطأ منهجي لا بد من الاحتراس منه.
إضافة إلى ذلك، عدم جواز إطلاق المقارنة بين عقيدة تغلغلت في قلوب معتنقيها على مدى أكثر من أربعة عشر قرنًا، وبين نظرية لم تمتد حياتها أكثر من ثمانية عقود. فهل بالإمكان إفلاس عقيدة عاشت أكثر من 1400 عام، كما تم إفلاس أيديولوجية عاشت أقل من مائة عام (من 1917 حتى 1989)؟ إن بقاء هذه العقيدة حتى يومنا هذا، على الرغم من حملات الاجتثاث والاضطهاد والتشويه التي تعرضت إليها، لهو أكبر دليل على مدى تغلغلها في عقول وقلوب معتنقيها. والجدير بالذكر في هذا الصدد ما كتبه المفكر التونسي "راشد الغنوشي"، في مقاله تحت عنوان "نحو زيجةٍ ناجحة بين الديمقراطية والشورى"، بموقع "الجزيرة.نت" إبريل 2007: "إن الإسلام لا يزال ينساب في العالم -رغم حماقة ردود أفعال بعض معتنقيه المسيئة له- دعوةً هادئةً تتفوق جاذبيته على كل المذاهب مع ضعف دوله وحضارته".
ثانيًا، إن عصر ما بعد الحرب الباردة -الذي شهد طفرةً هائلة في العولمة وثورة المعلومات في ظل قوةٍ واحدةٍ مهيمنة (الولايات المتحدة)- يختلف جذريًّا عن عصر الحرب الباردة الذي خلا من كل ذلك، حيث لم تكن العولمة وثورة المعلومات قد بلغتا مدَاهما بعد، هذا فضلاً عن التوازن القطبي (الأمريكي - السوفييتي) الذي كان يتمتع به النظام الدولي حينذاك.
وإذا كانت تكنولوجيا المعلومات قاصرة على الولايات المتحدة في أثناء الحرب الباردة، فإنها باتت الآن في متناول أيدي الجميع؛ الأمر الذي يدل على أن التأثير المعلوماتي/ الثقافي لم يَعُد فقط أمريكيًّا. ومن ثَم، فإذا كان إفلاس الأيديولوجية الشيوعية، في ظل الحرب الباردة، نتيجةً لعدم امتلاك السوفييت لتلك التكنولوجيا المؤثرة مقارنةً بالولايات المتحدة، فإن الأيديولوجية الإسلامية ليست مُعرضةً لمثل هذا الخطر في الوقت الراهن؛ إذ إن الإسلاميين باتوا يمتلكون تلك التكنولوجيا مثلهم مثل الأمريكيين. وكما صار للولايات المتحدة القدرة على الطعن في عقيدة الإسلام عبر القنوات الفضائية وشبكات الإنترنت، فإنه صار أيضًا للإسلاميين القدرة على رد تلك الطعنات عبر الوسائل ذاتها، بل ورد الصاع صاعين.
باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
|