|
| ناجح إبراهيم |
ناجح إبراهيم-المنظر الأول لمبادرة الجماعة الإسلامية لوقف العنف- كان أول المرحبين بـ"وثيقة ترشيد العمل الجهادي" هو وجماعته، وأصدروا بيانا رحبوا فيه بالخطوة التي اتخذها "سيد إمام" في هذه الوثيقة، وفي حواره مع إسلام أون لاين أكد ناجح إبراهيم أهمية وثيقة سيد إمام، مؤكدا أن إمام يتمتع بمكانة علمية وفقهية لدى جماعة الجهاد وتنظيم القاعدة، فهو المنظر الحقيقي لهما.
وقد عايش ناجح إبراهيم ميلاد تنظيم الجهاد، وعايش قادته في السجون طوال 25 عاما، ومن ثم تأتي أهمية هذا الحوار من واقع تجربة خاصة وشهادة على تاريخ هذا التنظيم.
واعتبر ناجح إبراهيم أن الوثيقة هي نوع من التصحيح لكل المفاهيم التي أرساها من قبل تنظيم القاعدة والجهاد، بل ربما نوع من الإلغاء لها، وعرض للفارق بين الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد خاصة فيما يتعلق بمراجعات كل منهما، واستدعى ناجح في حواره الخبرة التاريخية المصرية للتدليل على أن إصلاح النظام في مصر يأتي من داخل النظام وليس بالانقلاب عليه، وأنه لا أمل في قيام الدولة الإسلامية ولو بعد قرن من الزمان.
اقرأ في الحوار ..
المراجعة وفقهاء الجبال
* ما هي الصعوبات التي تعترض طريق نجاح المبادرة؟
- إن مشكلة الحركة الإسلامية أن فيها من التعصب أكثر مما في الحكومة نفسها، ولذلك فمبادرة الجهاد تطور خطير في فكر التنظيم، ولا يتصور أحد أنها خرجت إلى النور بسهولة، فقيادة تنظيم الجهاد تعتبر هذه الخطوات أصعب من نقل الجبال من أماكنها، والسبب في ذلك أن تنظيم الجهاد ليس جماعة بالمعنى المعروف، ولكنهم مجموعات متناثرة، كل منها له فهمه وتصوره الخاص في الدين والحياة، وليست لهم مرجعية أو قيادة واحدة يتوجهون إليها ويثقون فيها، والشك وسوء الظن عندهم فيمن يخطو مثل هذه الخطوات أكبر من الثقة بكثير، ولذلك فإن إقدام "الدكتور فضل" على قيادة هذا التيار يعد شجاعة نحو رؤية إستراتيجية شرعية لوقف كل العمليات القتالية.
|
ميدان الجهاد الحقيقي قتال المحتلين والغاصبين، وليس الاحتراب الداخلي بين أبناء الوطن الواحد والدين الواحد والقبلة الواحدة.
|
ولعل أخطر الصعوبات التي تواجه نجاح المبادرة هو أن يفهم الجهاديون في العالم المعنى الحقيقي للجهاد فتجديد مفهوم الجهاد لا يعني إبطاله، فالجماعة الإسلامية أقرت الجهاد فريضة ماضية إلى يوم القيامة، ولكنها فريضة لها ضوابط يجب توافرها كي يصح تنفيذها، فالفهم الصحيح للجهاد كحكم شرعي يرتبط وجودا وعدما مع توافر الأسباب الموجبة له، والشروط المتطلبة لتنفيذه، والمصالح المقصودة به، فالجهاد ميدانه الحقيقي قتال المحتلين والغاصبين، وليس الاحتراب الداخلي بين أبناء الوطن الواحد والدين الواحد والقبلة الواحدة، إن منطلقاتنا كانت ولا تزال هي الكتاب والسنة، ولا يضر المجتهد أو العالم أن يرى الحق في غير رأيه فيترك رأيه ويعود إلى الحق، ورحم الله عمر بن الخطاب حينما قال لأبي موسى الأشعري: "لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهُديت فيه لرشدك أن تراجع الحق، فإن الحق قديم"، نعم وجدنا بعض الأخطاء، وأهم خطأ هو استخدام العنف في مواجهة الدولة أو في تغيير المنكرات.
* السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: وماذا عن مشكلة فقهاء الحركات الإسلامية المتشددة، هل ستتغلب آراؤهم على هذه المراجعات؟
- مشكلتهم أنهم تحدثوا عن فقه الجهاد ولم يتحدثوا عن فقه الصلح، برغم الحاجة الماسة للحركة الإسلامية لفقه الصلح؛ لأن العنف أدى إلى بروز سياسة حصار واستئصال للظاهرة الإسلامية بدعوى مواجهة الإرهاب، وهذا يؤكد أهمية فقه المصالحة والعمل السلمي والدعوي.
لذلك تكتسب هذه المراجعات أهمية خاصة في أنها ستناطح آراء هؤلاء الفقهاء الذين يعيشون في الجبال، ولذلك ستحقق وثيقة د. سيد إمام نجاحا كبيرا مثل مبادرة الجماعة الإسلامية مع الدولة والمجتمع؛ ولهذا أرجو من الجهاديين في كل مكان ألا يضيعوا وقتهم فيما لا طائل منه.
فقه جديد للجهاد
* في مراجعات الجهاد الأخيرة أطلق الدكتور سيد إمام اسم وثيقة ترشيد العمل الجهادي وليس وثيقة وقف العمل الجهادي، هل ترى أنه استطاع أن يضع فقها جديدا للجهاد؟
- الجهاد فريضة محكمة من فرائض الإسلام.. وهى ماضية إلى يوم القيامة.. ولا يجوز بل ولا يستطيع أحد كائنًا من كان أن يلغيها أو يعطلها.. ولكنها كأي فريضة من فرائض الإسلام لها شروط صحة يجب توافرها.. ولها موانع شرعية إذا وجدت لم تعد فرضًا في هذه الحالة فحسب.. ولا تنسحب على الفريضة نفسها.. وتحسب فيها المصالح والمفاسد كما قال العلماء.. وكذلك تحسب فيها القدرة عليها كأي فريضة.. فالقدرة هي مناط التكليف كما يقول الفقهاء.. وكل ما صنعته المبادرة هو بيان هذه الضوابط وتوضيحها، حيث إنها لم تكن واضحة لمعظم الشباب قبل المبادرة، وليس من المعقول أبدًا أن يقول أحد من أبناء الجماعة الإسلامية أو الجهاد فضلاً عن دعاتها أو علمائها وقادتها بوقف فريضة الجهاد.
ونحن في مبادرة الجماعة الإسلامية لمن يطلع على أدبياتها لم ندع إلى إلغاء فريضة الجهاد في سبيل الله ولا وقفها ولا إنهائها.. ولكن المبادرة كانت في منتصف التسعينيات تقريبا، والأحداث وقتها كانت مشتعلة، والاحتقان قائما بيننا وبين الحكومة، والثقة تكاد تكون منعدمة، فكان هذا العنوان (مبادرة وقف العنف) مناسبا وغير قابل للتأويل والفهم الخاطئ، وغير قابل للتحريف والتشكيك، خاصة أن هناك أطرافا وقوى كانت تعمل على إفشال المبادرة أو على الأقل كانت لا تتمنى لها النجاح، ولذا كان هذا العنوان الشامل القاطع للتأكيد على نهوضنا بهذا الأمر من تلقاء أنفسنا، وعن قناعة تامة بدون ضغوط وبدون أي مقابل، بل كانت مبادرة من طرف واحد لإيقاف جميع أشكال العنف المسلح ضد الحكومة والمجتمع.
ولقد فصلنا قناعاتنا الفكرية والشرعية والفقهية بعد ذلك في كتب المبادرة وفي إصدارات قادة الجماعة التي تناولت بإسهاب أكثر القضايا الشائكة التي أثرت في مسيرة الحركة الإسلامية عمومًا، والتي صححت كثير من المفاهيم، وأرست قواعد جديدة ومتينة للعلاقة بين الحركة وبين الحكومات، وتناولت كثيرًا من الموضوعات المهمة المتعلقة بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والحاكمية وظاهرة الغلو والخطاب الديني وغيرها.
|
وثيقة ترشيد الجهاد ليست فقها جديدا للجهاد، ولكنها إحياء لصحيح الجهاد، فالجهاد فريضة محكمة من فرائض الإسلام، وهى ماضية إلى يوم القيامة.
|
أما عن وثيقة ترشيد الجهاد التي ألفها الدكتور سيد إمام الشريف بعد التشاور مع قادة التنظيم في السجون، فقد جاء عنوانها معبرًا عن المضمون ومتمشيا مع الوضع الهادئ الذي نعيشه الآن، فالوثيقة أو الكتاب الذي ينشر حاليا، ركز على جانب واحد فقط وهو تلك الممارسات الخاطئة التي مورست في السنوات الأخيرة باسم الجهاد.. تناولت الوثيقة نفس الموضوعات الخاصة بهذا الأمر والتي طرحناها بتوسع أكبر من قبل في كتبنا، وبينت كما بينا نحن خطأها، وإن كنا في إصداراتنا وكتبنا قد أضفنا إلى الجانب العلمي والفقهي الجانب الحركي والفكري، وأكثرنا من الاستدلالات العقلية والمنطقية، ولم نغفل الواقع السياسي والإستراتيجي، وتسلسل الأحداث والتعليق عليها.
وأنا أقول إن وثيقة ترشيد الجهاد ليست فقها جديدا للجهاد، كما جاء في سؤالك، ولكنها إحياء لصحيح الجهاد، فالجهاد فريضة محكمة من فرائض الإسلام.. وهى ماضية إلى يوم القيامة، وكل ما صنعته المبادرة هو بيان هذه الضوابط وتوضيحها، حيث إنها لم تكن واضحة لمعظم الشباب، وتأتي أهمية الوثيقة أنها قراءة فقهية جيدة من منظر له مكانته وتأثيره على مستوى الحركات الجهادية في العالم.
ولكن تبقى كتب المبادرة في تناولها لهذا الأمر على وجه الخصوص أكثر شمولا وانفتاحا على الواقع وأوسع رؤية، كما أنها كانت أنسب وقتا، وهذا لا يقلل أبدا من شأن الوثيقة وأهميتها، بل نعتبرها ثمرة من ثمار مبادرتنا.
فريضة المقاومة
* هل ترشيد عمليات الجهاد وفقا لوثيقة الدكتور سيد إمام ينسحب أيضا على عمليات المقاومة في العراق أو فلسطين؟
- لا شك أن هناك أخطاء كثيرة وقعت في العراق منذ بداية الاحتلال وحتى الآن، من قتل للمدنيين ورهائن وسفراء وعمال إغاثة ومترجمين وموظفين في المنظمات الإنسانية، ومن تكفير لعوام الشيعة وقتلهم ومن تفجير للسيارات وتفخيخها في أقسام الشرطة وأماكن التدريب بالقرب من المناطق العامرة بالسكان.
|
ليس معنى مناداتنا بمراجعة الأخطاء والتخلق بأخلاق الإسلام في الجهاد والنهي عن الغدر وقتل المستأمنين والرهائن وقتل المدنيين الأبرياء ألا نقاوم المحتل أو نقابله بالورود.
|
ولا شك أن ما جاء بالوثيقة، وما سبق أن تناولناه نحن في كتبنا يخاطب إخواننا المجاهدين خاصة المقاومين في العراق، وخاصة من ينتمي منهم إلى تنظيم القاعدة، فقد وقعوا هناك في أخطاء كثيرة لا بد من تصحيحها ولا بد من منع تكرارها، ولكن نحن خطابنا واضح لا تلبيس فيه ولا خلط ولا يحتمل التأويل، فليس معنى مناداتنا بمراجعة الأخطاء والتخلق بأخلاق الإسلام في الجهاد والنهي عن الغدر وقتل المستأمنين والرهائن وقتل المدنيين الأبرياء، ليس معنى ذلك أننا نقول.. لا تقاوموا المحتل أو قابلوه بالورود وليس معنى ذلك أننا نطالب بإنهاء المقاومة في فلسطين والعراق، بل نريد تنقية جهادنا في مقاومتنا للمحتل وأخص هنا العراق مما شابها من أخطاء، ومما علق بها من شوائب كثيرة حتى يتحقق النصر، وحتى يمكننا الله من دحر المحتل ليس بإمكاناتنا الضئيلة، ولكن بإيماننا وأخلاقنا ومبادئنا مع ثباتنا وصمودنا.
* يقودنا هذا السؤال إلى سؤال آخر عن مفهوم المقاومة في أدبيات الجماعة الإسلامية والجهاد من وجهة نظرك؟
- المقاومة هي الجهاد وهي قبل أن تكون عملا نضاليا مشروعا، فهي فعل فطرى غريزي يقوم به الإنسان الذي يتعرض للاعتداء أو تعرضت أرضه للاحتلال أو اعتدي على ماله أو عرضه، والمقاومة بهذا المعنى عمل أقرته كل القوانين والدساتير والأعراف الدولية.. أما في ديننا فيطلق عليها العلماء جهاد الدفع، وهو فرض عين على أهل البلد الذي وقع عليه العدوان، ثم على من وليهم إذا عجزوا عن دفعه، وتجب نصرتهم بالمال وبكل أشكال وأنواع المساعدة والدعم والتأييد والتشجيع والدعاء.. والآيات في القرآن كثيرة، يقول الله تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا..}.. ويقول أيضا من سورة التوبة: {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين}، ويقول: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم..} ويقول: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة}.. ويقول سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة}. وهذه الآية والتي قبلها وإن نزلتا في جهاد الطلب، فالاستدلال بهما في جهاد الدفع ومقاومة المعتدي أولى وأجدر.
وفي الحديث الذي رواه الإمام البخاري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد"... وقد أجمع علماء الأمة على وجوب المقاومة ورد العدوان، وهو ما يسمى في كتب الفقه الإسلامي بوجوب قتال العدو الصائل، فقد قال العلماء بوجوب قتاله حتى لو كان مسلمًا موحدًا، فالأولى إن كان كافرًا يريد إذلال المسلمين وتدنيس مقدساتهم ونهب ثرواتهم، وقد نقل هذا الإجماع أئمة المسلمين، وهذا النوع من الجهاد لا خلاف في مشروعيته وهو جهاد لا تشترط فيه راية ولا قيادة واضحة موحدة، والتاريخ الإسلامي مليء بأحداث ومعارك ومواجهات قاوم فيها المسلمون الاعتداءات والحملات التي شنت على أراضيهم، وسطرت في ذلك بطولات وقدمت تضحيات، وفي التاريخ الحديث هناك كثير من الشعوب مارست هذا النوع من الجهاد ضد المحتل الغاصب حتى نالت استقلالها وتحررها.. وأنا أرى أن المقاومة لا تقتصر فقط على حمل السلاح، ولكن هناك مقاومة بالمال، هناك مقاومة سلبية بالمقاطعة، وهناك مقاومة بالكلمة، فالمقاومة لها أشكال وصور مختلفة لا بد أن يستخدمها من لا يستطيع المقاومة بالسلاح.
الجماعة.. والجهاد
* كيف بدأت العلاقة بين الجماعة الإسلامية والجهاد؟
- بدأت العلاقة بين الجماعة الإسلامية والجهاد.. بالعلاقة الوثيقة بين الشيخ كرم والشيخ محمد عبد السلام -رحمه الله- الذي أعدم في قضية السادات.. وكان كلاهما مخلصًا لإقامة الدولة الإسلامية في مصر.. وكلاهما كان متعجلاً لأن يتحقق هذا الهدف على يديه قريباً.. ورأيا أن طريق الدعوة والتربية طريق طويل ولن يوصلهما لأهدافهما.. ويمكن إجهاضه من الدولة وعرقلته بين الحين والآخر.. فقررا توحيد جهودهما ودمج الجماعتين استعداداً لهذا الهدف.. وبعد تعارف المجموعتين رفض بعض قادة الجماعة الإسلامية طريقة ومنهج الجهاد في التعاطي مع قضايا كثيرة مثل تكفير الشرطة والجيش.. وعدم العذر بالجهل.. والعجلة الفظيعة التي لا نظير لها في الرغبة الانقلابية.. وعدم الراحة القلبية من الجماعة الإسلامية تجاه أشخاص مثل نبيل المغربي.. الذي يريد القيام بأي شيء تجاه النظام.. حتى لو كان ضارًّا، ولا يحقق أي شيء من مقصوده الشرعي أو حتى العملي.
ولكن التحفظ الذي جمع قادة الجماعة الإسلامية كلهم في سلة الهروب ووضعهم أمام تحدٍّ كبير وهو إما أن يأكلك السادات أو تأكله.. وكذلك التفكير المتعجل للشباب الهارب الذي لا يريد أن يكون فريسة سهلة للسادات.. وكذلك عرض المرحوم خالد الإسلامبولي -رحمه الله- بأنه سيكون في العرض، وهو مستعد لمحاولة قتل السادات حتى وإن فشلت العملية وقتل هو ومن معه.. المهم أنه سيحاول.. فضلا عن شتم السادات المستمر في خطبه بعد التحفظ لرموز الإسلام وشيوخه مثل الشيخ عمر التلمساني -مرشد الإخوان وقتها- والشيخ المحلاوي، والشيخ حافظ سلامة وغيرهم من رموز الوطن من كل الاتجاهات.. ورغبتنا المخلصة في تحريرهم من الأسر.. كل ذلك أذاب الخلافات القديمة، وجمعنا على هدف واحد هو اغتيال السادات.. وتحرير العلماء.. وإقامة دولة إسلامية تعطى الولاية فيها لهؤلاء العلماء وأئمة الدين ليختاروا هم من يصلح لقيادتها.
وبرغم أن هذا التفكير كان قاصرًا إسلاميًّا وسياسيًّا وعسكريًّا إلا أن هذا هو الذي حدث وقتها، وكان كل من شارك في أحداث سنة 1981 لا يرجو غير الشهادة وفقط وبعد أن قتل السادات جمعنا السجن مرة أخرى.. ثم عادت الخلافات نفسها مرة أخرى.. ثم أصبح بعدها الشيخ عبود والشيخ طارق الزمر من قادة الجماعة الإسلامية.. وأنا أرى أنهما من أكثر الناس أدبًا وخلقًاً وتدينًا وحلمًا وفضلاً وهما مكسب كبير للجماعة الإسلامية.
أما باقي الإخوة القدامى الذين ظلوا معنا في السجن مثل الشيوخ صالح جاهين وعباس شنن ومحمد أبو الحديد وغيرهم.. فقد كانوا من أحب الإخوة لنا.. وكنا نتشارك معاً البسمة مع الدمعة.. واللقمة مع الألم.. والملبس مع ضيق الزنزانة.. وعشنا أياماً جميلة.. وكان هؤلاء أول إخوة أيدوا مبادرتنا.. وهذه المجموعة كانت تختلف في كل شيء عن إخوة الجهاد الذين كانوا في أفغانستان أو مع القاعدة، حيث غلب على هؤلاء التكفير الشديد والفهم القاصر لمعنى الجهاد كفريضة عظيمة جعل الإسلام لها ضوابط تضبطها وأحكام تسيرها وأخلاق تسمو بها.. حتى قال صادق الرافعي ليس للمسلمين أخلاق فحسب.. ولكن لسيوفهم أخلاق كذلك فهي لا تقتل طفلا ولا امرأة ولا شيخا ولا راهبًا وفانيا ولا ذميا.. ولا تقطع شجرة ولا نخلة.
تختلف الجماعة الإسلامية مع تنظيم الجهاد في تكفيره للشرطة والجيش، مع عدم العذر بالجهل لعوام المسلمين الذين يقعون في شرك أو كفر أو غيره.
* هناك فروق فكرية وحركية بين الجماعة الإسلامية والجهاد هل تؤثر هذه الفروق على كيفية تلقى الجهاديين لهذه المراجعات؟
|
تختلف الجماعة الإسلامية مع تنظيم الجهاد في تكفيره للشرطة والجيش، مع عدم العذر بالجهل لعوام المسلمين الذين يقعون في شرك أو كفر أو غيره.
|
- تتفق الجماعة الإسلامية مع جماعة الجهاد في أشياء كثيرة يفوق حصرها وأهمها منهج التلقي.. وكذلك الاتفاق على مرجعية الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح.. وكذلك على كل أبواب الأصول والفقه الموجودة في كتب السلف عمومًا.. ولكنهما يختلفان في بعض القضايا الفكرية والعملية والأساليب الدعوية.. وأهم هذه الاختلافات تكفير تنظيم الجهاد للشرطة والجيش مع عدم العذر بالجهل لعوام المسلمين الذين يقعون في شرك أو كفر أو غيره.. وكانت الجماعة الإسلامية ترفض ذلك كله.. وللحق فإن تنظيم الجهاد المصري تخلص من كل ما علق به من هذا التكفير.. وخاصة أننا عشنا فترة طويلة معًا في السجون وكان قادتهم الأفاضل، مثل الشيخ صالح جاهين وعباس شنن ومحمد أبو الحديد وأحمد سلامة ومجدي سالم وغيرهم يرفضون ذلك.. ومن قبلهم الشيخ عبود الزمر.. والدكتور طارق الزمر.. وهما يكرهان بطبعهما وتدينهما الفطري هذه الأمور منذ زمن بعيد حتى قبل الانضمام إلى الجماعة الإسلامية.
ولكن إخوة تنظيم الجهاد والقاعدة خارج السجون تأثروا بالأفكار القديمة للدكتور سيد إمام الذي كان يدعو إلى تكفير الحكام وأعوانهم.. والشرطة والجيش وأعضاء البرلمان.. والقضاء والنيابة.. بل وبعض الجماعات الإسلامية.. وهذه الأفكار هي التي امتدت إلى إخوة الجهاد والقاعدة خارج مصر وانتشرت على مواقع النت.
الجماعة الإسلامية كانت تأخذ الإسلام بشموله فهي تدعو وتربي وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وترعى الفقراء وتخدم الناس وتقاتل وتهتم بالسياسة، وتهتم بالمساجد والقيام والصلاة والهدى الظاهر وصيام التطوع... إلخ... والسبب بسيط وهي أن الغاية عندها هي هداية الخلائق وهي المصلحة العظمى التي قامت من أجلها الحركة الإسلامية.. ولذلك كنا ندعو المريض والمشلول والمقعد والمرأة والطفل... وكل شرائح المجتمع.
أما تنظيم الجهاد وكذلك القاعدة فهو يهتم بفريضة واحدة هي الجهاد والقتال.. ولذا فهو لا يهتم بالدعوة إلا بشريحة واحدة من الشباب الذي يصلح للقتال فحسب، أما دعوة الجهاد فهي تعتمد على الدعوة الفردية السرية.. والتي لا يعرف المدعو أحيانًا من يدعوه أو عمله وهكذا، كما أن تنظيم الجهاد لا يعد جماعة واحدة ولكنه عبارة عن مجموعات عنقودية منفصلة تقريبًا.. كل له طريقته في العمل والحياة.. ومنهجه الحركي حسب قائده.. وإن كانت تجمعهم جوامع فكرية واحدة تقريبًا في بعض المسائل الجهادية.. فليس لتنظيم الجهاد كيان واحد أو قيادة واحدة فهي خلايا متناثرة عادة.. كثيرة الانشقاق والاختلاف.. ولعل التربية على السرية المطلقة تساعد على ذلك.
أما الجماعة الإسلامية فهي جماعة موحدة على مستوى الجمهورية.. ولها قيادة موحدة معروفة في الداخل والخارج.. وكل أفرادها يتربون ويتعلمون على أيدي قادتها.. لذلك يحبونهم ويقبلون قيادتهم من منطق ديني قبل المنطق التنظيمي البحت الذي يفشل عادة في جمع الصفوف.. ولعل النقطة الأخيرة هي التي جعلت مبادرة الجماعة الإسلامية تسبق الجهاد.. وتحوز رضا كل أبناء الجماعة وتجمعهم في إطار فكري واحد.. وتجعل كل قادة الجماعة موحدين خلف هذه المبادرة بما لم يتحقق بعد مع مبادرة الجهاد.
وثيقة الترشيد ومستقبل القاعدة
* كيف تفسر صمت الظواهري وبن لادن على هذه المراجعات دون تعليق حتى الآن وما هو مستقبل خلايا القاعدة بعد ها؟
- في الحقيقة أن مبادرة الجهاد... قد وضعت الشيخ أسامة بن لادن والدكتور أيمن الظواهري.. في موقف غاية في الصعوبة.. إذ القائم على هذه المراجعات هو المنظر الحقيقي والفعلي لجماعات الجهاد، وعليه فإنه أمام قادة القاعدة طريقان لا ثالث لهما:
الأول: هو التجاوب مع صوت العقل والحكمة والشريعة والاستماع إلى نداء كافة علماء الأمة وأبنائها المخلصين، والولوج عبر هذا الباب المفتوح والقيام بمراجعات شاملة لإستراتجية ذلك التنظيم بما يجعله أكثر رشداً وواقعية واتفاقا مع الأحكام الشرعية بل والنظر للمآسي والمحن التي خلفتها تلك السياسة المتبعة.
الثاني: هو طريق صم الآذان وتخطي تلك الوثيقة العظيمة، واعتبارها وليدة الإكراه أو ما شابه ذلك.
ولكني كلي أمل أن تكتمل المنظومة بانضمام قيادات التنظيم في الخارج إلى هذا العمل حقنًا للدماء وترشيدًا لمسيرة الحركة الإسلامية وحفظًا لها من الضياع في غير الميدان.. وتوفير لطاقات الأمة وادخارها لمواجهة التحديات الخارجية والداخلية التي تواجه الأوطان.
* ما هو تقييمك ورؤيتك الشخصية للمراجعات الأخيرة؟ وما مدى تأثيرها على خلايا القاعدة والمتأثرين بمرحلة الجهاد العالمي في الوقت الراهن؟
- في الحقيقة أن هذه المراجعات تعد تصحيحًا لكثير من الأخطاء النظرية والعملية التي وقع فيها تنظيم الجهاد والقاعدة من قبل، وهي تعد البداية الحقيقية لمراجعة هاتين الحركتين الإسلاميتين لبعض أفكارها القديمة عن الجهاد أسيء فهمها وتطبيقها وعن العلاقة بين الحركة الإسلامية والدول التي تعيش فيها، وعن حرمة قتل المدنيين والسياح... إلخ.. مما احتوته هذه المراجعات..
لقد أقدم الدكتور فضل على ما أحجم عنه الكثيرون.. وقبل ما رفضه الكثيرون في قيادة هذا التيار نحو رؤية إستراتيجية شرعية لوقف كل العمليات القتالية التي كانت تحدث في مصر انطلاقًا من مفهوم خاطئ لفريضة الجهاد العظيمة، إن قيادة تنظيم الجهاد نحو هذه الخطوات المباركة يعد أصعب من نقل الجبال من أماكنها..
|
نجاح الدولة في تجربتها مع مبادرة الجماعة الإسلامية وخروج الآلاف من معتقلي الجماعة الإسلامية من السجون، ووفاؤهم بعهودهم، وعدم حدوث إخلال أمني من جانبهم، كل ذلك شجَّع الدولة على تكرار التجربة مع الجهاد.
|
ولكني أرى أنه بعون الله الأقدر على تحمل هذه المسئولية الجسيمة.. وأرى أنه سينجح في هذا الاختبار الصعب.. ولعل أهم الأسباب التي أستند إليها لنجاح هذه المراجعات هي، وجود تجربة سابقة كاملة ثرية وصادقة وناجحة.. وهي تجربة مبادرة الجماعة الإسلامية.. مما سييسر على إخوة الجهاد قبول مبادرة الدكتور سيد إمام.. حيث إن هناك عدة آلاف من تنظيم الجهاد كانوا يؤيدون مبادرة الجماعة الإسلامية من قبل.. وهؤلاء بالطبع وافقوا على مبادرة الجهاد..
نجاح الدولة في تجربتها مع مبادرة الجماعة الإسلامية وخروج الآلاف من معتقلي الجماعة الإسلامية من السجون ووفائهم بعهودهم وعدم حدوث إخلال أمني من جانبهم.. كل ذلك شجع الدولة على تكرار التجربة مع الجهاد بثقة أكبر وشجاعة أعظم.. كما أعطاها القدرة على سرعة قطع المراحل معهم دون تشكك أو ريبة..
اختلاط إخوة الجهاد بالباقين من إخوة الجماعة المحكوم عليهم بالسجون.. هيأ لهم التعرف عن قرب على مبادرة الجماعة الإسلامية والقناعة بأنها جمعت بين النظرية والتطبيق.. والواجب الشرعي والواقع العملي.. والحفاظ على ثوابت الإسلام مع عدم إهمال الواقع.. وكيفية النظر إلى مصالح الإسلام والأوطان العليا وتقديمها على ما سواها من مصالح الأفراد والجماعات التي لا تقل أهمية عنها.
ما يتمتع به الدكتور سيد من مكانة علمية وفقهية لدى جماعة الجهاد وتنظيم القاعدة.. فهو المنظر الحقيقي لهما..
هل فشل المشروع الإسلامي؟
* برغم صدور هذه الوثيقة من الجهاد وقبلها مبادرة الجماعة الإسلامية هل تعتقد أن فكرة المشروع الإسلامي السياسي قد سقطت أم أن هناك تغييرًا ما في منهجية الجماعتين نحو أسلمة المجتمع بدلا من أسلمة الدولة؟
|
الحركة الإسلامية لن تصل إلى الحكم في مصر أو غيرها، وإذا وصلت إليه ستجبر على تركه.
|
- ما خلصت إليه أنا من خبرتي الطويلة في العمل الإسلامي هو أن الحركة الإسلامية لن تصل إلى الحكم في مصر أو غيرها.. وإذا وصلت إليه أجبرت على تركه.. ولنا في التجارب حولنا عبرة في ذلك مثل المحاكم الصومالية، وطالبان، وحماس، وغيرها.. ولذا فإن محاولة الحركة الإسلامية المصرية الوصول للحكم بالوسائل العنيفة وحتى السلمية أراها لن تنجح على مدى هذا القرن على الأقل نظرًا للظروف الإقليمية والدولية الكثيرة حولنا وهي لا تخفى على أحد.
ولذا فإن على الحركة الإسلامية المصرية ألا تضيع وقتها وجهدها فيما لا طائل من ورائه.. وعليها أن تستغل طاقتها وأموالها وجهودها في الدعوة إلى الله وتربية الناس وإصلاح أحوالهم تربيتهم إيمانيًّا وعلميًّا وشرعيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا ونشر الخير بينهم.
ولو تأملنا التاريخ طويلاًً لوجدنا أن الحكام الصالحين عادة ما يأتون من قلب السلطة نفسها في فترات عصيبة تحتاجها الأمة؛ فالخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- أتى من قلب السلطة، ولم يأت من طائفة العلماء والفقهاء أو تلاميذهم، وصلاح الدين الأيوبي أتى من قلب السلطة كذلك.. فهو وزير نور الدين محمود إلى مصر.. وكان سببًا رئيسيًّا في نصر حطين.. أما سيف الدين قطز فقد كان أيضا من قلب السلطة، وكذلك بيبرس.. وكلاهما كان سببًا في نصر عين جالوت.. والأمير محمد بن سعود كان من السلطة، وأقام الدولة السعودية التي قامت على الشريعة الإسلامي، والسادات كان من أبناء السلطة وربنا قيضه لنفض الغبار عن مصر المسلمة.. وأزاح عنها كابوس الشيوعية.. وكان سببا في نصر أكتوبر.
ولكن كل هؤلاء الصالحين من الحكام تحالفوا مع الصالحين من العلماء والدعاة أو الحركة الإسلامية في زمانهم فعمر بن عبد العزيز مع رجاء بن حيوة وسيف الدين قطز مع العز بن عبد السلام والأمير محمد بن سعود مع الإمام محمد بن عبد الوهاب، والسادات مع حركة الإخوان في مصر.. وهذا التحالف الصالح هو الذي مهد للانتصارات الكبرى للإسلام والمسلمين.
|
التصادم المستمر مع الحكام سواء كان في صورة حرب ساخنة أو باردة لن يحقق للأمة ما تصبوا إليه.
|
أما التصادم المستمر مع الحكام سواء كان في صورة حرب ساخنة أو باردة لن يحقق للأمة ما تصبوا إليه. وهذا لا يمنع من أمر الجماعات للحكام بالمعروف ونهيهم عن المنكر.. وإرشادهم إلى الحق والصواب.. وتشجيعهم عليه.. ولكن كل ذلك يحتاج إلى ضوابط خاصة ومن أناس لهم صفات خاصة في الحركة الإسلامية.. وبعض الحكام قد يقبلون ذلك من العلماء والدعاة وكذلك من الحركة الإسلامية إذا شعروا أنهم مخلصون في نصحهم وأنهم لا يريدون القفز على الكرسي أو السلطة.. وهذا ما تحقق لسيدنا عبد الله بن عباس مع الأمويين.. وكذلك عبد الله بن عمر.. أما سيدنا عبد الله بن الزبير فلم يحقق أي شيء من أهدافه فلا هو وصل للخلافة.. ولا هو عاش بين الناس ليستفيد الناس من علمه وفضله.. ولا هو أرغم بني أمية على الحق والعدل.. ولذلك كره كبار الصحابة في عصره خروجه مثل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-.
وكل هذه النقاط تحتاج إلى كثير تأمل وتفكر.. أذكر أن أمثال عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- لو سلك مسلك عبد الله بن الزبير لما استفادت الأمة من علم هذا الحبر العظيم، ولدفن علمه وفضله وعلم تلاميذه العظام.. وعمومًا هذا رأيي ولا أفرضه على أحد.. وأقوله لوجه الله لا رغبًا في الدنيا.. ولا خوفًا من سلطان، كما أود أن أقول إن الشريعة الإسلامية وتحكيمها بأسلوب حضاري على كل المستويات في المنزل والشارع والمدرسة والجامعة والمصانع والأفراد والمؤسسات وعلى مستوى الدولة هي الشغل الشاغل لكل مسلم يحب الله ورسوله.. ونحن لا يهمنا كما قال الشيخ الشعراوي أن نحكم نحن أو الحركة الإسلامية بالإسلام.. ولكن المهم أن نُحكم بالإسلام من أي أحد.
|