English

 

الثلاثاء. ديسمبر. 11, 2007

دعوي » الدعوة والحركة

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين

الشيخ السيد عسكر: الإخوان يرحبون بمراجعات الجهاد

حوار - عبد الرحمن هاشم

Image
الشيخ سيد عسكر

أكد الشيخ السيد عبد المقصود عسكر الأمين العام المساعد لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر سابقا، وعضو هيئة الشورى بجماعة الإخوان المسلمين، وعضو البرلمان المصري أن ما وقع فيه شباب الجهاد والجماعة الإسلامية من أخطاء فى السابق لم يكن مرجعه سوء النية، ولكن كان مرجعه سوء الفهم، فلما يسر الله لهم التعرف على الحق، رجعوا إليه.

وأشار عسكر في حواره مع "إسلام أون لاين.نت" إلى أن أسبابا عديدة أدت إلى  ما وقع فيه شباب الجهاد وغيرها من الجماعات من أخطاء، لافتا إلى أن من تلك الأسباب ما هو داخلي وما هو خارجي، مؤكداً أن هذه الظروف هي نفسها التي أخرت عودة هؤلاء الشباب إلى الطريق السوي فى.

ولفت عضو اللجنة الدينية بمجلس الشعب المصري إلى أن الأزهر الشريف وإن كان قد تم تغييبه فى بداية تبنيهم لهذه الأفكار فإنه أثبت حضوره بعدما تراجعوا عنها، من خلال تقاريره عما كتبوه من مراجعات وتأييده لهم وشده على أيديهم .

وأوضح عسكر أن الخلل يقع حين تعتقد أى جماعة أن الإسلام وفهمه والعمل له حكر عليها دون غيرها ، مطالباً التيارات التي ما تزال تعمل فى الساحة وتميل إلى أفكار الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد ( قبل المراجعات ) أن تتعظ ، وأن تعود إلى صوابها وأن تستفيد من تجارب غيرها..

وإلى نص الحوار.......

مراجعة الواقع

* ما شهادتك على ما قام به قادة وأفراد الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد فى مصر من مراجعات ؟

** إخواننا من شباب الجهاد والجماعة الإسلامية أعتقد أنهم لا ينقصهم الإخلاص، ولكن كان ينقصهم الفهم، والحديث الشريف يقول: " لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ".

ومن ذلك يتضح أن ما وقعوا فيه من أخطاء فى السابق لم يكن مرجعه سوء النية والله أعلم ، ولكن كان مرجعه إلى سوء الفهم، فلما يسر الله لهم مع طول التجربة المريرة والخبرة التي اكتسبوها مع الزمن ، التعرف على الحق ، رجعوا إلى الحق، والرجوع إلى الحق فضيلة.

وقد كان هناك سبب آخر لما وقعوا فيه من أخطاء، وهو أنهم لم يجدوا فى المجتمع من يوجههم ويرشد مسيرتهم ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر كانت هناك بعض الأطراف التي يعنيها إشعال نيران الفتنة وتصوير الإسلاميين تصويراً سيئاً ، وأعنى بهؤلاء دوائر التطرف العلماني، ومحترفو اليسار الذين ارتفعت أسهمهم فى أجواء الاشتباك بين السلطة والإسلاميين ، فعكروا الماء ليصطادوا فيه ، وكانوا كلما هدأت نيران الفتنة عادوا لإشعالها من جديد.

ومن ذلك يظهر أن الدولة نفسها وقعت فى خطأ كبير حين اطمأنت إلى تشخيص هؤلاء وكتاباتهم المغرضة ، وانساقت وراءهم فى محاربة شباب يريد الوصول إلى الحق ولا يعرف الطريق إليه، وكان الأولى بالدولة أن تيسر لدعاة الإسلام الواعين فرصة التحرك الواسع بلا قيود لتوجيه الشباب توجيهاً حسناً يفيد الأمة ، ويحفظ لها شبابها بعيداً عن التطرف والإرهاب.

كما أن وسائل الإعلام لعبت دوراً كبيراً فى الوقيعة، واختراع القصص والحكايات التي حالت دون حدوث تفاهم بين قيادات الشباب وبين المسئولين فى الدولة ، وقد جرت محاولات سابقة لرأب الصدع ووأد الفتنة ، ولكن الجهات المغرضة كانت تقف حائلاً دون إتمام التفاهم، وإعادة هؤلاء الشباب إلى جادة الصواب.

ولا ننسى أن بعض أصحاب المواقع الوظيفية كانوا حريصين على استمرار الفتنة لكي يبدون للنظام أنهم لا غنى عنهم، وأيضاً فإن الجهات الأجنبية التي يهمها استمرار حالة عدم الاستقرار فى مصر سواء لاستنزاف الوطن أو لإضعافه أو لصرف الانتباه عن ممارسات ومخططات تلك الجهات ، كان يعنيها استمرار الفتنة ، وفى الداخل أناس يعملون لصالح هذه الجهات بالأجر.. كل هذه الظروف أخرت عودة الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد إلى طريق الصواب ، وإفشال كل المحاولات السابقة.

أما عن أفكار الجماعة الإسلامية التي طرحتها حول رجعتها إلى الصواب فيغلب عليها الطابع العلمي الأصيل المستند إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكمثال لذلك ما قالوه حول سؤال مفاده هل تحكمون بكفر رجال الشرطة لأنهم يحاربون الإسلام فى شخص شباب الجماعات الإسلامية الذين يتعرضون للمطاردة والسجن والتعذيب والمحاكمات العسكرية ، وجاءت إجابتهم على الوجه الآتي : الكفر والإيمان لا يوجه للأجهزة والحوائط والأبواب ، وإنما هو حكم شرعي يوجه للأفراد المكلفين دون غيرهم إذا توافرت فيهم مواصفات معينة ، وبالتالي فجهاز الشرطة ( كجهاز ) لا يوصف بكفر ولا إيمان ، ولم يقل أحد من الفقهاء أن هناك وظيفة يكفر صاحبها بمجرد وجوده فيها ، وإنما يوصف الإنسان بالكفر إذا عمل عملاً كفرياً أو اعتقد اعتقاداً كفرياً توافرت شروطه وأسبابه وانتفت موانعه ، ولا يحكم بكفره إلا بعد إقامة الحجة عليه التي يكفر تاركها ، والتي لا يردها إلا معاند ، وعليه فرجال الشرطة مثل أى شريحة من شرائح المجتمع لا يحكم على أحدهم بالكفر إلا إذا تحققت فيه المواصفات السابقة.. إلى آخر ما قالوه..

ومثال آخر من آرائهم يكشف عن عودتهم إلى طريق الحق ، حين يتحدثون عن رأيهم فى المجالس النيابية قالوا : " إن المجالس النيابية فى بلاد المسلمين إنما تستمد مشروعيتها من اعتبار الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع ، وأن ما تصدره من قوانين يستمد مشروعيته من الشريعة الإسلامية كذلك ، وما خرج مصادماً للشرع من هذه القوانين ساقط الشرعية ، وأن من يدخل هذه المجالس ينبغي أن تكون هذه دعوته فيها ، وأن الديمقراطية الغربية فيها ما هو صالح إسلامياً وموافق لمبادئ الإسلام كحق الشعب فى اختيار حكامه ومحاسبتهم والرقابة عليهم بل وعزلهم عند الاقتضاء ، وأن شرعية وجود المسلم فى هذه المجالس ابتداءً ودواماً إنما ترتبط برسالته الأصلية فى الدعوة إلى الله وحمل رسالته ، ودعم ما فى هذه المجالس من صواب وإنكار ما يراه فيها من خطأ ، وأن الدين أوسع وأشمل من أن تستوعب دعوته هذه الطرق دون غيرها، أو أن تستغرق العامل لدين الله عن غيرها من أمور الدعوة والطاعات ، وإنما هي مجرد وسيلة مع الكثير من الوسائل الأخرى للدعوة إلى الدين".

* هل هذه المراجعات جاءت ثمرة تقية أو إكراه؟

** من خلال مراجعتي للمراجعات الفقهية للجماعة الإسلامية ، يتبين لي أنها تتمتع بعبارات منسقة جيداً ، وفكر واضح محدد المعالم أثنى عليه مجمع البحوث الإسلامية فى تقارير رسمية ، وهذا من وجهة نظري يشير إلى أنه ليس وليد إكراه أو جاء فى لحظة انفعال؛ لأن ما يصدر من الإنسان فى مثل هذه الأحوال لابد أن يظهر فيه نوع من التخبط والتناقض وعدم الدقة.

فنجد مجمع البحوث الإسلامية يقول عن كتاب من كتب المراجعات وهو : ( حرمة الغلو فى الدين وتكفير المسلمين ) بعد أن وصفه وصفاً دقيقاً يقول فى نهاية التقرير: " ليس فى هذا البحث ما يخالف الدين أو العلم ولا مانع من نشر هذا البحث وتداوله حيث إنه مطلوب ).

وفى تقرير آخر لمجمع البحوث الإسلامية عن أحد كتب المراجعات ، وهو كتاب : ( النصح والتبيين فى تصحيح مفاهيم المحتسبين ) ، بعد أن استعرض الباحث هذا الكتاب وصل إلى النتيجة الآتية : " هذا البحث قيم ، بين آداب المحتسب وسلوكه والطريقة التي يتبعها فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وجميع شواهد البحث صحيحة من القرآن والسنة النبوية ، وأرى إجازة هذا البحث لأنه لا يمس العقيدة ولا يتعارض مع الثوابت".

الإخوان والمراجعات

* بوصفك عضو هيئة الشورى بجماعة الإخوان المسلمين ما نظرة الجماعة لهذه المراجعات؟

** من المعلوم أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة دعوية تدعو إلى تعاليم الإسلام الوسطية ، وتعمل على إعادة مجد الإسلام ليسود حياة المسلمين فى أنفسهم وبيوتهم ومجتمعاتهم ونظم حياتهم سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، بمعنى أن يطبق الإسلام بشموله وكماله على منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم ، وتنظر إلى الجماعات الأخرى على أنها جماعات دعوة فيها كثير من الخير ، وقد يختلفون معها فى بعض الجزئيات.

ومنهج الإخوان المعلن هو " نلتقي فيما اتفقنا فيه ، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه " ، ومن هنا فإن جماعة الإخوان المسلمين ترحب بعودة هؤلاء إلى جادة الصواب وسلوك طريق الحق الذي ينفعهم وينفع الأمة ، ويعنيني هنا أن أنقل نصاً لأحد الإخوة من قيادات الإخوان المسلمين وهو يتحدث عن هذه التجربة وهو الدكتور عصام العريان إذ يقول : " يجب أن نرحب كمسلمين ومصريين ، ومهتمين بشئون هذا البلد بأي محاولة لوقف العنف، وأي محاولة لوقف ملف الاعتقال السياسي ، وأي محاولة لتفريغ السجون من المعتقلين والمحبوسين سياسياً، وأي محاولة لمراجعة العنف والإقلاع عنه ، كل هذا محل إجماع وتقدير لكل محب لهذا البلد."

ولو أن الدولة سلكت منذ البداية الطريق الصحيح لما وجدت هذه الظاهرة أصلاً ، والطريق الصحيح الذي أعنيه هو أن الفكر ينبغي ألا يواجه إلا بالفكر ، وأما مواجهة الفكر بالعنف ، فالعنف لا يولد إلا العنف ، ومن هنا فإنني أؤكد أن المسئولية لا تقع على هؤلاء الشباب وحدهم ، وإنما تقع على كثيرين من أولى الأمر فى الدولة.

* البعض يدعو للتخلي المطلق عن مبدأ الجهاد كفريضة إسلامية خاصة بعد مراجعات تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية ملتبساً عليه حقيقة ما تراجعوا عنه .. ما تعليقك؟  

** لا يستطيع أحد أن يقول إن الجهاد بمعناه الشامل يمكن أن يتوقف ، فالجهاد ماض إلى يوم القيامة ، ولكن ما معنى الجهاد ؟ هل هو حمل السلاح وقتال المخالفين ؟ لا ، ليس الأمر كذلك، ولكن الجهاد بمعناه الشامل وهو المفروض على الأمة يعنى القيام بتكاليف متعددة كلها جهاد فى سبيل الله ، فالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر جهاد فى سبيل الله ، ومواجهة هوى النفس والشيطان جهاد فى سبيل الله ، والدعوة إلى الله بكل صورها جهاد فى سبيل الله، وقتال المعتدين جهاد فى سبيل الله.

ولكل حالة من هذه الحالات قواعد وضوابط وشروط ، وإطلاق اسم الجهاد على القتال هو إطلاق للمعنى العام على شيء خاص ، فالقتال ليس هو كل الجهاد ، وإنما هو صورة من صوره يلجأ إليه متى توفرت شروطه وأسبابه ومبرراته ، وهذه أمور يبحث عنها فى مظانها الفقهية ، وأعتقد أن الوعي بهذه الأمور قد أصبح واضحاً لدى أفراد تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية بعد مرورهم بالتجربة المريرة التي خاضوها وتراجعوا عنها ، وفى مراجعاتهم عادوا إلى الفهم الصحيح لقضية الجهاد والقتال فى سبيل الله، فهم لم يسقطوا مبدأ الجهاد وأظن أنهم صادقون فى هذه العودة إلى الحق.

* كيف ترى أثر هذه المراجعات على عموم الحركة الإسلامية؟

** عودة الشباب إلى النهج الصحيح يفيد بالتأكيد مسيرة العمل الإسلامى ، ذلك أن انحراف بعض الشباب عن الطريق السوي فى الدعوة إلى الله يضر بالحركة الإسلامية، ويفتح الباب أمام المغرضين لتشويه صورة الإسلام والمسلمين ، وقد قيل " عدو عاقل خير من صديق جاهل " وقد حفظنا منذ الصغر قصة الدبة التي قتلت صاحبها لتطرد الذباب عن وجهه وهو نائم.

أين الخلل؟

* في نظرك أين يقع الخلل؟

** الخلل يأتي عندما تظن أى جماعة أن الإسلام وفهمه والعمل له حكر عليها ، والخلل يأتي من التنازع والشقاق والاختلاف المذموم، وفى مجال الدعوة إلى الله متسع للجميع، بشرط أن ننطلق فى دعوتنا إلى الله من فهم صحيح وإخلاص متين وبعد عن التحزب والتعصب.

التنوع لا بأس به والتنافس شيء طيب، كأن تكون جماعة معنية بتصحيح العقائد، وأخرى معنية ببناء المساجد ورعايتها، وأخرى معنية بتعليم الناس مكارم الأخلاق، وغير ذلك فكلها تصب فى خدمة الإسلام، وكلها يكمل بعضها بعضاً ولا أرى مانعا من ذلك. 

* إذا كانت الجماعة الإسلامية قد راجعت أفكارها وتراجعت عنها ، وإذا كانت جماعة الجهاد أيضاً قد راجعت أفكارها وتراجعت عنها ، فإن بعض التيارات الأخرى والتي لا تزال تعمل فى الساحة تميل إلى بعض أفكار هؤلاء قبل أن يتراجعوا عنها مما ينذر بتكرار نفس الأخطاء ، فبماذا ترشدهم ؟

** أقول: نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق ، وإذا كان الله قد وفق الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد إلى العودة للحق بعد التجارب المريرة التي مروا بها ، فنسأل الله لتلك التيارات أيضاً أن تعود إلى صوابها ، وما ذلك على الله بعزيز ، ولا داعي لتكرار تجارب ثبت فشلها وتراجع عنها أصحابها ، وقد قيل : " السعيد من اتعظ بغيره والشقي من وعظ بنفسه " ، والنصيحة التي نقدمها لهذه التيارات تتلخص فى أمور..

أولها: محاولة الفهم السليم لتعاليم الإسلام بالرجوع المباشر إلى الكتاب والسنة أو طلب العلم على يد العلماء الموثوق بعلمهم وفضلهم .

ثانياً: أن نجرد أعمالنا وأقوالنا وتصرفاتنا لتكون خالصة لوجه الله بعيداً عن حب الظهور والسمعة .

ثالثاً: أن نحسن الظن بأهل السابقة فى الإيمان والدعوة ، ليصدق فينا قول الله تعالى : " والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل فى قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم".
 
* كيف تستشرف مستقبل هذه الجماعات بعد تراجعها عن أفكارها السابقة؟

** معلوم أن المستقبل بيد الله ، وأنه لا يعلم الغيب إلا الله ، وكل الذي يعنينا كباحثين ودارسين لهذه الظواهر أن هؤلاء الشباب عادوا إلى الطريق السليم ، وهذا ما نرحب به ويسعدنا ، ولكن ما الذي سيكون عليه وضعهم فى المستقبل ؟ هذا أمر قد يختلف من شخص لآخر ، وقد يتقوقع بعضهم وينعزل ، وقد ينشغل بعضهم بحياته وأوضاعه ، وقد ينضوي بعضهم تحت لواء بعض الجماعات العاملة فى الساحة ، وقد يكون.. وقد يكون.... وكل ميسر لما خلق له.

الأزهر ما زال حاضراً

* يلاحظ أن منظري وقادة الفكر الجهادي سواء فى تنظيم الجهاد أم الجماعة الإسلامية أم القاعدة مثل أيمن الظواهري وناجح إبراهيم وكرم زهدي وسيد إمام وغيرهم أطباء تبنوا هذه الأفكار وتراجعوا عنها، وفى تبنيهم وتراجعهم لم يكن الأزهر حاضراً بعلمه وفقهه وعلمائه .. ما تفسيرك ؟

الأزهر الشريف مؤسسة إسلامية عالمية معنية بتعليم المسلمين شئون الدين وتعاليمه وعلوم الإسلام وما يتصل بها من علوم ، وهو يؤدى هذه الرسالة منذ ما يزيد على ألف عام ، ولكنه لوحظ منذ سنوات أن الدولة لم توفر للأزهر الإمكانيات اللازمة لتأدية رسالته على الوجه الأكمل ، بل قد وصل الأمر إلى حد أنها فرضت على أنشطة الأزهر تعتيماً إعلامياً ، وعملت بكل الوسائل على تحجيم دوره وشل فاعليته.

وكان بعض العلماء يتمردون على هذا التضييق ، ويحاولون تأدية رسالتهم قدر الطاقة ، وكثيراً ما وقع الصدام بين هؤلاء العلماء وبين الدولة ، ولم يكن هؤلاء هم الذين يمثلون مؤسسة الأزهر كمؤسسة رسمية ، ولذا فإن هذه المجموعات من الشباب التي أشرت إليها فى سؤالك راحت تحاول فهم الدين بالجهود الذاتية ، إذ فقدت الثقة فى الأزهر كمؤسسة، حتى إنهم كانوا يديرون ظهورهم للعلماء الذين يؤتى بهم لتصحيح المفاهيم لهم..

لا أقول هذا تبريراً لسلوك هؤلاء الشباب ولكنهم وقعوا فى سوء فهم وتقدير، حيث كانوا يطلقون على هؤلاء العلماء لفظ (علماء السلطة)، ويشككون فى نواياهم، مع أن العديد من هؤلاء العلماء كانوا يقصدون وجه الله .

لكل هذا وغيره نشأت هذه الظاهرة ، لكنه لما تراجعت هذه المجموعات عن فكرها ، عرفت للأزهر قيمته ، ورجعوا إليه بحثاً عن الرأي الصائب فيما اهتدوا إليه بعد طول تجربة وعناء ، وكان الأزهر حاضراً إذ أحسن الظن بهم ، وراجع كتاباتهم ، وشد على أيديهم وشجعهم ، وذلك واضح من تقارير مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف لما كتبه هؤلاء.

* برأيك.. إذا كان هؤلاء القادة قد راجعوا أفكارهم فلماذا لم يراجع الدكتور عمر عبد الرحمن المحبوس حالياً فى الولايات المتحدة أفكاره؟ 

** وما الذي يدرينا أنه لم يراجع أفكاره .. إنه يعيش فى وضع صعب فى السجون الأمريكية ، ومن الجائز أنه لم تتح له فرصة المراجعة ، أو تم التعتيم عليها إعلاميا.

جهاد الطلب أم جهاد الدفع

*مما يؤخذ على مراجعات هذه الجماعات أنها ما زالت تعتقد فى (جهاد الطلب) وأنه ما زال مشروعاً  وقائماً حتى قيام الساعة .. فما النظرة الشرعية لجهاد الطلب؟ 

** لم يقل أحد من العلماء أن الجهاد مشروع لإكراه الناس على الدخول فى الإسلام ، فالنصوص صريحة وقاطعة بغير هذا ، إذ يقول الله تعالى ( لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي) ويقول (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، ويقول سبحانه ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر).

وهذا يعنى أن الأمة مسئولة عن القيام بواجب الدعوة إلى الله ، وقد حدد الله أساليب الدعوة ومناهجها ، والأصل فى ذلك قول الحق تبارك وتعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).

وبالجملة فإن الأمة الإسلامية عليها أن تقوم بواجب دعوة البشر جميعاً للدخول فى الإسلام ببيان مزاياه ومحاسنه ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، فمن منعنا من ذلك بالقوة ونحن ندعو بالحكمة ، فقد اعتدى علينا ومنعنا من واجب شرعي ، وقد نضطر إلى قتاله ( كدولة ) ، ولا أحسب أن ذلك موجودُ الآن ، فبإمكان الدعاة أن ينشروا دعوة الإسلام فى كل أرجاء العالم بوسائل كثيرة ، ولا يستطيع أحد أن يمنعهم من أداء هذا الواجب ، ولذا فإن اللجوء إلى القتال ليس أمراً وارداً فى مثل هذه الظروف .

أما جهاد ( الدفع )، فهو (فرض) لطرد المعتدين وتحرير المقدسات ، وإقامة شرع الله فى بلاد الإسلام والمسلمين فمبرراته وأسبابه قائمة ، وها نحن نرى عدوان أعداء الإسلام على المسلمين فى كثير من البلدان فى فلسطين والعراق وأفغانستان وكشمير والشيشان وغيرها ، وهؤلاء الأعداء يتدخلون فى هذه البلاد كلها تحت شعارات كثيرة من بينها (ويا للعجب) نشر الديمقراطية !!

* يقول البعض إنه حتى وإن تراجع هؤلاء عن استخدام العنف كوسيلة للتغيير ، فإن النظم الحاكمة بسوء تصرفها تسد الأبواب أمام دعاة الإصلاح بالوسائل السلمية ، مما يجعل الفرصة أمام عودة العنف قائمة .. ما تعليقك؟ 

** هذا أمرٌ يكرهُ كل محب لوطنه وأمته أن تصل إليه الأمور ، ويتمنون أن يفيق أولوا الأمر ولا يسدوا الأبواب بهذا الشكل أمام دعاة الإصلاح السلمي ، لأن ذلك فى الواقع يمثل خطراً محدقاً على كيان الأمة ، وليس ببعيد عن الأذهان ما نادت به الآنسة كوندا ليزا رايس من المطالبة بالفوضى الخلاقة !!

إنني من موقعي كعالم من علماء الإسلام أؤكد أن الفوضى دائماً مدمرة ، ولا يمكن أن تكون خلاقة ، أو تؤدى إلى أى مصلحة سوى مصلحة أعداء الإسلام، وأقول لدعاة الإصلاح والتغيير فى كل بلاد الإسلام عليكم بالصبر والتحمل والجلد والأمل واليقين فى نصر الله، وأن ما تقومون به من نضال سلمى يصب فى خانة الجهاد فى سبيل الله.

 

ابحث

بحث متقدم