|
| بوتفليقة وساركوزي |
قام الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بزيارة رسمية للجزائر (3–5 ديسمبر 2007) هي الثانية له منذ اعتلائه سدة الحكم في فرنسا بعد زيارته الأولى في 10 تموز/ يوليو الماضي، والتي استغرقت أربع ساعات فقط، كانت أول زيارة له خارج الاتحاد الأوروبي بعد انتخابه رئيسا لفرنسا.
حرب التصريحات
هذا الاهتمام الفرنسي اللافت بأن يزور رئيس فرنسي الجزائر (المستعمرة القديمة) مرتين في أقل من ستة أشهر، اعتبره المحلل السياسي عبد العالي رزاقي في حديثه لـ "إسلام أون لاين.نت": "لتثبيت أقدام فرنسا في السوق الجزائرية في وقت ترى فيه منافستها الولايات المتحدة الأمريكية قد دخلته بقوة في استثمارات تزيد عن ستة مليارات دولار أمريكي، معظمها في مجال الطاقة. هذا في ظل وفرة مالية لدى الجزائر تزيد عن 100 مليار دولار أمريكي جراء ارتفاع أسعار النفط".
وجاءت زيارة ساركوزي في جو مشحون بعد تصريحات وزير المجاهدين (قدماء المحاربين الجزائريين) محمد الشريف عباس إزاء الرئيس الفرنسي ساركوزي، حيث قال الوزير عباس عشية زيارة ساركوزي الجزائر في حديث صحفي ليومية الخبر بتاريخ 26 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي: "إن التحاق شخصيات محسوبة على اليسار الفرنسي في حكومة اليمين التي يقودها ساركوزي، تحمل دلالات عميقة، فوزير الخارجية برنار كوشنير لم يقفز إلى الطرف الآخر إيمانا بقناعة شخصية، وإنما الحركة التي قام بها تعكس قناعة المهندسين الفعليين لصعود ساركوزي إلى الحكم، وأقصد بذلك اللوبي اليهودي المسيطر على صناعة القرار بفرنسا".
هذه التصريحات كادت تسبب أزمة دبلوماسية بين البلدين، لولا أن بدّد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة غيومها بمكالمة هاتفية مع الرئيس ساركوزي، تبعها تصريح له لوكالة الأنباء الجزائرية الحكومية، يؤكد فيه "أن السياسة الخارجية بمقتضى الدستور هي المجال الذي يختص به رئيس الجمهورية والمفوضون من قبله وبوجه خاص وزير الخارجية. والسياسة الخارجية هذه تدار من قبل رئيس الجمهورية مباشرة أو بواسطة مصالحه المختصة، المفوض لها قانونا. وكل تصريح أو تعليق ليس من المواقف التي تصدر عن الجهات المذكورة لا يلزم إلا صاحبه أو من يروّج له".
غير أن الجزائريين ساندوا وزير المجاهدين محمد الشريف عباس، ولم يستسيغوا ما قام به الرئيس بوتفليقة لتهدئة الأجواء استعدادا لزيارة الرئيس ساركوزي، التي وصفها قصر الإليزيه "بأنها على قدر كبير من الأهمية سواء بالنسبة لفرنسا أو الجزائر"، فقال أحد القادة التاريخيين للثورة الجزائرية المجاهد أحمد محساس: "إن وزير المجاهدين محمد الشريف عباس لم يخطئ في تصريحه عن فوز ساركوزي بالانتخابات الرئاسية الفرنسية بفضل دعم اللوبي اليهودي، ولم يعد الحديث عن اللوبيات محظورا.. هناك خديعة تاريخية قام بها يهود الجزائر لمّا تخلوا عن جنسيتهم الجزائرية، فعلى الجزائر أن تضبط أمورها ومواقفها حتى لا يدوسنا الجميع".
ولم تختلف هذه النظرة عن نظرة فرنسيين يطالبون بتصفية الماضي، حيث قال البرلماني الفرنسي نوال مامير Nawaal Mamier في تصريح ليومية الخبر الجزائرية: "العلاقات التجارية بين البلدين، وخاصة في مجال المحروقات، سوف تدفع بالطرفين إلى تجاهل كل ما حدث والتفكير أكثر في المصالح المشتركة، وزيارة ساركوزي تفيد فئة قليلة من الجزائريين، أما بقية الشعب الجزائري فتُنتهج ضده سياسة الهجرة المنتقاة، وفُرضت على كثير من العائلات الجزائرية عملية تحليل الحمض النووي (DNA) غير الإنسانية. لكن البلدين طالما لم يفصّلا في قضية مخلفات الحقبة الاستعمارية فإن العلاقات بينهما ستبقى متدهورة، وإن ذاكرتنا ستبقى دائما متأثرة بهذه الصفحة السوداء من تاريخنا المشترك".
حضور التاريخ
وفي هذا السياق الداعي إلى تصفية الماضي قدم مثقفون فرنسيون وجزائريون من شخصيات سياسية وفكرية بارزة في البلدين - عريضة تحت عنوان "لنتجاوز نزاعات التاريخ"، طالبوا فيها نواب الشعب الفرنسي المنتخبين بالاعتراف وعلانية بالمسئولية الأولى والأساسية لفرنسا عن مآسي الاستعمار في الجزائر، ليسمح هذا الاعتراف بفتح عهد جديد من التفاعل والحوار ليس فقط بين ضفتي المتوسط، بل بين فرنسا والأمم التي انبثقت عن إمبراطوريتها الكولونيالية الماضية".
ونُشرت تلك العريضة في الصحف الجزائرية وكبريات الصحف الفرنسية في أول يوم من زيارة الرئيس ساركوزي الجزائر.
ومثل هذه الأصوات الفرنسية وإن كانت قليلة أمام نفوذ اللوبي اليهودي في فرنسا، فإنها تثلج صدور الجزائريين الذين يتمسكون بمطالب اعترافِ فرنسا عما يوصف "بجرائم الحقبة الاستعمارية خلال (1830-1962) وتعويض ضحايا الاستعمار، واسترجاع أرشيف الجزائر وفي مقدمته الأرشيف النووي، كما صرحت لـ "إسلام أون لاين" المحامية الدكتورة فاطمة بنت إبراهيم، رئيسة لجنة تحرير العلاقات الجزائرية الفرنسية من الفكر الاستعماري.
وقد اعترف ساركوزي بما سببته الحقبة الاستعمارية من ظلم واستبداد واستغلال للجزائريين، في خطابين اثنين أمام منتدى رجال الأعمال في كلا البلدين وأمام طلبة جامعة قسنطينة حيث قال: "لا أنسى أولئك الذين سقطوا حاملين السلاح ليستعيد الشعب الجزائري حريته، ولا أنسى ضحايا القمع الأعمى ولا أولئك الذين قتلوا في الاعتداءات (…) ولا حتى أولئك الذين اضطروا إلى التخلي عن كل شيء (يقصد المستوطنين الفرنسيين بالجزائر الذين غادروا الجزائر بعد انتصار ثورة الجزائر)".
ولم يقدّم ساركوزي اعتذارًا تطالب به الجزائر عن الجرائم المنسوبة إلى فرنسا خلال فترة الاستعمار، بل دعا الجزائريين إلى "طيّ هذه الصفحة" وأضاف: "لم آتِ لإدانة الحقبة الماضية، لكنني أتيت لأقول لكم إن المستقبل أهمّ". وهو ما أثار غضب الجزائريين أن "يساوي ساركوزي بين الضحية والجلاد بين شهداء الجزائر وقتلى الاحتلال الفرنسي"، كما صرّح للصحافة المجاهد برقعة.
وقد اعتبر سعيد عبادو أمين عام منظمة المجاهدين تصريح ساركوزي "تطورا في الموقف الفرنسي بالنسبة للقانون الذي يمجد الاستعمار، وما دام اعترف أن الاستعمار كان فظيعا وظالما وغير عادل، هذا يجعله يعترف ويعتذر ويعوّض عن هذا الظلم، كما حصل مع بلدان أخرى".
وهو ما ذهبت إليه الصحافة الجزائرية، فصحيفة ليبرتيه تقول: "نحتاج إلى جهد إضافي سيدي الرئيس حول ماضي فرنسا الاستعماري"، فيما تصدّرت الصفحة الأولى ليومية الخبر ما نسبته لوزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير عندما سئل عن رأيه في تصريحات وزير المجاهدين الجزائري فأجاب: "لساني يرفض اسم وزير المجاهدين الجزائري"، وبشأن الاعتذار الفرنسي الذي تتمسك به الجزائر يقول كوشنير حسب يومية الخبر: "نعتذر لمن؟ وعن ماذا نعتذر؟ فالتاريخ لا يمكن التعاطي معه من منطلق تأنيب الضمير".
وقد اعتبر أحد قادة الثورة الجزائرية المجاهد أحمد محساس التصريحات الفرنسية "إهانة للجزائر وللجزائريين"، وطالبت منظمة المجاهدين الرئيس بوتفليقة بالردّ "رسميا وعلانية على تصريحات وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير المستفزة".
دبلوماسية.. وعقود
وكان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة قد أوضح الموقف الجزائري دون لبس في كلمته خلال مأدبة غداء على شرف الرئيس ساركوزي، وقال بدبلوماسية رفيعة: "إنني متيقن من أن هذه الزيارة ستتيح لنا أن نتناول بكل صراحة وشجاعة المشاكل التي تعثر علاقاتنا، وأننا سنهتدي إلى كيفية معالجتها من منطلق ما يحدونا من روح التفتح ورغبة متبادلة في التفاهم والصداقة (…) إنّ الجالية الجزائرية بفرنسا من حيث إنها الشاهد الحي على أواصرنا التاريخية وعلى حيوية مبادلاتنا معنية بالعلاقات بين بلدينا، وترغب في أن تضطلع بدور أكبر فيها. وأضاف الرئيس بوتفليقة متحدثا عن معاناة الجالية الجزائرية لعل الجالية هذه تعاني أحيانا من الإقصاء، تعاني أكثر من سوء الفهم والأفكار المسبقة الثقافية ومن التفرقة الدينية. ولكي نجعل منها همزة وصل صلبة بين مجتمعينا يتعين أن نستجيب سويا لنداءات الأجيال الصاعدة...).
وكان ساركوزي إبان أحداث ضواحي باريس قبل عامين، قد صرح بصفته وزيرا للداخلية بعدائية ضد الجاليات الأجنبية بفرنسا ووصفهم "بالحثالة"، وفي حملته الانتخابية الرئاسية وعد الفرنسيين أن تكون "فرنسا للفرنسيين". وهو ما اعتبره الجزائريون تمييزا عنصريا ضد الجالية الجزائرية، كما تحدّث الشاب علي 22 سنة: "ساركوزي قال كلاما مسيئا للعرب والمسلمين خلال حملته الانتخابية للرئاسة الفرنسية ولا أقتنع بما يقوله الآن"، بينما قال عبد الحميد (33 سنة): "لا يهمني ساركوزي ولا زيارته للجزائر، فهو جاء ليبرم عقودا يحل فيها أزمة البطالة في فرنسا وليس لفائدة الجزائريين".
وكان الرئيسان الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ونظيره الفرنسي ساركوزي قد أشرفا على حفل توقيع اتفاقية شراكة بين البلدين وأربعة عقود اقتصادية، وتزيد قيمة العقود عن 5 مليارات يورو، في مجالات مختلفة منها الطاقة (غاز وبترول) والنووية السلمية.
وقال مدير عام شركة المحروقات الجزائرية (سونطراك) محمد مزيان في برنامج تحولات بثته الإذاعة الجزائرية: "إن التعاون النووي الجزائري الفرنسي سيشمل مجالات عديدة كالصحة وتوليد الكهرباء وإزالة مخلفات التجارب النووية في رقان (تقع في الصحراء الجزائرية حيث أجرت فيها فرنسا التجارب النووية)، وذلك بالاستفادة من الخبرة الفرنسية". وأكد أن تلك العقود المبرمة مع فرنسا "توفر ما لا يقل عن 3000 منصب عمل جديد".
غادر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الجزائر وفي جعبته عقود بما يزيد على خمسة مليارات يورو، ويضمن تزويد فرنسا بالغاز الجزائري حتى عام 2019، بما يعادل خمسة عشر مليار دولار أمريكي، وتقول يومية الشروق: "مهما كانت العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وفرنسا فإن الجزائريين لن يغضوا الطرف عن الحقبة الاستعمارية ولن يسامحوا".
صحفية وكاتبة جزائرية.
|