|
| بوش ونجاد |
ينبغي على المجتمعات الاستخباراتية تقييم المعلومات المتوافرة لديها بشأن إيران بناءً على السيناريو القائم على أنه: منذ أواخر الثمانينيات حتى عام 2004 عكفت طهران سرا على تنمية مجمل القدرات والمعارف الضرورية لامتلاك خيار إنتاج السلاح النووي. ولم يتم الإعلان عن الكثير من هذه الأنشطة. إلا أن معظم هذه الأنشطة -إن لم يكن جميعها- تم الكشف عنه خلال الفترة بين عامي 2002 و2004 على يد نشطاء المعارضة الإيرانية والتحقيقات اللاحقة التي أجرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وجاء هذا الخداع الإيراني، والإدانة، وجهود الرقابة الدولية المكثفة التي أعقبت ذلك من خلال الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بمثابة مفاجأة لصانعي القرار الإيرانيين وسببت الحرج للأعضاء البارزين في المجتمع الإيراني، ذلك أن الكثير من عناصر الطبقة السياسية الإيرانية لم يكن على علم بأي من هذه الأنشطة غير القانونية التي باتت موثقة حاليا.
ومع بدء توجيه المزيد من أعضاء النخبة الإيرانية اهتماما للقضايا النووية، تعرفوا على قواعد نظام حظر الانتشار النووي وخلصوا إلى نتيجة مفادها أنه: إذا كانت طهران التزمت بالقواعد ولم تكذب، ربما كانت ستتمكن من اكتساب قدرات تخصيب اليورانيوم (ولاحقًا إنتاج وفصل البلوتونيوم).. ورأوا أن وجود برنامج نووي معلن يلتزم بالقواعد سيمنح طهران المعرفة والمواد النووية والمكانة الكافية لخدمة مصالحها على امتداد المستقبل المنظور، مثلما فعلت اليابان ببرنامجها النووي. وفي المقابل، فإن إجراء أنشطة نووية غير قانونية وغير معلنة ينطوي على مخاطرة التعرض للضبط والرقابة، وهو ما يضر بشدة مكانة إيران وسينجم عنه فرض العزلة عليها وتعزيز موقف أعدائها.
وإذا لم تكن مجتمعات الاستخبارات قد قامت بذلك بالفعل فإن عليها تقييم ما إذا كانت الحجة القائلة بأن طهران تحاول سرا بناء أسلحة نووية تعتمد بدرجة بالغة على الأنشطة التي جرت قبل عام 2003، وما إذا كانت هناك معلومات أقل أو أكثر تشير لوجود أنشطة نووية سرية عام 2004-2005 عن الأعوام السابقة، وهل هناك سبب يدعو للاعتقاد بأن إيران غيرت إستراتيجيتها النووية -من حيث الأنشطة والنوايا- نتيجة الكشف عنها والتعرض لضغوط ليس فقط من جانب الولايات المتحدة وإنما كذلك من جانب الاتحاد الأوروبي والوكالة الدولية للطاقة الذرية؟.
وجاء تقرير الاستخبارات الوطنية الأمريكية الصادر في 3 ديسمبر ليجيب على هذه التساؤلات بـ"نعم".
وفيما يلي استعراض لأهم دلالاته:
- أزاح التقرير مسمى "برنامج الأسلحة النووية" عن الأنشطة الإيرانية، لكن تخصيب اليورانيوم وإنتاج البلوتونيوم ينطوي على تهديدات محتملة بغض النظر عن المسمى الذي تحمله.. ولا يدعو التقرير إلى ضرورة الثقة في أن البرنامج النووي الإيراني يخدم الأغراض السلمية فحسب، حسبما تستلزم معاهدة حظر الانتشار النووي.
- يكشف التقرير الحاجة إلى تعديل القواعد التي تحكم الاستفادة بالتقنية النووية، إلا أن هذا التقرير سيخدم طهران في رفضها التحول إلى أول حالة يتم تطبيق القواعد الجديدة عليها.. وفي إطار معاهدة حظر الانتشار النووي بمقدور الدول إنتاج الوقود النووي وتنمية القدرات الأخرى التي ربما تضعها على بُعد شهور من تصنيع أسلحة نووية. وحتى الآن، لا تزال طهران تسعى نحو حيازة قدرات تخصيب اليورانيوم وإنتاج البلوتونيوم، رغم توافر مصادر أخرى بديلة للطاقة أمامها.
ومن الواضح أن التقييم يقبل الأساس الذي تقوم عليه قواعد حظر الانتشار الراهنة والتي ترى أنه لا يمكن نعت برنامجٍ ما بأنه "برنامج لإنتاج الأسلحة النووية" ما لم تتوافر أدلة على جهود جارية لتصميم وإنتاج سلاح نووي.. وفي الواقع إن التحول بين تقديرات الاستخبارات الأمريكية بشأن إيران في عامي 2005 و2007 جاء هائلاً بدرجة ستمكن طهران من رفض أي جهود لفرض قيود على نشاطاتها النووية تتجاوز التفسير الضيق الذي تعتمد عليه قواعد حظر الانتشار النووي الراهنة.
- علاوة على ذلك، يستبعد التقرير الهجمات العسكرية الأمريكية من الخيارات المطروحة. ومن المعروف أنه على مدار شهور عديدة حاولت إدارة "بوش" إقناع العالم بأن واشنطن ليست عاقدة العزم على مهاجمة إيران، لكنها لم تنجح قط بشكل كامل في ذلك.
وما دام الروس والصينيون، وربما أهم منهم "محمد البرادعي" رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يعتقدون أن إدارة "بوش" تخطط لمهاجمة إيران فلن يتبعوا خطى واشنطن نحو تصعيد الضغوط على طهران، خوفًا من أن يسفر ذلك في نهاية الأمر عن اندلاع حرب.
ولو كان الرئيس "بوش" دخل في مفاوضات مع روسيا والصين و"البرادعي" بحيث يقوم بمقايضة التزامه بعدم مهاجمة إيران مقابل حصوله على دعم أكبر لفرض عقوبات ضد طهران، لكانت فرص فرض المزيد من القيود على النشاطات النووية الإيرانية زادت. لكن التقرير الاستخباراتي الأخير قضى على هذا الخيار التفاوضي، الأمر الذي ربما يسعد منتقدي إدارة "بوش"، لكن رؤيتهم في ذلك تعاني من قصر النظر؛ فلا تزال هناك حاجة للضغط على إيران لاتخاذ الإجراءات الضرورية لطمأنة جيرانها والعالم بأنها لن تستغل القواعد غير المناسبة الخاصة بمنع الانتشار النووي بما يمكنها من تغيير توجهها سريعًا وبناء أسلحة نووية.
- ازدياد تعقيد العقوبات أحادية الجانب التي فرضها الكونجرس ضد طهران بسبب امتلاكها "برنامجا لإنتاج الأسلحة النووية". تقيد هذه العقوبات يد الجانب التنفيذي من الحكومة الأمريكية وتثير سخط الحلفاء الضروريين لفرض العزلة على إيران وتلحق الضعف بالسياسة الخارجية الأمريكية. والآن، جاء التقرير الاستخباراتي الأخير ليجعلها تبدو سخيفة، حيث إنه طبقا للحكومة الأمريكية لا تملك طهران الآن "برنامجا للأسلحة النووية" والذي يمثل سبب فرض العقوبات.
- ستضطر الولايات المتحدة والأعضاء الآخرون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لإعادة النظر بشأن قرارات العقوبات التي تم اتخاذها بالفعل ضد طهران.. فنيا، من الممكن التعلّل بأن العقوبات لا تزال مشروعة لأنها نابعة من المستوى غير اللائق لتعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية فيما يخص تسوية القضايا العالقة المرتبطة بانتهاكاتها السابقة لاتفاق الضمانات التابع للوكالة.. ويمكن القول بالحجة ذاتها فيما يرتبط بمطلب تجميد إيران مؤقتا برنامجها لتخصيب اليورانيوم، لكن سياسيا ستنصت موسكو وبكين و"البرادعي" والآخرون ممن لم يرغبوا قط في تحويل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن إلى دعوة طهران لتحويل الملف إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتضييق نطاقه.
- لن ينجح التقرير الاستخباراتي الأخير في تهدئة مخاوف الدول العربية المجاورة لإيران وكذلك إسرائيل بشأن القدرات والنوايا النووية الإيرانية، لكنه سيزيد صعوبة ممارسة ضغوط على إيران لتغيير سلوكها بأسلوب يبث الطمأنينة في أرجاء المنطقة.
نائب مدير معهد كارنيجي للسلام الدولي لشئون الأمن العالمي والتنمية الاقتصادية، ومدير برنامج منع الانتشار النووي بالمعهد، متخصص في إستراتجيات منع الانتشار النووي خاصة في منطقة جنوب آسيا وإيران.
*مقال نشر على موقع معهد كارنيجي للسلام الدولي، تحت عنوان: "تقييم التقريرات الصادرة عن الاستخبارات الأمريكية بشأن البرنامج النووي الإيراني"، 4 ديسمبر 2007.
|