|
| جانب من المشاركين بندوة الدعم بمركز صالح كامل |
مشكلة الدعم مثل غيرها من المشكلات الاقتصادية المتعددة التي تعاني منها مصر، وغيرها من البلدان النامية. فتناول القضية بشكل جزئي يسير بنا في دروب متعددة تختلف فيها الآراء، وتكون النتيجة كما يقولون في المثل الشعبي أو الحكمة القائلة "ضجيج بلا طحين".
مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر أراد تجاوز هذه العقبة، فكانت ندوته التي عقدها مؤخرًا حول قضية الدعم في مصر.. رأسها د. عبد العزيز حجازي رئيس وزراء مصر الأسبق، وقدمت بها ورقتين من قبل كل من وزير الاقتصاد الأسبق د. سلطان أبو علي، والأخرى من قبل عبد الفتاح الجبالي، رئيس وحدة البحوث الاقتصادية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية.
مقدما الورقتين بالندوة، اختلفت وجهات نظرهما في صورة تقديم الدعم حتى تتحقق منه الاستفادة لصالح مستحقيه من الفقراء، ففي حين ذهب د. أبو علي إلى الدعم النقدي، معتمدًا على الواقع المر لتجربة الدعم العيني الذي استفادت منه طبقة الوسطاء، وكذلك منتجو الخدمات والسلع المدعمة، حيث يقدمون سلعًا وخدمات رديئة، ضامنين الحصول مقدمًا على الثمن من خلال الحكومة، مما أوجد كذلك موظفين مرتشين يقبلون بهذه السلع والخدمات الرديئة.
وأضاف أبو علي أن الدعم العيني جعلنا نرى وجود رغيف الخبز وغيره من السلع الرديئة في سلال المهملات. واقترح أن يغطي الدعم موظفي الحكومة وأصحاب المعاشات فقط. وأن تتسع رقعة تغطية الضمان الاجتماعي لتغطية بقية الفقراء من الشرائح الأخرى.
إلا أن الجبالي رأى أن نأخذ بالصورتين، بالدعم العيني والنقدي، حسب طبيعة الخدمة أو السلعة، وظروف إنتاج وسوق هذه السلع والخدمات، وكذلك طبيعة قاعدة البيانات المتوفرة عن الفقراء المستفيدين من الدعم.
خلل سياسات التسعير والأجور
وتجاوز د. محمود عبد الحي مدير معهد التخطيط القومي سابقًا، الخلاف حول وسائل تقديم الدعم، مؤكدًا أن تناول قضية الدعم لا بد أن يسير جنبًا إلى جنب مع إصلاح في سياسات التسعير للسلع والخدمات، وضبط تكلفة الإنتاج، مشيرًا إلى عدم وجود ضابط على سياسات التسعير وربطها بتكلفة الإنتاج.
وقال د. عبد الحي: "لا يفهم من هذا العودة للتسعير الإداري أو الجبري، ولكن أن تكون هوامش الربح للسلع والخدمات معقولة، وفي إطار المتعارف عليه، وليس 100% و200%، كما نرى في بعض السلع والخدمات".
كما ينبغي أن تكون هناك سياسة عادلة للأجور، فمن غير المعقول أن يكون هناك نحو 5.7 ملايين موظف حكومي يحصلون على أجور غير عادلة.
ويرى عبد الحي أن ميزانية تكاليف المعيشة لأي أسرة مصرية تقتضي ألا يقل الدخل عن 1200 جنيه شهريًّا، في حين أن شرائح كثيرة لا يمكنها الحصول على هذا الدخل، إلا بطرق ملتوية، أو اللجوء للعمل في وظائف أخرى بعد انقضاء وقت العمل الحكومي، حتى يكملوا احتياجاتهم الضرورية خارج إطار رواتب الحكومة الهزيلة.
قضية مفتعلة
وينظر د. شوقي دنيا أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر للقضية بشكل أوسع، مشيرًا إلى أن المشكلة ليست في الدعم، ولكن في الخلل بهيكل الاقتصاد المصري، ودعا إلى إعادة النظر بشكل عام في قضايا أساسية، منها:
· الإنفاق الحكومي.
· نمط هيكل الأجور والأسعار.
· العلاقة بين القطاع العام والخاص.
· أن كلاًّ من الدعم النقدي والعيني ليس أيًّا منهما كفئًا بشكل قاطع.
واختتم دنيا حديثه قائلاً: "الحل الأمثل لقضية الدعم هو زراعة الصحراء قمحًا بدلاً من زراعاتها بالمنتجعات وملاعب الجولف".
أما ممدوح الولي نائب مدير تحرير الأهرام فيرى أن المسألة مبالغ فيها من حيث تضخيم مبالغ الدعم بالموازنة، فالفقراء يستفيدون من الدعم السلعي، وهو في حدود 9 مليارات جنيه، وباقي بنود الدعم والمكملة لنحو 57.7 مليار جنيه يستفيد منها الفقراء والأغنياء، وإن كانت استفادة الأغنياء أكبر. ويدلل الولي على أن القضية مفتعلة، من خلال وجود بنود أكثر حجمًا وأهمية من قضية الدعم ولا تستحوذ على هذا الاهتمام من قبل الحكومة، على الرغم من انعكاساتها السلبية على أداء الموازنة العامة، وبالتالي على الفقراء. فمثلاً خدمة الدَّين العام (أقساط وفوائد) بلغت 64.1 مليار جنيه، ومع ذلك لم يُدعَ فيها لحوار مجتمعي.
أين الفقراء؟
واتفقت د. زينب الأشوح أستاذة الاقتصاد بكلية البنات مع ما ذهب إليه الولي، مشيرة إلى ضرورة قيام الحكومة والشعب، بأغنيائه وفقرائه، بترشيد الإنفاق، ودللت على ما تقول من تخصيص مبالغ معينة لنواب بعينهم في مجلس الشعب المصري لإنفاقها على مشروعات بدوائرهم الانتخابية، بينما يُحرم من هذا الإنفاق باقي الأعضاء، وأيضًا حجم الإنفاق الكبير على التدخين في مصر، وهي ظاهرة يشترك فيها الأغنياء والفقراء.
وأشارت إلى خطورة اتساع رقعة الفقر في مصر، وأن استمرار تطبيق سياسة الدعم الحالية، بجانب سياسات مختلّة في الأجور والأسعار، من شأنه أن يوسع من حجم الطبقة الفقيرة، ويضيق حجم الطبقة المتوسطة في مصر، أو إن صح التعبير سوف تسقط هذه الطبقة، وهي بلا شك صمام الأمان للمجتمع المصري.
وتساءلت د. زينب عن دور الفقراء في الحوار المجتمعي حول الدعم، وقالت: "الحوار الدائر حول القضية بعيد بشكل كبير عن المستفيدين منه". ودعت إلى مشاركة الفقراء وسماع صوتهم في الصورة التي يرونها مناسبة للاستفادة من الدعم بشكل أكبر.
الرؤية الإسلامية للدعم
وحول الرؤية الإسلامية لقضية الدعم، أكد د. عبد الله النجار أن الإسلام يؤيد الدعم النقدي حتى يشعر الفقير أنه يملك شيئًا، ويكون له حرية اتخاذ القرار.
واعتبر د. النجار أن الفساد يعتبر من أهم معوقات وصول الدعم لمستحقيه، ودعا إلى القضاء عليه بشكل جذري؛ لكي تؤتي سياسة الدعم ثمارها، كما ينبغي أن يتحقق العدل الاجتماعي والتشريعي في المجتمع المصري، ولا مانع من التدريج في الانتقال من الدعم العيني إلى النقدي، ولكن في مجال الخدمات الصحية فلا بد أن يبقى الدعم عينيًّا كما هو.
بينما اختلف مع هذا الرأي د. يوسف إبراهيم أستاذ اقتصاديات التنمية بجامعة الأزهر، وقال إن الإسلام تحدث عن حد الكفاية لمن يعيشون في المجتمعات الإسلامية، والزكاة والوسائل الأخرى تقدم وسائل العمل وأدوات الحرف للفقراء والمستفيدين، ولا تقدم نقدًا.
بينما رأى د. صبري عبد العزيز أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر أن الإسلام عرف الصورتين، فهناك الزكاة النقدية والعينية، وبالتالي لا بد من النظر لمصلحة الفقراء وتحديد الأولى لهم.
التجربة الأمريكية نموذجًا
ودعا عبد العزيز حجازي في ختام الندوة إلى الاستفادة من التجربة الأمريكية في هذا الشأن، مشيرًا إلى أنه متابع لتجربة أمريكا في هذا الخصوص، وأن لديهم ما يُسمى بإدارة المساعدات الاجتماعية، وهذه الإدارة يتقدم لها كل من يستحق الدعم ويسجل بياناته، وأول خطوة تتخذها هذه الإدارة أن تبحث له عن عمل في حدود خبراته وإمكانياته، ثم تقدم له دعمًا يعتمد على دراسات لتكلفة المعيشة بالمجتمع الأمريكي.
ومن ضمن الدعم المقدم من هذه الإدارة، إعطاء الفقراء ما يسمى "دولارات الطعام"، وهي دولارات مطبوع عليها كلمة طعام "food"، ولا تصرف إلا لهذا الغرض. ونسبة الملتزمين بشروط الدعم النقدي وعمل هذه الإدارة تصل لنحو 95%، بينما يخالف هذه الشروط نحو 5%، والمخالفون سوف يتواجدون في أي مجتمع.
وإذا كانت الآراء السابقة بالندوة قد اختلفت حول وسائل الدعم وكيفية وصوله لمستحقيه، فإن الخيط الذي يربط بينها هو ضرورة تحسين الأوضاع الاقتصادية، وهيكل الإنتاج في مصر، وهذا من شأنه تحسين أحوال الفقراء والتقليل من حجم الإنفاق على الدعم، كما أن القضاء على الفساد وإشاعة العدل والشفافية شروط لازمة لإحداث أي تنمية.
وأكدوا أن مناقشة قضية الدعم خارج هذا السياق ليست إلا عودة بالحوار إلى "المربع رقم واحد"، كما يقولون.
باحث مهتم بالشأن الإقتصادى ، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكترونى للنطاق
namaa@islam-online.net
|