|
| الرئيس الإيراني ضيف شرف في قمة الدوحة |
حملت قمة مجلس التعاون الثامنة والعشرون التي عقدت في الدوحة يومي الثالث والرابع من شهر ديسمبر الجاري، العديد من المفاجآت كان أبرزها مشاركة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد. مما طرح بقوة المسائل السياسية والأمنية لمنطقة الخليج، خاصة تلك المتعلقة بتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة على خلفية الأزمة المفتوحة بين إيران والغرب بقيادة الولايات المتحدة حول البرنامج النووي الإيراني، وكذلك الأطروحات التي أطلقها الرئيس الإيراني خلال القمة والتي شملت إيجاد منظومة للأمن والدفاع المشترك عوضاً عن الاتفاقات والمعاهدات الدفاعية والأمنية التي وقعتها هذه الدول مع الولايات المتحدة، إلى جانب إلغاء تأشيرات الدخول والإقامة وحرية الحركة والتنقل والتملك، واستثمار أموال الطفرة النفطية داخل البلدان الإسلامية من خلال بنك التنمية الإسلامي حتى لا تستفيد منها البنوك والدول الأجنبية.
وهي الأطروحات التي دفعت بمسألة التعاون بين جانبي الخليج العربي إلى السطح وأثارت العديد من التساؤلات منها: هل يمكن لهذه الأفكار أن تأخذ طريقها للتطبيق أم أن هناك حسابات أخرى أكثر تعقيداً مما قد يبدو على السطح، تحول بينها وبين أن تأخذ مجراها في الواقع العملي؟
رغم ذلك كانت الغلبة للقضايا الاقتصادية إلى الدرجة التي يمكن معها القول إن قمة الدوحة كانت قمة الاقتصاد الخليجي بالأساس. حيث اهتمت القمة بمناقشة القضايا الاقتصادية المختلفة سواء تلك المتعلقة بالتعاون الجماعي لدول مجلس التعاون أو المتعلقة بالتعاون مع الدول والمؤسسات والتكتلات الاقتصادية الإقليمية والدولية.
وكان للتطورات الاقتصادية المتسارعة إقليمياً ودولياً ومنها الضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار بدول المجلس نتيجة ضعف الدولار المرتبط بعملات هذه الدول وتهديد ذلك لموعد مشروع الوحدة النقدية في 2010 خاصة بعد انسحاب عُمان منه وفك الكويت ارتباطها بالعملة الأميركية، دور في تراجع الملفات السياسية أمام القضايا الاقتصادية.
إنجازات اقتصادية
وقد استطاع القادة الخليجيون إنجاز العديد من الملفات الاقتصادية المطروحة على قمتهم. فقد أصدرت القمة في بيانها الختامي عدداً من القرارات الاقتصادية التي تتعلق بمعالجة هذه الملفات. كان منها ما يتعلق بالسعي لاستكمال خطوات الاتحاد النقدي، حيث استعرض المجلس التقرير السنوي المرفوع من الأمانة العامة عن سير العمل في تنفيذ البرنامج الزمني للاتحاد النقدي، ووجه باستكمال تحقيق المعايير المالية والنقدية لتقارب الأداء الاقتصادي بين دول المجلس، وكلف وزراء المالية ومحافظي مؤسسات النقد والبنوك المركزية، بوضع برنامج مفصل، لاستكمال جميع متطلبات الاتحاد النقدي، ورفعه إلى الدورة القادمة للمجلس الأعلى في مسقط.
لكن الحدث الاقتصادي الأبرز تمثل في إعلان القمة قيام السوق الخليجية المشتركة اعتباراً من الأول من يناير 2008م، وتأكيده على تنفيذ الدول الأعضاء لما صدر من قرارات من شأنها زيادة استفادة مواطني دول المجلس من قيام هذه السوق، وتعميق المواطنة الخليجية وتحقيق المساواة التامة في المعاملة بين مواطني دول المجلس في ممارسة المهن والحرف والأنشطة الاقتصادية والاستثمارية.
وأقر المجلس تطوير قواعد ممارسة تجارة التجزئة والجملة بما يتوافق مع متطلبات السوق الخليجية المشتركة، وقرر السماح لمواطني دول المجلس بممارسة نشاطي الخدمات العقارية والخدمات الاجتماعية في جميع الدول الأعضاء.
خطوة على الطريق
كانت الحاجة إلى تحقيق المزيد من التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون هدفاً استراتيجياً وضرورة تفرضها التطورات الاقتصادية العالمية في ظل مناخ العولمة الاقتصادية، التي تعطي الأولوية للتكتلات الاقتصادية التي يمكنها المنافسة والصمود في مختلف المجالات الاقتصادية.
وقد جاء إعلان قيام السوق الخليجية المشتركة، استجابة لهذه التطورات وكذلك استجابة لتطلعات وآمال مواطني دول المجلس في تحقيق المواطنة الخليجية بما في ذلك المساواة في المعاملة في التنقل والإقامة والعمل والاستثمار والتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، واستكمالاً للخطوات والجهود التي قطعتها مسيرة العمل الاقتصادي المشترك.
فقد اتخذ مجلس التعاون خلال السنوات الماضية العديد من التدابير والخطوات لتهيئة المناخ الملائم من أجل إنشاء السوق المشتركة، من أبرزها السماح لجميع مواطني الدول الأعضاء في المجلس بتملك العقار والأسهم ومزاولة الأنشطة التجارية، واتباع الدول الأعضاء السياسات والأنظمة الموحدة في المجالات الاقتصادية والتجارية والصناعية والمالية والنقدية، فضلاً عن بدء العمل بالاتحاد الجمركي اعتباراً من مارس 2005. كما اتخذ المجلس عدد من الإجراءات اللازمة بتفعيل الاتحاد النقدي في ظل الارتباط المباشر بين تحقيق السوق المشتركة وإقامة مثل هذا الاتحاد.
وكانت قمة مجلس التعاون التي عقدت في الدوحة في شهر ديسمبر 2002 قد أصدرت في ختام أعمالها "إعلان الدوحة" بشأن قيام الاتحاد الجمركي بين دول المجلس اعتباراً من الأول من يناير 2003. وجاء في الإعلان أنه "مع العمل بهذا الاتحاد تكون دول المجلس قد أصبحت منطقة جمركية واحدة تستبعد فيها الرسوم والضرائب الجمركية واللوائح والإجراءات المقيدة للتجارة بين دول الاتحاد وتطبق فيها لوائح جمركية موحدة بواقع 5 بالمائة تجاه العالم الخارجي"، أي على جميع السلع الأجنبية المستوردة من خارج الاتحاد الجمركي، مع إعفاء 417 سلعة ضرورية من الرسوم الجمركية إضافة للإعفاءات الجمركية الواردة في القانون الموحد للجمارك. وتم تطبيق هذه الإجراءات على كافة السلع الأجنبية في نقطة الدخول الأول في أي من دول المجلس، بحيث يقوم المنفذ الأول الذي دخلت عن طريقه هذه السلع بإجراءات التفتيش والمعاينة والتأكد من مطابقتها للمواصفات المطلوبة ويتم استيفاء الرسوم الجمركية المستحقة عليها، ثم تتحرك السلعة بعد ذلك بحرية داخل دول المجلس.
وتم بموجب ذلك إلغاء التعامل بالنقل بالعبور (الترانزيت) للبضائع الأجنبية بين دول المجلس باعتبارها منطقة جمركية واحدة، واستطاعت الدول الخليجية منذ تأسيس الاتحاد العام 2003 تحقيق عمليات مقاصة جمركية بنحو 300 مليون دولار.
وليس من شك في أن الإنجازات التي حققها مجلس التعاون خلال مسيرته التي انطلقت منذ ما يزيد على ربع قرن قد أرست قواعد وأسسا متينة للمجلس تؤهله للانطلاق نحو استكمال مسيرة التكامل الاقتصادي، وتحقيق طموحات وتطلعات مواطني دول المجلس في مختلف المجالات، وقد جاءت قمة الدوحة لكي تكون بمثابة بداية مرحلة جديدة لتفعيل التكامل الاقتصادي الخليجي على أسس واقعية وتحقيق السوق الخليجية المشتركة التي تعد أحد أهم تطلعات مواطني دول المجلس.
عقبات أمام التنفيذ
لكن هناك عقبات يمكن أن تقف حجر عثرة في طريق نجاح تجربة السوق الخليجية المشتركة منها عدم الديناميكية والبطء في اتخاذ القرارات خاصة لدى الموظفين التنفيذيين والفنيين إلى جانب غياب الرؤية الاستراتيجية المستقبلية الفاعلة للعمل الاقتصادي المشترك والمحددة للأولويات والبرنامج الزمني للتنفيذ على صعيد المؤسسات الاقتصادية المعنية بالتكامل، وهو ما يتطلب ضرورة استكمال اللجان المعنية بالتشريعات الاقتصادية والأنظمة الجمركية.
هناك أيضاً مشكلة التشابه بين اقتصاديات دول الخليج بعكس الاتحاد الأوروبي الذي تعد اقتصاديات دوله مكملة لبعضها البعض. وهو أمر يتطلب العمل على تنويع المشروعات الاقتصاديات بين دول المجلس وصولاً إلى تحقيق التكامل بين اقتصادياتها.
بالإضافة إلى ذلك هناك مشكلة توحيد جميع الرسوم الجمركية على السلع التي لم يتم الاتفاق في إطار قانون الجمارك الموحد آنف الذكر، وكذلك المشاكل التي تواجه انسياب السلع في المنافذ الجمركية للأعضاء وتوحيد وتبسيط إجراءات التخليص وآليات العمل في هذه المنافذ.
كما يجب وضع الحلول لمواجهة معضلة كيفية توزيع الإيرادات الجمركية خاصة وأن هناك اعتراضات على الطريقة المعمول بها خلال الفترة الانتقالية والقائمة على أساس تحصيل الرسوم الجمركية في أول نقطة جمركية لدول المجلس مع العالم الخارجي، ثم يتم توزيع نصيب الدول الأعضاء من الحصيلة الجمركية حسب المقصد النهائي للسلعة.
نحو الوحدة الكاملة
من المؤكد أن الإعلان عن قيام السوق الخليجية المشتركة ليس هو نهاية المطاف بل هو خطوة على الطريق الطويل للوصول إلى الوحدة الكاملة بين دول مجلس التعاون الخليجي. فهناك خطوات أخرى مطلوب إنجازها أهمها التوصل إلى العملة النقدية الموحدة.
ولا شك أن إنجاز هذه الخطوات سيؤدي إلى تحقيق الحلم الخليجي في ظهور كيان خليجي موحد بدون حدود سياسية تفرق بين أبناء الوطن الخليجي الواحد وتمنعهم من التواصل بحرية وبدون قيود.
|