|
| التوقيع على عجل عشية أنابوليس |
توهم القراءة السطحية الأولى لنص الوثيقة التي وقعها نوري المالكي وجورج بوش الابن عشية مؤتمر أنابوليس، بأن الولايات المتحدة الأمريكية، أي قوة الاحتلال في العراق، تحوّلت إلى دولة صديقة لا تحمل إلا همّ تقديم العون للدولة العراقية التي كانت هي السبب الأول في مقتل زهاء مليون من رجالها ونسائها وأطفالها خلال فترة الحصار بعد حرب الخليج الثانية، ومليون آخر بعد حرب الاحتلال، وفي تشريد ما بين 3 و4 ملايين خارج الحدود، وقريب من ذلك داخل الحدود، وفي تدمير البنية التحتية تدميرًا كاملاً، وفي اغتصاب التاريخ بسرقة الآثار، واغتصاب المستقبل بقتل العلماء، واغتيال الإنسان العراقي بما نجم عن الحروب والحصار من عداوات قد لا تندمل جراحها طويلاً.
التزام أعرج
عنوان الوثيقة نفسه يكشف عند القراءة المتأنية عن ثغرة أولى، فهو (إعلان مبادئ لعلاقة تعاون وصداقة طويلة الأمد بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الأمريكية)، ويتكرر ذلك مع بداية النص (ملتزمتان بتطوير علاقة تعاون وصداقة طويلة الأمد بين بلدين كاملي السيادة والاستقلال ولهما مصالح مشتركة)، والأصل في الاتفاقات أن لها أجلاً ينتهي، فإما يجري التمديد أو لا يجري، لو أن الأمر يدور فعلاً بين (بلدين كاملي السيادة والاستقلال) أما ترك ذلك دون تحديد، فيعني أن ما يوقعه رئيس حرب الاحتلال الأمريكي، ورئيس حكومة الاحتلال العراقية، يراد أن يكون ملزمًا دونما تحديد، لكل من يأتي بعدهما؛ ليتحول (التعاون) إلى تعاون بالإكراه، وتتحول (الصداقة) إلى صداقة أبدية، وتتحول (المصالح المشتركة) إلى مصالح لا فكاك منها.
وكلمة (ملتزمتان) تعني:
1 - سريان الالتزام على من سيفاوض (للتوصل قبل 31/7/2008 إلى اتفاقية بين الحكومتين تتناول نوايا التعاون والصداقة بين الدولتين المستقلتين وذواتي السيادة الكاملة في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية والأمنية) وليس تحديد هذا الموعد اعتباطيًّا، فالمقصود هو أن تجري المفاوضات وتنتهي قبل انتهاء فترة الاحتلال، فسيان كم تتكرر عبارة (المستقلتين) و(السيادة الكاملة) يبقى الواقع القائم واقع طرف يمارس الاحتلال وآخر تحت الاحتلال، بل وتجري قبل احتمال حدوث تغيير سياسي في أوضاع العراق الداخلية عبر انتخابات حرة وليس انتخابات باطلة نتيجة ما يصنعه الاحتلال والحكومة المرتبطة به، بل وقبل أن ينتهي وجود بوش الابن في منصبه وتأتي حكومة أخرى قد لا يروق لها أن تستمر على سياسات الاحتلال والهيمنة، وقد سببت من الخسارة ما لا يقاس بأي خسارة سابقة للولايات المتحدة الأمريكية نفسها.
2 - سريان الالتزام أيضًا على شمول ما يسمى (تعاونًا) و(صداقة) على جميع المجالات التي تعتبر من عناوين الاستقلال الحقيقي في أي بلد، السياسية والثقافية والاقتصادية والأمنية، ولا ريب أن السياسية تشمل داخليًّا الجوانب التشريعية والقضائية، وأن الثقافية تشمل التعليمية والتربوية، وأن الاقتصادية تشمل النفطية والمالية، وأن الأمنية تشمل القواعد العسكرية والتدريب والتسليح وغيرها.
3 - سريان الالتزام على أي حكومة عراقية مقبلة، ولا نقول أمريكية أيضًا، فالقاعدة التي تقول إن على الحكومة الجديدة أن تلتزم بما صنعت سابقتها، يجري استغلالها -كما شهدت الحالة الفلسطينية- بتعطيل مسألة "المشروعية" فيما توقع عليه من اتفاقات. بتعبير آخر: الحكومة العراقية التي تمثل جزءًا من حالة الاحتلال، الخاضعة طوعًا أو كرهًا لإرادة دولة الاحتلال وعسكرها، توقع اتفاقية باطلة في مفهوم الشرعية الدولية، ولكن يمكن أن تتحول في أي يوم من الأيام، إلى سلاح سياسي يشرع في وجه حكومة وطنية منتخبة قادمة، أن عليها الالتزام بما صنع أسلافها، وهنا يُضرب بعدم مشروعية ما صنعوا عرض الحائط، كما هو الحال مع المطالب التي واجهتها حكومة فلسطينية ومجلس نيابي فلسطيني منتخبان، استنادًا إلى ما وقعته من قبل جهات لم تصل إلى مشروعية التوقيع الملزم عن طريق انتخابات حرة نزيهة دون جدال. أما الدولة الأمريكية فتتحدث سوابقها عنها، تنصّلاً من اتفاقات دولية كبرى، وليس من اتفاقات مع دول واجهت عدوانها واحتلالها العسكري فحسب، فعلى افتراض وجود أي بند إيجابي في اتفاقية ثنائية، لن تجد حكومة أمريكية غضاضة ولا حرجًا في أن تمتنع عن التنفيذ بذريعة ما أو دون ذريعة.
اتفاقية احتلال باطلة
لا يوجد في القانون الدولي العام القائم على مبادئ أساسية في المواثيق الدولية، أي بند يمكن اعتماده للقول بمشروعية تلك الاتفاقية الثنائية بين طرفين تربط بينهما علاقة الاحتلال، فالقانون الدولي يحدّد فيما يسمى قوانين الحروب:
- كيف تتعامل دولة الاحتلال مع أرض الاحتلال، فلا تحدث عليها تبديلاً ولا تستغل ثرواتها اغتصابًا.
- وكيف تتعامل مع أهل أرض الاحتلال، فلا تبدّل بنيتهم الهيكلية، ولا تشرّدهم عن مساكنهم وقراهم ومدنهم، ولا تنتهك حقوقهم وحرياتهم الإنسانية، علاوة على أصل وجود الاحتلال نفسه.
- وكيف تتعامل مع الأسرى، ومع الثروات الأرضية، وغير ذلك، وليس فيه شيء يمكن أن يسمح بالقول مثلاً (وكيف تتعامل مع مستقبل الأرض وأهلها) تحت عنوان صداقة وتعاون، أو أي عنوان آخر.
بل لا يوجد ما يمكن أن يسوّغ ذلك حتى في "اتفاقيات الاستسلام العسكري"، ناهيك عن أن قادة العراق المهزومين عسكريًّا، لم يوقعوا اتفاقية استسلام ما، بل انتقلوا إلى المقاومة المسلحة السرية، وجميع من أتى بعدهم يسري عليه وصف "حكومات الاحتلال" وليس "حكومات الشعب العراقي"، فلا توجد سيادة، ولا يوجد استقلال، وهما بمفهوم القانون الدولي العام، ركنان أساسيان في وجود الدولة، ومشروعية الحكم فيها، ومشروعية ما توقع من اتفاقات، ولا يتوافر هذان الركنان ما دام يوجد جنود احتلال على الأرض، وما دامت الحكومة التي تسيّر أعمال البلد بصورة من الصور، مقيدة بإرادة الاحتلال.
حتى في إطار القانون الدولي التطبيقي، أي مجموعة الاتفاقات والمعاهدات والعلاقات الثنائية والجماعية الدولية التي تعتبر مشروعة بمقدار التزامها بمبادئ القانون الدولي العام، وباطلة بمقدار انتهاكها لها.. حتى في هذا الإطار لا نجد حالة واحدة مشابهة للحالة التي يراد اصطناعها لمستقبل العراق، بعد أن أصبحت الهزيمة الأمريكية واضحة للعيان، شاء بوش الابن أم أبى، وراق ذلك للحكومة المرتبطة به داخل العراق أكثر من ارتباط أعوانه الأمريكيين الذين استقالوا واحدًا تلو الآخر، أم لم يَرُق.
لم تنته حرب فيتنام باتفاقية بين دولة الاحتلال الأمريكي آنذاك وبين الحكومة التي نصبها الاحتلال وحماها في سايجون، بل بين الاحتلال ومن يمثّلون رفض الاحتلال ويمارسون مقاومته، فذهب الاحتلال وذهب حتى "اسم سايجون" معه، ولم تتجدّد الاتصالات بين الطرفين -ناهيك عن عقد اتفاقات- لا باسم صداقة وتعاون ولا باسم آخر، إلا بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود؛ لتجري بين دولتين "مستقلتين".
ولم تنته الحرب العالمية الأولى باتفاقات صداقة وتعاون بين دول الاحتلال المنتصرة في الحرب وحكومات نصبتها، بل كان ذلك عن طريق تشكيل أوضاع سياسية قامت على انتخابات وتوزيع سلطات كما جرى في ألمانيا، وارتبطت بالإرادة الشعبية، ومن الشواهد على ذلك الاستفتاء الذي جرى في منطقة "السار" المحتلة فرنسيًّا، وانسحاب فرنسا منها وإلحاقها بالأرض الألمانية عندما قررت غالبية السكان ذلك عبر الاستفتاء.
إن الاتفاقات التي تنعقد في فترة احتلال كامل أو ناقص، باطلة شكلاً وموضوعًا، وإن لم تكن نتيجة "إملاء" صادر عن دولة الاحتلال نفسها، كما هو الحال مع ما يحاول بوش الابن صنعه في آخر عهده مسابقًا للزمن، وهي باطلة شكلاً وموضوعًا، حتى وإن تضمنت إيجابيات ما، فحتى الاتفاقات التي عقدت بين ألمانيا الغربية والدول الشرقية، لم تصبح جزءًا من القانون الدولي، إلى ما بعد استعادة ألمانيا سيادتها الكاملة مع نهاية الحرب الباردة، فآنذاك كان لا بد من عقد اتفاقات بديلة.
ماهية "الصداقة والتعاون"
لا جدوى بعد ذلك من مناقشة التفاصيل الواردة في تلك الوثيقة التي بدا أن استعجال توقيعها الثنائي "عن بُعْد" عشية مؤتمر أنابوليس، كان مقصودًا، ليس لصرف الأنظار عنها وعما تعنيه فحسب، بل في إطار ارتباطها بالرؤيا الأمريكية لمستقبل المنطقة، وليس مستقبل العراق فحسب، ناهيك عن الرؤيا الهلامية بشأن فلسطين وقضيتها.
أول ما يلفت النظر بهذا الصدد عبارات من قبيل (العمل والتعاون المشترك بين دول المنطقة) أو (حل المشكلات العالقة بين مختلف دول المنطقة) أو (علاقات إيجابية بين دول المنطقة والعالم) فهل المقصود الدول العربية والإسلامية فحسب؟.. علام لا تأتي العبارة الأقوم لغويًّا "الدول الأخرى" أو "دول الجوار"؟.. ألا ينصرف تعبير "دول المنطقة" تحديدًا إلى التعامل مع ما كانوا يسمّونه الصراع العربي - الإسرائيلي والصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وبات الحديث عنه حديث تطبيع وسلام وحدود، ونزيف فلسطيني مستمر؟..
هل سيكون تطبيق عبارة (بالإضافة إلى مساعدتها في الانضمام إلى منظمة التجارة الدولية) مثلاً خاليًا من شروط أمريكية من قبيل التي فرضت على الدولة المصرية المستقلة ذات السيادة، بشأن تحديد نسبة مئوية من المشاركة الإسرائيلية في تصنيع بضائع تحظى بمعاملة أمريكية متميزة في التبادل التجاري؟..
أما الحديث عن (تشجيع التبادل الثقافي والتعليمي والعلمي بين الدولتين) مثلاً آخر، فهل سيتخذ شكل بعثات خبراء عراقيين ينظرون في مناهج التربية والتعليم في الولايات المتحدة الأمريكية لتعديلها.. أم العكس؟..
والحديث عن (تسهيل وتشجيع تدفق الاستثمارات الأجنبية وخاصة الأمريكية) هل يُبْقي استقلالية ما لحكومة عراقية قادمة إذا أرادت مثلاً إعطاء الأولية لاستثمارات عربية وإسلامية بدلاً من الأمريكية التي لم تُفتح لها الحدود في أي بلد مستقل حقًّا، إلا وكانت أحد مداخل الهيمنة الاقتصادية والمالية، استغلالاً لثرواته وأسواقه، لا سيما إذا كان بلدًا كالعراق، فيه من الثروات النفطية وغير النفطية، ما لا تريد الشركات الأمريكية الحاكمة في واشنطن التخلّي عن استغلاله بأي سبيل من السبل، سواء في عهد بوش الابن أو من قبله أو من بعده!..
"إعلان المبادئ" بين بوش الابن والمالكي هو "تمهيد لاحتلال مدني طويل الأمد" على حد تعبير التيار الصدري في العراق، و"عقدٌ بين طرفين غير متكافئين يتيح للولايات المتحدة الأمريكية التدخل في مختلف مجالات الحياة" على حد تعبير جبهة التوافق السنية في العراق، واعتبرت وكالة الصحافة الفرنسية الاتفاق مقدمة لتحديد "شروط ما يمكن أن يكون وجودًا عسكريًّا أمريكيًّا طويل الأمد في العراق"، وفي واشنطن أعلن اللفتنانت جنرال دوجلاس لوت أن الاتفاق الذي سيتم التوصل إليه في منتصف 2008م "سيكون شيئًا يشبه اتفاقًا على وضع القوات ليحلّ بعد ذلك محلّ التفويض الممنوح حاليًّا من مجلس الأمن الدولي"، وهو ما يفسّر العزم على عدم تمديد قرار مجلس الأمن الدولي بشأن وجود الاحتلال الأمريكي إلا مرة واحدة حتى نهاية عام 2008م؛ إذ سيُنقل استمرار وجود الاحتلال بذلك إلى علاقة "اتفاق" أمريكية - عراقية، خارج نطاق المجلس.
والاتفاق في حصيلة الأمر محاولة من جانب بوش الابن، أن يترك علاقة الاحتلال في العراق بعد رحيله في صيغة جديدة مناسبة لمن يأتي من بعده، تحفظ للولايات المتحدة الأمريكية وجودها العسكري وغير العسكري المهيمن في العراق، بما ينسجم مع ما يجري التخطيط له للمنطقة عبر "مؤتمر أنابوليس" وذيوله، وليس من أجل هذا قُتل وشُرّد الملايين من العراقيين، ولا من إخوانهم وأخواتهم في فلسطين وأفغانستان وسواهما، بل هو من أجل استقلال حقيقي، وسيادة حقيقية، وهذا ما لا تستطيع قيادات وزعامات مرتبطة بدولة الاحتلال والهيمنة تحقيقه، عبر اتفاقات باطلة أو من دونها، وعبر متاهة مفاوضات أو من دونها ما بين أطراف هم في الحصيلة أقرب إلى أن يكونوا "طرفًا واحدًا"، مع تغييب من يمثل الإرادة الشعبية تمثيلاً حرًّا نزيهًا، ووطنيًّا صادقًا.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|