|
| جمال البنا |
ملاحظات أولية:
١ـ قبل أن نتكلم عن وثيقة ترشيد العمل الجهادي، نوجه النظر إلي أننا نناقش نصوصا نحكم عليها أو لها دون أن نتأثر بشخصية الكاتب، لأن شعارنا دائماً هو «المقولة لا القائل»، فمجال الحديث هو المقولة، لأنها هي التي يدور عليها رحا الحديث سواءً كان نقداً أو تأييداً، أما القائل فنحن نرفض كل ما قيل عن اتصالات، أو تأثيرات، أو أغراض، فكل هذا يتعلق بالكاتب وليس بالمقولة، كما أنه يدخل في باب الظن الذي هو أكذب الحديث.
وإذا كان لازماً الإشارة إلي الكاتب فإن أدب الإسلام يلزمنا «خذ أمر أخيك علي أحسنه»، وعلمنا القرآن عندما نسمع شائعة «لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين» (النور: ١٢).
٢ـ الأساس الذي بني عليه الكاتب محاولته هو الأساس الفقهي المعتمد، والمقرر أي ما أورده الفقهاء والمحدثون والمفسرون من أحكام، وقد التزم الكاتب بهذا الإطار، لأنه هو النهج السائد الذي يلقي القبول عند عامة الدعوات الإسلامية، وبحكم هذا المنهج جاءت أحكامه، فإذا كان ثمة نقص فهذا النقص يعود إلي الفهم السلفي، وليس إلي الكاتب.
٣ـ أننا وضعنا كلام الكاتب بين قوسين هكذا ( ) حتي لا يحدث خلط بين كلامه وبين تعقيباتنا.
قسم الكاتب محاولته علي خمسة عشر بنداً، مع إضافة أربعة تعليقات تكلل بخاتمة للوثيقة.
في البند الأول «دين الإسلام» قال (ومعني دين الإسلام: هو الاستسلام أي الانقياد الكامل لشرع الله سبحانه، وهذه حقيقة العبودية لله وحده لا شريك له، وهذا الاستسلام والانقياد والعبودية يتحقق بأن نعبد الله كما يريد سبحانه لا كما نريد نحن).
وإذا كان الإسلام يتحقق بتقديم مراد الرب علي مراد النفس، فإنه ينقص أو ينتقض بمخالفته ذلك، والمخالفة درجات (من قدم مراد نفسه علي مراد ربه في أشياء يسيرة فهذا مرتكب الصغائر، ومن قدم مراد نفسه علي مراد ربه في أشياء كبيرة فهذا مرتكب الكبائر، وهو الفسوق، ومن قدم نفسه في أشياء عظيمة، فهذا قد وقع في الكفر وذلك لأن الله سبحانه وتعالي وصف الكفر بأنه «الحنث العظيم»، وكذلك وصف الكفر بالذنب العظيم في قوله تعالي «ومن يشرك بالله فقد افتري إثماً عظيماً» النساء: ٤٨).
نقول كان لدي الكاتب مندوحة عن اتخاذ هذا السبيل، لأنه يفسح المجال لاجتهادات طبقا للأفهام المختلفة، وقد يؤدي إلي نوع من الخلط فإذا كان الكفر هو الذنب العظيم، فإن الكبائر ذنوب عظيمة، وهي لا تؤدي إلي الكفر، ولكن الفسوق والآيات التي استشهد بها قد لا تؤدي إلي الفكر الذي يخرج صاحبه من الملة، وكذلك لأن تعبير من قدم مراد نفسه علي مراد ربه يوحي بأنه من قام بهذا قام به عامداً متعمداً، في حين أن من الممكن أن يكون من باب سوء الفهم أو اللبس.
وقد أحسن الكاتب عندما رفض أن يضع المسلم لنفسه هدفاً وإن كان في أصله مشروعاً، ولكن فوق طاقته ولا يناسب حاله، ثم يسلك أي وسيلة لتحقيق هدفه غير متقيد بضابط الشريعة، فهذا قد قدم مراد نفسه علي مراد ربه، وليست هذه طريقة المسلمين، وإنما هي طريقة الثوريين العلمانيين وليس في الإسلام أن «الغاية تبرر الوسيلة»، وإن كانت الغاية نبيلة ومشروعة في أصلها، بل المسلم يتعبد لله بالوسائل كما يتعبد بالغايات.
تحدث الكاتب في البند الثاني عن أن التكليف منوط بالعقل والعلم والمقدرة وهو أمر سليم، ولكن المؤلف ذهب إلي أن طريق العلم هو سؤال «أهل الذكر» ولم يشر إلي واجب المسلم في إعمال عقله، خاصة أن الإسلام ليس لاهوتاً فنياً عسيراً، ولكنه كلام عربي، وقد قال الله تعالي «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل مدكر» (القمر: ١٧).
أفما آن لنا أن نكون ممن أدّكر؟ علي أن الكاتب أحسن عندما وضع بعض الضوابط لأنه لا يجوز لغير المؤهلين شرعاً (أين موقع «شرعاً» هذه من الإعراب» من أفراد الجماعات في الجهاد)، خاصة أنه قال أما أقوال العلماء وفتاواهم فليست حجة في دين الله وليست من أدلة الأحكام الشرعية المذكورة في كتب أصول الفقه.
كما أن من التنبيهات المهمة التي قدمها («لا واجب مع العجز» ذكرها «ابن القيم أعلام الموقعين ج ٢»، فهناك فرق بين الوجوب الشرعي المطلق وبين الوجوب علي المعين، فالوجوب المطلق هو كون الشيء واجباً بالشرع أوجبه الله في نصوص الشريعة «الكتاب والسنة»، أما الوجوب علي المعين فهو وجوب هذا الشيء علي فلان أو فلان من الناس، وهذا يشترط له العلم به والقدرة علي القيام به «الاستطاعة»، وهذا يختلف من شخص لآخر، وهذا الفرق يسري علي كل واجبات الدين).
أما المقدرة، فإنها إذا لم تتوفر وكان المسلمون في حالة استضعاف فلا يجب عليهم الجهاد، كما كان شأن المسلمين في مكة، وأثبت هذا بالآيات والأحاديث وأقوال الفقهاء.
وهو يري أن أحوال الجماعات الإسلامية (تتراوح بين العجز والاستضعاف، والسوابق والتجارب المريرة التي خاضتها هذه الجماعات خير شاهد علي ذلك، ومن الغرور أن يري الإنسان في نفسه ماليس فيها فيكون «كلابس ثوبي زور»).
وفي البند الثالث قال: (إن فاقد النفقة لا يجب عليه الجهاد وإن كان فرض عين) وأثبت ذلك بالآيات والأحاديث وكلام الفقهاء، وفند في هذه الفقرة تحايلات بعض الفئات التي عدمت النفقة فسلكت وسائل محرمة لتحصيل الأموال بحجة التجهز للجهاد، فيكون ذلك (قد ارتكب ما لا يحل له ليؤدي ما لا يجب عليه شرعاً)، وشرح ذلك بنوع من الإسهاب، لأنه من الأخطاء السيئة التي يقع فيها بعض الناس.
وفي البند الرابع قال (ومن شروط وجوب الجهاد إذن الوالدين وإذن الدائن بذلك)، وهذا أيضا أمر مقرر بمقتضي أحاديث صحيحة عديدة، وإن كان في النفس شيء من إضافة إذن الدائن.
وفي البند الخامس بين أن (المحافظة علي ذات المسلمين وقوتهم من مقاصد الشريعة)، ونعتقد أن لا أحد يخالف في هذا، وقد أثبت الكاتب أن الله تعالي أجاز للمسلمين التخفيف (وهي الضعف) من العدد إلي العدة فقالوا بجواز فرار المسلم من الكافر إذا كان سلاح المسلم أضعف، أجاز الله للمسلمين (الفرار «الانحياز» من مواجهة أعدائهم لأجل التحرف للقتال «تغيير الخطط» أو التحيز إلي فئة «الاستعانة بغيرهم من المسلمين» في قوله تعالي: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلي فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير» ـ الأنفال: ١٦).
كما أشار إلي انسحاب خالد في مؤتة، واستحسان الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ لذلك، وأورد نصاً عن محمد بن الحسن الشيباني في كتابه السير الكبير «أنه يجوز أن يدفع المسلمون للمرتدين مالا ليكفوا أذاهم في حال ضعف المسلمين»، ويعلق (وهذه هي الجزية المنعكسة.
وقد عاش ابن تيمية في القرن السابع الهجري وتوفي عام ٧٢٨ هـ، والشيباني في القرن الثاني الهجري وتوفي عام ١٨٩ هـ رحمهم الله أجمعين فالمحافظة علي ذات المسلمين وقوتهم وعدم تعريضهم للمهالك من غير طائل مقصد شرعي معتبر ينبغي مراعاته في كل من الحرب أو السلم علي السواء وقد تعاضدت علي ذلك الأدلة الصحيحة).
وعالجت الوثيقة في البند السادس «النهي عن الخروج علي الحكام في بلاد المسلمين»، وهذه بالطبع من القضايا الخطيرة فأورد الأحاديث التي تلزم المسلم الطاعة إلا إذا رأي من أميره «كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان» إلي جانب أحاديث أخري عديدة، وقال «الجهاد ليس هو الخيار الشرعي الوحيد لمواجهة الواقع غير الشرعي، وإنما هناك خيارات أخري كالدعوة والهجرة والعزلة والعفو والصفح والإعراض والصبر علي الأذي وكتمان الإيمان.
والفقيه هو من يختار الخيار المناسب من هذه لواقع معين، وقد عمل بها كلها رسول الله «صلي الله عليه وسلم»، وإنما الفقيه من يختار أهون الشرين وأخف الضررين».
ولأن الكاتب يلتزم بما قرره الأسلاف، ولم يفكر في غيره فإنه لم يوجه الجماعات الإسلامية إلي ما أبدعه العصر الحديث من آليات لمواجهة الحاكم مثل المعارضة المقررة سواء جاءت عن طريق أحزاب أو جمعيات أو حتي أفراد، وما يمكن أن يقوم به من اجتماعات، ومظاهرات، ومختلف صور الاحتجاج، وكان يجب أن يوجههم لإصدار الصحف التي تزلزل الأرض تحت أقدام الطغاة وتكشف كل صور الفساد والفسوق وتكون مع هذا في حماية الحقوق الدولية لها.
فهذه هي بدائل «الصدام» القديم، وهي أيضاً التي تحول دون الاستخذاء، وهذه الطريقة هي المثلي لمواجهة فساد الحكم لأنها تتفادي الآثار السيئة لصدام أوقتال غير متكافئ، ولأنها تمكن أصحابها من أن يصدعوا بكلمة الحق وأن يمارسوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو كانت ميسرة للأسلاف لوجدوا فيها الحل.
وفي البند السابع جاء النهي عن التعرض بالأذي للأجانب والسياح ببلاد المسلمين (فلا يجوز المساس بشخص إلا إذا ارتكب ما يبرر هذا، وهؤلاء زوار جاءوا من بلاد بعيدة ودخلوا بلادنا علي أساس الأمان ولم يقترفوا أذي، فعلي أي أساس يقتلون أو حتي يضايقون! إن ذلك أسوأ صور الغدر وترويع الآمنين).
وفي البند الثامن فقد جاء (نهي من دخل بلاد الأجانب بإذنهم في الغدر بهم، وأثبت ذلك بشواهد من النقل ومن بدائه الأمور وأنه «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان»، فهؤلاء الذين دخلوا بلاد الأجانب فتسمح حكوماتهم لهم بدخولهم، وتقدم لهم المعونات، إما كمهاجرين أو كلاجئين، فكيف يسوغ الإفساد فيهم وغرس القنابل في الميادين والسكك الحديدية؟ فهل ذنبهم أنهم رحبوا بهم وأعانوهم، وهل من يفعل هذا يكون جزاؤه بالقنابل والمتفجرات؟ وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وهل يتفق مع خلق المسلم عن الوفاء وكف الأذي وإشاعة السلام؟ وفند فتوي التترس التي أضلت لفيفاً من الدعاة وحللت الدم المسلم وجرأت البعض علي استحلال مثل هذه المناسبات، وكان يجب التوقف أمام هذه الفتوي، أو الإشارة، بإبداع تكنيك قتالي لا يقوم علي المواجهة، ولكن يأتي العدو من خلفه أو من جانبيه.
وعني البند التاسع بالنهي عن قتل المدنيين في بلاد المسلمين فقال (وقد عجز البعض عن الصدام مع السلطات فلجأ إلي إزاعجها بارتكاب ما لا يحل له من قتل عامة الناس «المدنيين» لأنهم أهداف سهلة لا حراسة لهم ولا هم مسلحون).
وأوضح (أن وقوع المسلمين في الفسق والمعاصي لا تخرج فاعلها من الإسلام، كما أن السكوت عن المنكرات أو الكفر ليس دليل الرضا، ويبني علي ذلك «أن الرضا بالكفر كفر» أو أنه «من لم يكفر الكافر فهو كافر» فيكفر جمهور الناس، وهذا غير صحيح لجواز الإنكار بالقلب، ولأن المستضعف لا يجب عليه الإنكار باليد ولا باللسان إن خشي علي نفسه، بل له رخصة في التقية عند الخوف، ومن هنا كانت القاعدة الفقهية «لا ينسب إلي ساكت قول»). ولكي يوضح الأمر علي سبيل التفصيل تحدث عن مستور الحال وهو من كان ظاهره الإسلام ولم يظهر منه ما ينقض إسلامه (فهذا معصوم الدم والمال قطعاً، قال النبي «صلي الله عليه وسلم»، «كل المسلم علي المسلم حرام دمه وماله وعرضه» رواه مسلم، وتعمد قتله من أعظم الكبائر كما سبق، وقتله فيه حقوق دنيوية وعقوبات أخروية، وتصح الصلاة خلف مستور الحال وتؤكل ذبيحته بدون اشتراط تبين حاله أو اختبار عقيدته).
كما تعرض لمجهول الحال وهو من لم يظهر ما يدل علي إسلامه أو كفره (وهذا حال كثير من الناس، وهذا من مواضع التبين الواجب، فيجب الكف عنه ولا يتعرض له المسلم بأذي).
ويا ليته وقف عند هذا ولكنه قال (وقديماً كان يحكم لمجهول الحال في دار الإسلام بالإسلام ومن هنا قال النبي «صلي الله عليه وسلم»، «تقرأ السلام علي من عرفت ومن لم تعرف» رواه البخاري، لأنه لا يجوز ابتداء غير المسلم بالسلام، وإنما كان يحكم لمجهول الحال بالإسلام لأسباب منها التميز في الهدي الظاهر «المظهر» بين المسلمين وبين غيرهم، إذ كان يجري إلزام أهل الذمة بلبس الغيار «الثياب المغايرة للبس المسلمين»).
وأنا لا أفهم قيداً يوضع علي حديث جاء بصيغة العموم علي أساس أنه كان «قديماً» ولو حكمنا بهذا لكان من الممكن أن تذهب كل الأحاديث لأنها جميعاً صدرت قديماً، وإنما قال الكاتب تلك الكلمة لأنه فرض علي الحديث السمح فهماً سقيماً خضع فيه الفقهاء المسلمون لمقتضيات الدولة الإسلامية عندما وصلت إلي مستوي الإمبراطورية ولزم فيها التمييز كما كان التمييز يوجد في الإمبراطورية الرومانية ما بين من هو روماني، ومن هو غير روماني من الشعوب التي فتحتها روما، وعلي ما أطلقوا عليه «أحكام الديار».
من أهم القضايا التي عالجها في وثيقة الترشيد النهي عن الخروج علي الحكام في بلاد المسلمين وكان قد أشار إليه في البند السادس، وضرب الكاتب المثل بخروج الحسين، وزيد بن علي وثورة المدينة علي يزيد بن معاوية، وقال إن هؤلاء (أخذوا بعموم أحاديث تغيير المنكر باليد»، وخطأهم في هذا، ونحن نري أن الخطأ إنما جاء لأن هؤلاء جميعاً كانوا في حالة استضعاف ويسري عليهم ما نقرر من عدم جهاد المستضعفين لأن من الطبيعي أن يهزموا، وأن تزيد هذه الهزيمة من طغيان الحاكم وإضعاف الناس،
وقال الكاتب إن الرسول «صلي الله عليه وسلم»، لم يرخص في الخروج علي الحاكم «إلا أن تروا كفراً مباحاً عندكم من الله فيه برهان»، فهل فات الكاتب أن الظلم والطغيان يعد كفراً والله يقول: «إن الشرك لظلم عظيم» «لقمان :١٣»، فالقضية في حقيقتها ليست من باب تغيير المنكر، ولا أن الخروج علي الحاكم الظالم أو الطاعن لا يجوز، فلا جدال أن مقاومة مثل هذا الحاكم هي أوجب الواجبات، ولكن هذه المقاومة محكومة بالقدرة، ولما كانت الشعوب عزلاء والحاكم مدججا بالجيش المحترف الدائن، فيغلب أن تهزم، ولم ير الأسلاف حلاً إلا التسليم كما أن «الجهاديين» أهملوا عنصر القدرة المهم ـ أو حتي قل هو العامل الفاصل والحاكم ـ فيلجأون إلي أساليب الاغتيال أو الانقلاب، وكلها فاشلة، ومن غير الحكمة،
ومن غير الأصول الإسلامية أيضاً القيام بها، والكاتب له حق في قوله (وسواء كان ترك الحكم بالشريعة كفراً أو كفراً دون كفر أو معصية، فإننا لا نري أن الصدام مع السلطات الحاكمة في بلاد المسلمين باسم الجهاد هو الخيار المناسب للسعي لتطبيق الشريعة، فالجهاد لابد له من مقدمات ومقومات تعتبر من شروط وجوبه فإذا انعدمت سقط الوجوب).
وأراد الكاتب أن يوجد حلولاً بديلة فتحدث عن «الدعوة والهجرة والعزلة والعفو والصفح والصبر علي الأذي وكتمان الإيمان».
وما ذكره الكاتب من بدائل أو خيارات وإن كانت متبعة في عهد الرسول «صلي الله عليه وسلم»، ومن بعده فإنها لا تعد مجدية في هذا العصر، كما أذا ليست ميسرة، فكيف تتأتي الهجرة مثلاً؟ وقد اعترف هو بعدم سلامتها وضرب المثل باللجوء السياسي إلي دول أوروبا، وإنما تكون البدائل فيما أشرنا إليه مما أبدعه العصر من آليات كالمعارضة الحزبية واستخدام الصحف.. إلخ.
وفي البند العاشر تحدثت الوثيقة عن ضوابط التكفير في الشريعة، ورأت أن الكافر الأصلي، وهو أيضاً المرتد الذي من ثبت له حكم الإسلام من قبل هو من لم يكن مسلماً من قبل فنقض إسلامه بكفر، واكتفت بالقول إن أحكام الكفار والمرتدين مذكورة في كل كتب الفقه علي أنه أورد بعض الضوابط والضمانات، أما الكفر الأصغر فقد أدخل فيها (ما جاء من نصوص نفي الإيمان لأنها ليست قطعية في الكفر.
ونصوص الوعيد بالنار والعذاب لمن أتي أفعالاً معينة لا تعني الكفر بالضرورة، بل قد تعنيه وتعني الكبائر، والنصوص التي وصفت بعض الأعمال بالكفر لا تقتضي بالضرورة أنه مناقض للإسلام، لأن هناك فرقًا بين ورود الكفر بصيغة الاسم ووروده بصيغة الفعل (وهذا معروف من علوم البلاغة)، كما أن هناك فرقًا بين ورود الكفر بصيغة الاسم النكرة ووروده بصيغة الاسم المعرفة (وهذا أيضًا معروف في علم المعاني وأشار إليه بين تيمية في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم»)، وهناك فرق ابن نصوص الكفر الواردة في القرآن تلك الواردة في السُنة (أشار إليه ابن القيم في كتابه «عدة الصابرين»)».
«وكذلك يجب النظر في حال المكلف إذا فعل فعلاً صريح الدلالة علي الكفر، فإن هناك شروطًا وموانع يجب النظر فيها قبل القطع بكفره كالنظر في القدرة علي معاقبته، وتقدير المصلحة والمفسدة المترتبة علي معاقبته بعد تحقق القدرة، فقد امتنع النبي - صلي الله عليه وسلم - عن معاقبة عبد الله بن أبي للمفسدة المترتبة علي ذلك، كما قال النبي - صلي الله عليه وسلم -: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» (متفق عليه)».
ولم يكتف الكاتب بهذه التحفظات والضمانات، بل أضاف إليها «تنبيهات» جاء فيها:
* «التكفير المطلق وتكفير المعين: التكفير المطلق هو الحكم علي الفعل هل هو صريح أم محتمل؟ وكذلك النص المؤثم له هل هو صريح أو محتمل؟ أما تكفير المعين فهو الحكم علي الفاعل بعد النظر في حالة وتبين الشروط والموانع، وقد كرر ابن تيمية رحمه الله التنبيه علي وجوب التفريق بين التكفير المطلق وتكفير المعين وسمي هذا «قاعدة التكفير)، فلابد من تبين الشروط والموانع في حق المعينين وهذه مسألة موكولة إلي القاضي، ولا يستثني من ذلك إلا الممتنع عن القدرة إذا استفحل خطره كما أراده النبي - صلي الله عليه وسلم - مع عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وخبره بطوله في كتاب (الصارم المسلول) لابن تيمية».
* «لم تبح الشريعة لأحاد الرعية معاقبة عامة الناس أو إقامة الحدود عليهم: ولا يستثني من ذلك إلا إقامة المسلم الحدود علي عبيده كما قال النبي - صلي الله عليه وسلم - «أقيموا الحدود علي ما ملكت أيمانكم» رواه أبو داود، ورواه مسلم عن علي موقوفًا، وقال - عليه الصلاة والسلام -: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها» الحديث متفق عليه=.
* «ليكن قصد المبتدئ: في دراسة هذا الموضوع أن ينقذ نفسه ومن يستطيع من الناس من المكفرات لا تكفير الآخرين، وليتعلم الحق في ذلك دون إفراط الخوارج ولا تفريط المرجئة».
وختمها بقوله «مما سبق نعلم أن القول بتكفير عامة الناس بلا تمييز في بلاد المسلمين اليوم بمن فيهم مستور الحال ومجهوله قول غير سديد، لا يرتكن إلي دليل معتبر، والأحكام الشرعية لا تبني علي الاحتمالات والأوهام».
وغني عن القول أن الكاتب قد أحسن عندما أسهب في تفصيل في قضية التكفير الحساسة، والتي أساء فيها كثير من الدعاة الإسلاميين.
وبقدر ما كان الكاتب موفقًا في معالجة قضية التكفير بقدر ما خانه التوفيق عندما تعرض لقضية معاملة أهل الكتاب ببلاد المسلمين، رغم أنه قطع بأن النصاري في مصر ليسوا أهل ذمة، وبني ذلك علي (نشوء الدولة المدنية بتحكيم لقوانين البشرية في النصف الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي سقطت عن أهل الكتاب بمصر ونحوها من البلدان هذه الصفة، والدستور (وهو أبو القوانين) في هذه البلاد لا ينص علي مصطلح (أهل الذمة وإنما ينص علي مبدأ المواطنة) وبهذا يكونون بالنسبة للمسلمين (أهل كتاب غير معاهدين لا أهل ذمة)، لأن عقد الذمة يلزم أهل الكتاب المقيمين في دار الإسلام بشروط تميزهم عن المسلمين وتفرق بينهم وبين المسلمين.
ورأي الكاتب أن (شروط الذمة ليست من الاجتهادات المتغيرة بمرور الزمان، بل إنها ملزمة لجميع المسلمين عند القدرة علي العمل بها لأنها سُنة خليفة راشد وهو عمر بن الخطاب، وقال النبي - صلي الله عليه وسلم - «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح)، ثم أجمع الصحابة في عصر عمر ومن بعده علي شروط الذمة ولم يخالفه أحد ممن يعتد بقوله، وإجماع الصحابة حجة قطعية ملزمة لجميع المسلمين باتفاق أهل العلم حتي الذين يشكون في إمكان انعقاد الإجماع كأحمد بن حنبل وابن حزم رحمهم الله لا يشكك أحد منهم في إجماع الصحابة وإنما شككوا فيما بعد عصر الصحابة، واختاروا كلمة (لا نعلم فيه خلافًا) بدل الإجماع).
أقول إنه فتح بابًا من أبواب جهنم بهذه الأقاويل، فقد رأي أن عقد الذمة يلزم أهل الكتاب المقيمين في دار الإسلام بشروط تميزهم عن المسلمين، وأن هذا هو ما ذهب إليه كل الفقهاء، وأكد صحته ودوامه بناء علي أنها «سُنة خليفة راشد وهو عمر بن الخطاب، ونحن لا نري في هذا إلا تقديرًا من الفقهاء لم يرد به قرآن أو سُنة، أما ما نسب إلي عمر بن الخطاب وأطلق عليه العهدة العمرية فهو محض إفك وفرية ذميمة دست علي عمر بن الخطاب، وهي تناقض نصوص القرآن، وعمل الرسول - صلي الله عليه وسلم -، بل وعمل عمر بن الخطاب نفسه،
وكانت هذه الفرية هي الأساس الذي أقام عليه الفقهاء «أحكام الديار»، ولتوضيح ذلك نقول إن هذه الفرية كما ترويها كتب الفقهاء تروي عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتبت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصاري الشام، وشرط عليهم فيه ألا يحدثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديرًا ولا كنيسة، ولا قلاية، ولا صومعة راهب، ولا يجددوا ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يؤووا جاسوسًا، ولا يكتموا غشًا للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يظهروا شركًا، ولا يمنعوا ذوي قراباتهم من الإسلام إن آرادوه وأن يوقروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم، ولا يتكنوا بكناهم، ولا يركبوا سرجًا، ولا يتقلدوا سيفًا، ولا يبيعوا الخمور،
وأن يجزوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا، وأن يشدوا الزنانير علي أوساهم ولا يظهروا صليبًا ولا شيئًا من كتبهم في شيء من طرق المسلمين، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من محضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم، ولا يظهروا النيران معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جرت فيه سهام المسلمين.
وهناك رواية أخري جاءت علي لسان الذميين أنفسهم، وإن كانت مروية عن عبد الرحمن بن غنم نفسه قال «كتبت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح النصاري من أهل الشام بسم الله الرحمن الرحيم هذا الكتاب لعبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين من نصاري مدينة كذا وكذا إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم علي أنفسنا ألا تحدث في مدينتنا ولا في ما في حولها، ديرًا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب ولا نجدد ما خرب منها، ولا نحيي منها ما كان خططًا للمسلمين.
وألا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل وأن ننزل من رأينا من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم، ولا نؤوي في كنائسنا ولا منازلنا جاسوسًا، ولا نكتم غشًا للمسلمين، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا نظهر شركًا، ولا ندعو إليه أحدًا ولا نمنع أحدًا من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام إن أرادوه وأن نوقر المسلمين
وأن نقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا نتكلم بكلامهم ولا نكتني بكناهم ولا نركب السروج ولا نتقلد السيوف ولا نتخذ شيئًا من السلاح ولا نحمله معنا ولا ننقش خواتيمنا بالعربية ولا نبيع الخمور وأن نجرد مقاديم رؤوسنا وأن نلزم زينا حيثما كنا وأن نشد الزنانير علي أوساطنا، وأن لا نظهر الصليب علي كنائسنا.
وأن لا نظهر صلبنا ولا كتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضربًا خفيفًا، وألا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء من حضرة المسلمين، ولا نخرج شعانين ولا بعوثًا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا ولا نتخذ من الرقيق ما جري عليه سهام المسلمين، وأن نرشد المسلمين ولا نطلع عليهم في منازلهم، قال فلما أتيت عمر بالكتاب زاد فيه ولا نضرب أحدًا من المسلمين شرطنا لكم ذلك علي أنفسنا وأهل ملتنا، وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم علي أنفسنا فلا ذمة لنا، وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق».
وهناك أقوال أخري لكبار الفقهاء توجب صنوفًا من الإهانة علي الذميين، كرفض السلام عليهم، وإلجائهم إلي أضيق الطريق، كما توقع صورًا من الإهانة والذم كالصفع والشتم عند تسلم الجزية.
فهل يعقل أن يكتب النصاري هذا علي أنفسهم؟ وهل يعقل أن يرضي عمر بن الخطاب بها وهو الذي اقتص للذمي القبطي من ابن عمرو بن العاص، كما أنه هو الذي جعل لعجائز ومرضي أهل الذمة حظًا من المال؟ هل يتفق ذلك مع قول الرسول - صلي الله عليه وسلم - «من آذي ذميا فأنا خصيمه يوم القيامة»؟ هل يتفق هذا مع القول المأثور «لهم ما لنا وعليهم ما علينا»؟ هل يتفق هذا مع الآية «لا ينْهَاكمْ اللّه عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا علي إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون» (الممتحنة: ٨ -٩).
هل يتفق هذا مع خلق الإسلام؟
كان يجب علي الكاتب أن يتفادي هذه القضية، أو أن يتصدي لتفنيدها كما فعلنا في آخر كتبنا «نعم للولاء ولا للبراء»، ولكن هذا كان يمكن أن يثير عليه ثائرة الفقهاء التقليديين.
وفي نظري أن هذا من أكبر المآخذ علي الوثيقة.
في البند الثاني عشر تعرض الكاتب لمسألة جهاد المنفرد، وكان يمكنه أن يفند القضية من الناحية العملية، فلا قيمة لجهاد المنفرد، ولن يسفر جهاده إلا عن تشديد قبضة الحكومة، ولكنه آثر أن يورد أدلة من الشرع أمثل استئذان الإمام أو الأمير، وألا يعود قتال المنفرد علي الدين وأهله لقول الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ «لا ضرر ولا ضرار»، وقد ثبت أن الحكومات تقبض علي أهله وجيرانه ومن يعرفه.
كاتب مصري
* نقلا عن صحيفة "المصري اليوم" المصرية في 4-12-2007 .
|