English

 

الخميس. ديسمبر. 6, 2007

الإسلاميون » عمل مسلح

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين

المراجعة وأهل الكتاب.. الواقع يقهر النظرية

بقلم - عبد الله الطحاوي

Image
البابا شنودة

يطلق الشيخ سيد إمام في إطار مبادرته لترشيد العمل الجهادي نظرته الفقهية لوضعية غير المسلمين داخل المجتمع المسلم مشفوعة برؤية جديدة تمثل في بعض جوانبها طفرة ومخاصمة ومفارقة لأصول الجماعة الجهادية وتراث العنف والاستحلال ضد الأقباط المسيحيين، ولكن داخل ذات منهجية التلقي التراثي المعتاد، دون تطوير، أو تعميق لتلك المراجعة -على أهميتها القصوى- مما أصابها في بعض جوانبها بالتشوش والارتباك والاغتراب المفاهيمي عن الواقع الجديد الذي دخل فيه المسلمون وغير المسلمين مع تأسيس الدولة القومية الحديثة المعاصرة بإشكالاتها.

وما تطرحه الدولة القومية من تساؤلات حول موقع الفكر السياسي القديم منها وأشكال تعاقداتها السياسية والقانونية الحديثة، وهي أسئلة في صميم الوظيفة والدور المنوط بها، وفي أصول الوعي بمنطلقاتها التاريخية الوقتي منها والإستراتيجي، كذلك هناك تساؤلات حول العلاقة بين الثابت والمتغير في المصادر الإسلامية السياسية التراثية، حيث لم تكن فكرة المواطنة بشكلها الحديث معروفة لدى الفقهاء الأوائل، وكان الانتماء للدولة يقوم على أسس دينية.

كما أنها تطرح أسئلة حول مدى مراعاة تغير الأعراف وتقسيمات العالم، ووضعية غير المسلمين داخل النظام السياسي وفضائه الجديد.

وهنا يجب أن تدخل أي مناقشة حول مسألة غير المسلمين في الفكر الجهادي المصري قبل وبعد المراجعة داخل هذه الملاحظات:

ما قبل المراجعة

• هناك سؤال ضروري عند بداية المناقشة هو: هل المشروع الإسلامي -في تعريفه العام- يستهدف غير المسلمين، أو موجَّه نحو تصفيتهم؟

وتأتي الإجابة بالنفي على لسان الباحث الإسلامي كمال حبيب، والباحث القبطي "رفيق حبيب"، فالكثير من الممارسات العنيفة التي كانت تستهدف الأقباط يمكن تسكينها ضمن معركة تلك الحركات مع الدولة المصرية، فالدولة هي العدو الأكبر، وهم العدو الأصغر.

وإذا كان نفي العدائية الدينية الشوفينية عنهم أو النزعة التصفوية لغير المسلمين عن ذلك التيار أو خطوط التشدد داخل الفكر الإسلامي بشكل عام، لا يعني تبرئة منهجية التلقي التراثي لديهم والتي دفعتهم في بعض سلوكياتهم الحركية باستهداف أوضاع غير المسلمين. "فالنصوص أو التاريخ إنما هي عودة رمزية شعائرية، المقصود بها تسويغ السلوك المقرر لدى الجماعة المقاتلة" (رضوان السيد.. الغضب الإسلامي) ونزع السياق واللحظة التاريخية وإشكالاتها يجعلنا لا نبصر كيف توالدت تلك الأقوال أو كيف تم استعادتها، وسبل دفعها في ميادين الجدل الحركي الإفتائي أو الممارساتي بصورها العنيفة، فليست المرجعية الشرعية أو منهج التلقي وحدهما هما المسئولان عن العنف ضد الأقباط المسيحيين.

• حيث تأسس الموقف العقدي والسياسي لتيار الجهاد المصري تجاه الأقباط المسيحيين انطلاقًا من فعل الحاكم "الكافر"، والنظام "الذي يغتصب حق الله في الحاكمية" الذي بادر بإلغاء عهد الذمة، والعهود، والشروط العمرية "إن صحت"، وهي برأي الجهاديين وسيد إمام حتى بعد المراجعة، شروطًا وعهودًا ليست قابلة للتغيير، وهي كحركة دينية جذرية انقلابية، دورها يعتمد على بث الثورة؛ لتحقيق نموذجها المثالي التطهري عندما تصل لسدة الحكم.

وبالتالي نظريتها واجتهاداتها النصوصية مرتبطة بالحكم والسلطة "نظرية الحاكمية" باعتبار أن "مسائل التشريع والحكم والتحاكم ليست من المسائل الفرعية، بل هي صلب التوحيد وأصل الإيمان" (الجامع في طلب العلم) وهي محور الارتكاز والذي منه تتوالد المواقف والفتاوى، والحركة، والولاء والبراء، ومنه تنطلق النزعة التأصيلية الشرعية، فكل المقتربين من دائرة الحكم، هم في دائرة الخطر "قتال الطائفة المعينة".

فالبداية "تكفير الدولة" الغاصبة لحاكمية الله، ثم الأمة الطيعة لهذا الحاكم، ثم الموالين والمساندين للنظام، ومن يدافع عن هذه "الأنظمة الكفرية" ومن ذلك غير المسلمين، حيث يقول سيد إمام إبان مواقفه المتشددة في كتاب "الجامع في طلب العلم الشريف": "انتقاض عهد الذمة من جهتهم أو من جهة الحاكم الكافر كما صنع الخديو سعيد ومن تلاه في حكم مصر، فإن هذا لا يؤثر في النتيجة، فالكافر لا يعصم نفسه وماله من المسلمين إلا بأمان معتبر من جهتهم"، ثم يرد الرجل في كتابه القديم على ما يسميه "أخطاء المعاصرين"، ويأتي منها: "القول بإسقاط العمل بحكم أهل الذمة في دار الإسلام، والدعوة إلى اعتماد مبدأ المواطنة كبديل، وهو ما قامت عليه الدساتير العلمانية الكافرة"، (ضياء رشوان.. المصري اليوم)، وقامت هذه الجماعات بتحويل هذا الموقف العقائدي إلى موقف سياسي واقعي.

• في سياق هذا الربط بين الأقباط والدولة في معركة الإيمان والكفر، بل التغريب باعتبارهم "أدوات حمل العدوى الفكرية والعملاء المحليين للثقافة الغربية الجاهلية" تم تطوير الموقف السياسي والنظر الفقهي والحركي؛ ليربطهم بالمؤامرة الدولية الصليبية الشيوعية اليهودية الموجهة ضد الإسلام والحركة الإسلامية في مصر بحسب ما يرى القيادي الجهادي محمد عبد السلام فرج "أن المسيحيين يعترضون طريق الإسلام" (نعمة الله.. تنظيم الجهاد)، وتم الزج بالبابا شنودة بطريرك الأقباط وتصويره بأنه عدو للإسلام، وأنه يحاول تقليل أعداد المسلمين وزيادة أعداد المسيحيين، ورعايته تنظيمات تنصيرية، وأنه يملك مشروعًا لإقامة دولة مسيحية في صعيد مصر.

وقد تم استغلال أحداث التوتر الطائفي، والاستقطاب الحاد بين السادات والكنيسة لتلعب فيها تلك الجماعات دور المحرض والمهيج وأحيانًا المنفذ، واستمر هذا الموقف في التصاعد في الثمانينيات، حيث تم الهجوم على محلات ذهب للأقباط بهدف التمويل بفتوى من مرجعية الجماعات الجهادية الدكتور عمر عبد الرحمن بعد انقطاع مصادر التمويل الخارجي (تقرير الحالة الدينية الأول). وعندما تم وضع الأقباط في خانة العداوة المباشرة مع النظام، صار العنف معهم جزءًا من المواجهة مع الدولة، وضربه أكثر إيلامًا وإزعاجًا وكسرًا لهيبة الدولة، وكلما قامت الدولة بحراسة الكنائس والمنشآت كان هذا دليلاً تعبويًّا وتفسيريًّا يؤكد مواقفهم، وفي هذه الأجواء من الصعب أن يميز الفقه العنيف بين المسيحيين والكنيسة والتعامل مع الكل كتلة واحدة.

ما بعد المراجعة

• وإذا كان من رفض الحاكم والنظام السياسي تأسست قراءة العنف، فمن الرضا والتسليم بالسلطة القوية تأسست وخرجت التأويلات الجديدة في وثيقة الترشيد الأخيرة التي تحاول بها جماعة الجهاد أن تضع نهاية للعنف كخيار وحيد ضد الحاكم التارك للشريعة، فـ"هناك خيارات أخرى كالدعوة والهجرة والعزلة والعفو والصفح والإعراض والصبر على الأذى وكتمان الإيمان" (وثيقة ترشيد العمل الجهادي)، وإزاء القبول بهذه الخيارات، تم القبول بما يترتب على ذلك من أوضاع قائمة لا محل لمجابهتها "للمفسدة الأكبر"، ومن خلال ذلك طرح الشيخ إمام تأويله الجديد، وإقراره بانتهاء حالة الذمية؛ لأن الدولة المعاصرة لا تعترف بالذمة بحسب الدساتير التي تطبق المواطنة بكل استحقاقاتها التي تساوي بين المواطنين، ولا تسمح بالتمييز بين أبنائها على قاعدة الذمية، وأن غير المسلمين هم أهل كتاب وليسوا معاهدين. حيث العهود الشرعية القديمة ليست موجودة "مع نشوء الدولة المدنية بتحكيم القوانين البشرية" (وثيقة الترشيد).

• الذمية أعاد طرحها سيد إمام بوصفها وضعية دائمة لا تعاقدية، ولا تجري عليها ما يجري على العقود من تغيرات "وشروط الذمة ليست من الاجتهادات المتغيرة بمرور الزمان، بل إنها ملزمة لجميع المسلمين عند القدرة على العمل بها" (وثيقة الترشيد)، ومع وعيه بأن الذمية عقد ويعقدها الحاكم المسلم في إطار فقه السياسة الشرعية، لم ينتبه إلى أن العقد انهارت أركانه الأساسية، عاقد، وعقد، ومعقود عليه، فذمة الله ورسوله والمؤمنين تئول استحقاقاتها للدولة الإسلامية التاريخية و"قد انتهى عقد الذمة الأول بذهاب الدولة التي أبرمته، فالدولة الإسلامية القائمة اليوم، في أي قطر، ليست خلفًا للدولة الإسلامية الأولى التي أبرمت عقد الذمة، فتلك قد زالت من الوجود بالاستعمار الذي ذهب بسلطانها، وملك ديارها، وبدل شرائعها القانونية، وأدخل على ثقافتها ومكونات هوية كثيرين من أبنائها ما لم يكن منها" (العوا.. في النظام السياسي).

وكما هو واضح من المراجعات أن إمام لم يستطع التفرقة بين "مقاصدية النظام السياسي للدولة الإسلامية"، و"تاريخية النظام السياسي للدولة الإسلامية"، حيث لم يفطن الفقيه الجهادي أنه إزاء واقعة سياسية جديدة اكتملت معالمها، ومفارقة للخيال الفقهي القديم، وعدم الاعتصام بالمقاصدية جعل مراجعاته لا تستوعب الحال السياسي للمتغيرات الجديدة، حيث يضع شروط الذمة التي وضعها الراشدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه مستبطنًا منها وجوب الجزية "لأنها سنة خليفة راشد وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)" (وثيقة الترشيد).

ويرى إمام أن ثمة إجماع انعقد على موقف عمر رضي الله عنه "ثم أجمع الصحابة في عصر عمر ومن بعده على شروط الذمة ولم يخالفه أحد ممن يعتد بقوله، وإجماع الصحابة حجة قطعية ملزمة لجميع المسلمين باتفاق أهل العلم" (وثيقة الترشيد)، هذا التضارب والخلط الشديد وقعت فيه المراجعة، فإذا كانت مراجعة سيد إمام انطلقت من غلبة الواقع على النظرية، وأن التعقيدات التي تحيط بالمسألة السياسية الراهنة تفرض نوعًا من الهدنة مراعاة للمفاسد والمصالح، حيث ضعف تقديرها لضرورات الواقع والحال، واعتبار ذلك مصدرًا لصياغة السؤال والإشكال الفقهي، ومراعاة تغير الأعراف وشكل الدولة وتقسيم العالم، وأشكال التعاقدات، بل محاولته الارتقاء بسلوك راشدي في إطار سياسة شرعية مبنية على المصلحة المرجوة ودفع مفسدة متوقعة، إلى مكانة الحكم القطعي، في حين أن الفقه العمري قائم في عمقه على تغير الحكم تبعًا لتغير الأحوال (القرضاوي.. السياسة الشرعية)، بل فرق الشيخ القرضاوي بين إجماع قائم على نص، وإجماع قائم على مصلحة فهو علة الحكم، والمعلول يدور مع علته وجودًا وعدمًا، كما في حالة الموقف العمري من الجزية.

وصار الحكم الحالي الذي ينظر به إلى غير المسلمين أنهم "أهل كتاب غير معاهدين"، وقد أشار لهذا المعنى قديمًا في كتابه "الجامع"، بمعنى استحلالي للدماء والأموال، ونقل ذات الاصطلاح دون شرح وعدم ضبط وضعيتهم الفقهية والقانونية والاعتراف بعقد المواطنة كناسخ لعقد الذمة يفتح الباب في المراجعة لتفسير "غير معاهدين" باعتبارها استحلالية جديدة.

ثلاث نتائج مهمة

الأولى: شعوب وأفراد وجماعات يستسلمون أحيانًا في أوقات الهزيمة لإرادة المنتصر، وإمام وجماعته ليست بدعًا من السنة، فالواقع انتصر والنظرية خرَّت صريعة بعد اشتباك ضار، وفرق بين قراءة الواقع وتحرير التراث من التحيزات الجغرافية والتاريخية؛ ليكون مهيأ للتعامل مع كل واقعة وحادثة بنفس القدرة التي صلح به لأولها، وبين الاستسلام للواقع والتعايش معه، والفرق بين الاثنين هو ذات الفرق بين "فقه الهزيمة" و"فقه التجديد".

الثانية: هو انتصار الدولة القومية ومفهومها الحديث، وأن آخر حصون الممانعة العنيفة سقط صريعًا، ويبدو أنه قدر سياسي لا بد من فهمه والتجاوب معه، وتجديد آليات الفقه السياسي للتعامل معها، وهي رسالة لا تخص سيد إمام وجماعته، بل تخص كل الإسلاميين، وأنه قد آن الأوان لنحت دور جديد للفكر الإسلامي داخل هذه الدولة وشروطها القاسية، يقلل من مخاطرها وفجاجة وجودها.

الثالثة: إن هذه المراجعات وإن بدت استسلامًا، فهي مبنية على التقدير، ونزولاً لضرورات الواقع، فإن الأفق مفتوح لتأسيسات أكثر قوة على هذا الواقع ينطلق من أرضية سيد إمام؛ لتجديدات ينتظرها الخطاب الإسلامي.


  صحفي مصري.

 

ابحث

بحث متقدم