English

 

الأربعاء. ديسمبر. 5, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أوروبا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

وجه آخر لساسة فرنسا.. صناعة ساركوزي

سيد حمدي

Image
ساركوزي وكوشنار وبيسون وكان
  يختص الرئيس نيكولا ساركوزي بسياسة لم تعهدها فرنسا إلا في أوقات الحروب، فالرجل يريد إذابة الفارق بين أحزاب اليمين واليسار على الأقل على مستوى الممارسة والعمل السياسي، لكن على قاعدة يمينية ذات بعد أمريكي، ويمكن الاسترشاد في هذا الصدد بما حدث في ألمانيا عقب انهيار جدار برلين، فالأغلبية تقول إن ألمانيا أعادت توحيد نفسها، والبعض يقول إن ألمانيا الاتحادية الغربية ابتلعت ألمانيا الديمقراطية الاشتراكية، بعد أن تخلت الأخيرة عن الشيوعية وقامت بالتسليم الكامل للشطر الغربي.

الإغراء بالمناصب

ما يفعله الرئيس ساركوزي يمثل اختراقا حقيقيا لصفوف الاشتراكيين استهله منذ حملته الانتخابية الرئاسية عندما نجح في استقطاب المستشار الاقتصادي لمنافسته الرئاسية سيجولين رويال؛ فقد استهل إريك بيسون المشهد السياسي بإعلان تبرمه من نهج رويال ليعلن على الملأ انسحابه من فريقها الانتخابي ومن الحزب الاشتراكي، وأعلن الرجل بعد يوم واحد من انتهاء الجولة الانتخابية الأولى انحيازه للمنافس ساركوزي الذي شدد على أنه يريد إشراك الجميع في خططه السياسية المقبلة في حال وصوله للرئاسة، واللافت أن بيسون الذي اعتزل الفرنسي الأب واللبناني الأم باح في أعقاب ذلك بعزمه على التفرغ لعالم كرة القدم، ثم فاجأ الجميع بالانخراط في المعسكر الساركوزي، وقد كوفئ بيسون بعد نجاح ساركوزي بأحد الحقائب الحكومية وزيرا لتقويم السياسات العامة في حكومة فرانسوا فيون.

وعلى الرغم من أن هذا التوجه لم يرق لأقطاب حزب ساركوزي (الاتحاد من أجل حركة شعبية) بعد أن وجدوا أنفسهم فجأة خارج لعبة توزيع المناصب لصالح زملائهم الشباب الأقل شهرة ولصالح رموز من اليسار، فإن الرجل لم يتوقف عن المضي قدما في سياسته، ونجح ساركوزي في إشاعة أجواء جديدة في الشارع السياسي تدلّ عليها نتائج استطلاعات الرأي التي تؤيده بأغلبية مريحة، وبث الرجل في الواقع السياسي الفرنسي نفسا جديدا يقوم على ما يشبه سياسة الوحدة الوطنية وركيزتها من أحزاب الأغلبية اليمينية والمعارضة اليسارية على حد سواء.

انقلاب الاتجاهات

لكن هذا الخط الساركوزي كشف عن وجه غير مشرق للحزبيين في فرنسا، فطريقة تحول رموز اليسار الاشتراكي باتجاه الإليزيه تثير تساؤلات عديدة حول البعد الأخلاقي للحياة الحزبية، هذه التحولات عرفت أيضا التحاق برنار كوشنار بصف الساركوزيين ليقبل منصب وزير الخارجية، وسط حالة استياء شديدة من زملائه اليساريين، الأكثر من ذلك أن كوشنار دخل في تلاسن مع زملائه السابقين معتبرا أنهم بعيدون عن روح المرحلة.

ويشترك كوشنار في ديانته اليهودية مع ساركوزي المجري اليهودي الأصل الذي اعتنقت عائلته الديانة الكاثوليكية دون أن يتخلى عن دعمه لإسرائيل، وللاثنين صفات شخصية ونفسية لا تخفى على المتابع للحياة السياسية الفرنسية وتفاصيلها الدقيقة، فلكليهما طاقة كبيرة على العمل والحركة وقدرة تمثيلية عند إلقاء الكلمات لا تخلو أحيانا من الافتعال، وإذا كان كوشنار الذي شارك في تأسيس منظمة أطباء بلا حدود، ثم أطباء العالم، رافضا منذ اليوم الأول حل الأزمات بالحروب، فإنه اليوم بات صقرا يقرع طبول الحرب علنا ضد كل من السودان وإيران، ولا يجد الرجل أي غضاضة في هذا التحول، على الرغم من أنه وقت توليه منصب وزير العمل الإنساني كان داعما رئيسيا لمبادرة الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران في يونيو من عام 1992، وقتها فاجأ مؤسس الحزب الاشتراكي العالم بزيارة العاصمة البوسنية سراييفو في السابع والعشرين من يونيو عام 1992 وهي تحت الحصار الصربي حاملا في يده وردة حمراء وداعيا إلى إيجاد مخرج إنساني للأزمة.

خط يهودي وإسرائيلي مشترك

أما ساركوزي نفسه فقد بقي قريبا من عمدة باريس جاك شيراك وهو يستعد لخوض الانتخابات الرئاسية عام 1995، وباغت السياسي الشاب شيراك وانحاز مع تحول استطلاعات الرأي لصالح المنافس رئيس الحكومة إدوار بالاديور مثل كثيرين غيره داخل حزب يمين الوسط (التجمع من أجل الجمهورية)، ووصل به الأمر آنذاك إلى حد التهكم من شيراك بطريقة ساخرة في أحد البرامج التليفزيونية، وساركوزي الذي أصدرت إسرائيل في ذكرى ميلاده في الثامن والعشرين من يناير الماضي طابعا بريديا يحمل صورته - تعرض في أعقاب ذلك للتهميش إلى أن عاود الظهور تدريجيا ومنحه شيراك أكثر من منصب وزاري بعد وقت غير قصير من فوزه بمنصب الرئيس، أما الاشتراكي وزير الاقتصاد السابق دومينيك ستروس كان فهو يهودي من غلاة مؤيدي إسرائيل، ولـ"كان" تصريح يعرف به في فرنسا أدلى به لصحيفة تريبون جويف الفرنسية دعا فيه إلى "الاستيقاظ كل صباح والتساؤل عن الكيفية التي يكون بها المرء مفيدا لإسرائيل".

وفي حوار آخر لمجلة باساج الفرنسية قال المدير العام الجديد لصندوق النقد الدولي: "أعتبر أن على كل يهودي في الشتات ومن بينه فرنسا أن يقدم قدر استطاعته المساعدة لإسرائيل؛ لذلك من المهم أن يتولى اليهود مسئوليات سياسية". وستروس كان له جناح داخل الحزب الاشتراكي يحمل اسمه، وقد أخفق في الفوز بترشيح الحزب للانتخابات الرئاسية الأخيرة، ولقي مصير زميله رئيس الحكومة الأسبق لوران فابيوس اليهودي الأصل لصالح منافستهما سيجولين رويال.

وقد ذهب كل هذا الإرث الاشتراكي أدراج الرياح عندما لوّح له ساركوزي بورقة ترشيحه لتولي منصب رئيس صندوق النقد ودعمه دوليا باسم فرنسا للفوز بالمنصب، ترك الرجل كل خططه السابقة للنهوض بالحزب الاشتراكي بعد الهزيمة في الرئاسيات وتلقف هدية الرئيس ليبدأ جولاته الخارجية لنيل ثقة الدول والمؤسسات المعنية التي اختارته أخيرا على رأس الصندوق، وقد ترك ستروس كان علامة استفهام جديدة حول مدى أخلاقيات العمل الحزبي وصدقية وانتماء الرموز الفرنسية لأحزابها في مواجهة المغريات، عكس زميله هوبير فيدرين الذي اعتذر لساركوزي عن الترشح لمنصب وزير الخارجية مكتفيا بإعداد تقرير تقييمي لمؤسسات الدولة الفرنسية.

صفقات ما وراء السياسة

وعزز من حال الارتباك داخل الحزب الاشتراكي ردود الأفعال المخيبة للآمال من جانب رموز جناح ستروس كان؛ فلم يكتف هؤلاء بانفراط عقدهم بل سارع بعضهم إلى الالتحاق بما يعرف بـ (التقدميين) وهو منتدى أسسه إريك بيسون في مايو الماضي ويلقى دعم الرئيس ساركوزي، وعن هذا المنتدى قال صاحبه: إنه يضم "الذين أصابهم اليسار بالإحباط والقدامى من مؤيدي جان بيير شفنمان مؤسس حزب (حركة المواطنين) والراديكاليين الذين ينتمي إليهم كوشنار".

ولم يتوانَ ساركوزي عن دعم هذا الاتجاه وقام بزيارة اجتماعهم الأخير في قاعة مؤتمرات كونكورد لافاييت بباريس يرافقه رئيس الحكومة فرانسوا فيون، وهرولة أنصار ستروس كانت نموذجا واضحا للجانب المظلم في الحياة السياسية الفرنسية، ويتخوف البعض من سعي ساركوزي الحثيث لبلورة مثل هذه الأقطاب أو البؤر التي يمكن أن تنسف اليسار الاشتراكي من داخله على المدى البعيد.

وساركوزي المدعوم من المنظمة الأولى لرجال الأعمال الفرنسيين (حركة شركات فرنسا) ومن أهمهم شقيقه غويوم، يشتهر ببراعته فيما يعرف بـ"التربيطات" الحزبية، فالشائع في الصحافة الفرنسية تحليلات تتحدث عن صفقة أبرمها الرئيس مع سلفه شيراك قبل الانتخابات الرئاسية، يتعهد فيها الأول بمنح بعض المناصب رموزا من الشيراكيين، مثل وزيرة الداخلية الحالية ميشيل أليو ماري، فضلا عن عدم حبس شيراك الملاحق قضائيا جراء اتهامه بمخالفات مالية أثناء وجوده في السلطة، أما المقابل فكان ضمان تأييد الشيراكيين في الحملة الرئاسية والتغلب بالتالي على أبرز العقبات أمام وصول ساركوزي إلى سدة الحكم.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات