|
| د. رفيق حبيب |
رفض الدكتور رفيق حبيب -أحد أبرز المتخصصين في دراسة الحركات الإسلامية- إرجاع السبب في مراجعات الدكتور سيد إمام -منظر ومؤسس تنظيم الجهاد في مصر- إلى الضغوط الأمنية والتعذيب الذي تعرض له أعضاء التنظيم داخل السجون، ورأى أن المراجعات نتاج رؤية تبلورت مفادها أن استخدام العنف المسلح في عملية التغيير الداخلي أثبتت فشلها، وأن العنف أضر بالجماعات والمجتمع المصري.
وأشار حبيب إلى أن مراجعات تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية تمثل تأييداً إضافياً للوسطية الإسلامية والنهج السلمي في التغيير.
وطالب حبيب أصحاب المراجعات بالتأسيس لرؤى تقوم على التغيير السلمي، حتى يصبح هذا التغيير هو النضال الذي يجمع القوى الإسلامية والوطنية لكي يتم إغلاق الباب أمام عودة العنف مرة أخرى.
المراجعات نتاج التجربة
* ترى ما هي الأسباب الحقيقية وراء المراجعات ومتى وكيف بدأت؟
- أنا أعتقد أن الأسباب الحقيقية للمراجعات هي نتاج التجربة نفسها، وهذه الأسباب هي أسباب مراجعات الجماعة الإسلامية؛ لأن نتاج استخدام العنف في عملية التغيير الداخلي أدت إلى أضرار بجميع الأطراف، منها الجماعات الجهادية وعامة المجتمع المصري والدولة، كما أثرت سلبا على دور هذه الجماعات الدعوي بالنسبة للجماعة الإسلامية، وأثرت أيضا على تعاطف الجماهير المؤيدة لهم سواء بالنسبة للجماعة الإسلامية أو تنظيم الجهاد.
ومعنى ذلك أن نتائج استخدام العنف دفعت إلى التفكير مرة أخرى في هذا المنهج، وكانت هي سبب المراجعات الحقيقي، وهذا يتأكد من أن أفكار المراجعات بدأت منذ أوائل الثمانينيات وبين المحكوم عليهم في قضية اغتيال السادات، ولكنها ظلت على المستوى الفردي حتى تحولت للمستوى الجماعي عام 1997م بالنسبة للجماعة الإسلامية و2007 بالنسبة لتنظيم الجهاد.
* كيف نفرق بين أفكار التكفير التي ظهرت داخل السجون في الستينيات وبين أفكار التكفير التي ظهرت بعد ذلك في السبعينيات وما استتبع ذلك من مراجعات؟
- فكرة التكفير عندما ظهرت في الستينيات لدى شكري مصطفي وغيره، كانت نتاج تجربة السجن، وبالتالي كانت خارجة عن مشروع الإخوان الذي تأسس قبل ذلك بقرابة 4 عقود، واستطاع الإخوان الرد على هذه الفكرة وحصارها في مهدها، لكن أفكار التكفير التي ظهرت في السبعينيات لم تكن وليدة تجربة السجن بل كانت وليدة موقف رافض لمجمل الحياة والأوضاع السياسية التي وصلت إليها مصر وغيرها من الدول العربية، لهذا استمرت هذه الأفكار وأدت إلى مواجهات مسلحة داخليا وخارجيا منذ السبعينيات وحتى الآن، حيث ما زالت هذه الأفكار موجودة في تنظيم القاعدة ومن يتبع فكره، لهذا نسمى ما حدث في السبعينيات بأنه ميلاد لظاهرة رفض إسلامي شامل لما آلت إليه أحوالنا، ومن المهم التأكيد على أن المراجعات ليست مراجعة للموقف الرافض لأوضاعنا الحالية ولكنها مراجعة لكيفية التعامل مع هذا الوضع.
* هناك من يرجع هذه المراجعات للضغوط الأمنية والتعذيب الشديد الذي تعرض له العناصر الجهادية داخل السجون.. كيف ترى ذلك؟
- أولاً إذا كانت المراجعات نتاج التعذيب لظهرت قبل هذا بكثير، ولكن الحقيقة أن بداية المراجعات كانت نوعا من النقد الذاتي بعد انتهاء عملية اغتيال السادات، ولكنها كانت محصورة في فكرة هل حادثة اغتيال السادات كان لها أي تأثير إيجابي أم أن تأثيرها كان سلبيا على التنظيم دون أي تغيير للأوضاع في مصر.
بعد ذلك عندما تحولت المراجعات إلى عملية جماعية وظهرت في أول بيان عام 1997 لم يكن الأمن مقتنعا بجديتها، ولم يكن يساعد على ظهورها بأي شكل من الأشكال، حيث كانت الرؤية الأمنية في ذلك الوقت ترفض فكرة الحوار مع الجماعات وكانت تعتبر الوسيلة الأمنية العنيفة هي الحل الوحيد، وأنا في تصوري أن الأمن بدأ يغير موقفه أولا مع تغيير وزير الداخلية، وثانيا بعد حادثة الأقصر، لأنها كانت بداية لعنف عشوائي تقوم به مجموعات صغيرة لا تقع تحت سيطرة القيادات.
واستمر الأمن حذرا تجاه هذه المبادرة في العام الأول عام 1998 حتى بدأ يتعاطى معها تدريجيا، وبالطبع حاول الأمن توظيف هذه المراجعات لمصلحته ولكن القيادات التاريخية للجماعة الإسلامية رأت أهمية حقن الدماء لأنها كانت تدرك أن مصر قد تقبل على مشهد جزائري تسيل فيه الدماء؛ لذلك تعاونت القيادات التاريخية للجماعة الإسلامية مع الأمن لأنه كان يملك إعطاءها الفرصة للحوار مع قواعدها، فالتعاون معه كان ضروريا لأن خروج المراجعات دون قدر من التوافق عليها بين القواعد كان يمكن أن يحد من تأثيرها، ويسمح بظهور جماعات أخرى منشقة على الجماعة الإسلامية.
* هل تعتقد إمكانية توظيف الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد سياسيا لمواجهة الإخوان المسلمين؟
- أعتقد أن الأمن يحاول أن يستخدم الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد في مواجهة جماعة الإخوان المسلمين، ولكنه يخشى من أي مواجهة سياسية بينهم لأن قيادات الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد لها ثقل تاريخي، مما يجعل دخولها في العمل السياسي خطرا من وجهة نظر النظام، كما أن قيادات الجماعة الإسلامية والجهاد في تصوري ترفض أن تستخدم ضد جماعة الإخوان المسلمين.
المراجعات.. ووقف العنف
* هل تعتقد أن هذه المراجعات ستغلق باب العنف مستقبلاً؟
- أعتقد أن هذه المراجعات تحد من ظاهرة العنف ولا تمنعه؛ لأن مراجعة الأحكام الشرعية التي بررت التكفير والقتل تُصعب لجوء آخرين لهذه الأحكام، لكن ظاهرة العنف ليست نتاج الأحكام الشرعية، بل هي نتاج الواقع وكانت أحكام التكفير والقتل هي محاولة للتعامل مع واقع متأزم ومرفوض.
المشكلة هنا أن الواقع لم يتغير مما يجعل أسباب العنف قائمة، والعنف لم يأت استجابة لفكرة دينية، بل هو رد فعل سياسي تجاه الواقع المرفوض، ولكنه ظهر في شكل حركات إسلامية، لأن انهيار الواقع لم يكن اقتصاديا وسياسيا فحسب، ولكنه شمل الأخلاق والقيم، فكان انهيارا حضاريا شاملاً استدعى ظهور حركات إسلامية تريد استعادة الأمة لمرجعيتها الدينية والحضارية.
سيظل تنظيم القاعدة وفكره قائما في السنوات القادمة خاصة بسبب السياسات الأمريكية والصهيونية في المنطقة، وسيظل هذا العنف يمتد أحيانا إلى داخل الدول العربية بسبب تحالف الأنظمة العربية مع المشروع الأمريكي الصهيوني، ولكن أكثر ما تؤثر فيه المراجعات هو العنف في مواجهة الأنظمة الحاكمة، بمعنى أنه قد يحدث تراجع في حوادث العنف في البلاد العربية، وربما يحدث تراجع بسيط في فكرة القيام بأعمال عنف في البلاد الغربية؛ ليحدث تركيز أكبر على مواجهة أمريكا والكيان الصهيوني في مناطق المواجهات العسكرية.
أقصد من هذا أن هذه المراجعات تدفع القاعدة إلى التركيز على مقاومة الاحتلال باعتبارها الأصل الحقيقي للجهاد (جهاد الدفع).
* ما تقديرك لتأثير أفكار هذه المراجعات على تيار العنف داخل مصر وخارجها؟
- مصر كان لها دور مركزي في تاريخ الحركة الإسلامية المعتدلة والمتشددة منذ بداية القرن العشرين ومعظم فكر الحركات العنيفة نبعت من مصر، وشخص مثل سيد إمام الشريف له وضعية وتأثير داخل مصر وخارجها، لذا فهذه المراجعات لها دورها خارج حدود مصر، والذي يحد من دورها وتأثيرها استمرار السياسات الأمريكية والصهيونية لأنه يصعب على النشطاء في الحركة الإسلامية المسلحة أن يتجهوا إلى السكون والاستسلام، ولهذا فأفضل ما نتمناه كما قلت أن يعاد تحديد مجال الجهاد المسلح، ليكون قاصرا على مناطق الاحتلال.
* البعض يقول إن هذه المراجعات تصب في خدمة المنهج السلمي للتغيير.. كيف ترى ذلك؟
- بالطبع المراجعات منذ مراجعات الجماعة الإسلامية أصبحت تمثل تأييدا إضافيا للوسطية الإسلامية والنهج السلمي في التغيير، وهو ما يعنى انتصارا للمدرسة الإسلامية التي انتمت إليها جماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها.
لكن المشكلة الحقيقية في المراجعات سواء الخاصة بالجماعة الإسلامية أو تنظيم الجهاد أنها لم تضع منهجا للتغيير بديلا لمنهج التغيير بالقوة، واكتفت في أحيان كثيرة بفقه يؤكد أن الحركة الإسلامية في مرحلة الاستضعاف؛ وبالتالي لا تستطيع أن تستخدم القوة لأنها غير مؤهلة لذلك، وهذا يعنى توقف مرحلي للعنف لا يتحول إلى توقف نهائي إلا بوضع منهج سلمى للتغيير في داخل الدول العربية والإسلامية ليبقى الجهاد بالسلاح مقصورا على جهاد الدفع لرد المحتل.
هل المراجعات ناقصة
* في تقييمك ما الذي ينقص هذه المراجعات؟
- المشكلة التي تثيرها المراجعات أنها ذات تأثير على كوادر وقيادات حركات قائمة لكنها ربما لا تكون ذات تأثير كبير على ما يمكن أن نسميه جماعات العنف العشوائي، وهي جماعات صغيرة تتبنى فكرة العنف وتقوم بأعمال عنيفة ثم سرعان ما تختفي لتظهر جماعات غيرها كما حدث في أحداث طابا، وهذا العنف العشوائي يحتاج لعلاج اجتماعي وسياسي حتى نستطيع أن نعالج حالة الرفض الشامل التي تصيب قطاعات غير قليلة من الشباب.
* كيف ترى المستقبل السياسي لقادة وأعضاء تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية بعد هذه المراجعات؟
- الواقع السياسي المصري الآن يشهد مراجعات من قبل الجماعات المسلحة يتم الإفراج عنها بشرط عدم العمل في المجال السياسي، ثم حصار شامل لجماعة الإخوان المسلمين لإقصائها من المجال السياسي، وفي نفس الوقت ترك الباب مفتوحا أمام جماعات تنتمي للسلفية المتشددة على أساس أن يترك لها الساحة الدينية دون أن تعمل في السياسة، ويطلب منها مواجهة الإخوان المسلمين على أساس أنهم جماعة مهادنة.
وبالتالي تتم مواجهتهم بأفكار الغلو والتشكيك في مبادئهم مما يؤدى في النهاية إلى عزل الحركات الإسلامية عن المجال السياسي وتربية أجيال داخل المجتمع على الغلو والتشدد مما يجعلها مؤهلة لإعادة إنتاج فكر العنف مرة أخرى، وخاصة أن الفكر المتطرف الذي يبتعد عن العمل السياسي يتحول بسهولة إلى العمل المسلح.
إن كثيرا من التيارات السلفية المتشددة تنشر رؤى تتميز بالغلو، وهي الرؤى التي تأسس عليها تيار السلفية الجهادية، سواء لدى تنظيم الجهاد المصري أو القاعدة أو غيرها، ومعنى ذلك أن هذه التيارات تبنى أرضية واسعة جدا للغلو الإسلامي دون أن تجعل قواعدها تنخرط في العمل السياسي مما يجعلها أكثر عزلة، ويجعلها تميل للغلو أكثر فأكثر، ويصبح لديها رؤى فقهية تبرر استخدام السلاح في التغيير، ولكن في اللحظة التي لا تشعر فيها أنها مستضعفة.
مستقبل الجهاد
* مرة أخرى، هل تعتقد أن سيد إمام أو الدكتور فضل هو المؤثر الأول فيما حدث من مراجعات "الجهاد" و"تنظيم القاعدة" على مستوى العالم؟
- أعتقد أن سيد إمام ضمن الشخصيات الأكثر تأثيرا في فترة زمنية، لكن الظاهرة لم تولد بسبب شخص أو مجموعة أشخاص، فظاهرة العنف نتاج لحظة تاريخية، وهؤلاء الأفراد استجابوا لهذه اللحظة التاريخية بصورة جذبت لهم الأتباع، وحتى الفكر الذي أسس للعنف فقد تم إخراجه من بطون الكتب، فهو موجود ولكن استخراجه كان قائما على حكم محدد للواقع الراهن ورؤية سياسية تفسر هذا الواقع المتأزم، وبناء على هذه الرؤية استخرجت الأحكام المناسبة لها.
الدكتور فضل يعيد تعريف الواقع الحالي الذي ما زال مرفوضا بالنسبة له، ولكنه ينظر إلى واقع المسلمين بوصفهم في حالة استضعاف فيستخرج الأحكام المناسبة لرؤيته للواقع.
* في رؤيتك ما هي التحديات التي تواجه قادة وكوادر الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد بعد هذه المراجعات؟
- طبعا هناك شرط أمنى بمنع العمل السياسي على قيادات الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد وكوادرهم أيضا وهو ما يشمل منع أي عمل تنظيمي لهم، لهذا خرجت القيادات لتقول إنها ستتفرغ للعمل الدعوي، وهي في الواقع لا تستطيع ممارسة العمل الدعوي كتنظيمات بل كأفراد.. هذا سيصل بنا في النهاية إلى السؤال الصعب: كيف تصل هذه الدعوة التي يدعون لها إلى المجال السياسي لتغييره طبقا للرؤية الإسلامية التي تحملها هذه الجماعات؟ معنى ذلك أن هؤلاء القادة يقفون أمام التحدي الأول بوضع منهج للتغيير يلتزم به أتباعهم وكوادرهم لغلق الطريق أمام استعادة منهج العنف مرة أخرى.
التحدي الثاني: هو أن أي منهج للتغيير السلمي سيؤدى إلى العمل السياسي، لهذا أنا أتوقع أن هذه الجماعات وقياداتها ستحاول ممارسة العمل الدعوي في أضيق الحدود حتى تستطيع أن تصل إلى الدعوة في مجال واسع ثم بعد ذلك ستجد نفسها على أعتاب السياسة مرة أخرى، وأعتقد في نفس الوقت أن الجهاز الأمني المصري يحاول من خلال حصاره لهذه القيادات القضاء على مستقبلها ليس فقط السياسي بل الدعوي كذلك.
* ما استشرافك لمستقبل الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد بعد هذه المراجعات؟
- هذه المراجعات كما سميت في أول لحظة هي مبادرة لوقف العنف، ولم تتحول بعد إلى مشروع إسلامي متكامل يهدف إلى تغيير الأوضاع الراهنة، فالمبادرات بدأت بإيقاف الأحكام السابقة التي بررت القتل، ولم يكن التبرير بأنهم رأوا الواقع أفضل من تصورهم السابق، بل لأنهم وجدوا أن استخدام العنف في هذه اللحظة يضر هدفهم وهو إحداث التغيير؛ لذلك سنجد في المبررات فكرة الاستضعاف ورخصة التقية، ومعنى ذلك أن هؤلاء القادة يرون أن الواقع الراهن مرفوض وأنه يجب تغييره لكنهم أوقفوا حكم تغييره بالسلاح.
هذه الرؤية تمثل بداية لمرحلة جديدة وليست بالنهائية، وإذا توقف فكر المراجعات عند هذا الحد فسوف تنتهي تاريخيا الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد، أما إذا استمر فكر المراجعات ليقدم رؤية جديدة متكاملة فعندئذ ستكون بحق ميلادًا ثانيًا، وعندئذ أيضا ستدخل هذه القيادات مجال السياسة، لأن عملية التغيير في النهاية تصل إلى مجال السياسة حتى وإن بدأت بالمجال الاجتماعي.
الدين.. والعنف
* البعض يقول إن هناك انهيارًا لكل المشاريع الأيديولوجية المطلقة عربيا وعالميا سواء كانت ذات أساس ديني أو علماني.. ما تعليقك؟
- أعتقد أنها تعبيرات خطأ؛ لأنه لا يوجد مجتمع بدون إطار مرجعي فكري، ولا يوجد نظام سياسي بدون مرجعية، ولكن الرؤية العلمانية النفعية هي التي جعلت البعض يرى أن العالم يتجه إلى تحقيق مصالح بدون قيم، وهذه الرؤية في حد ذاتها هي أيديولوجيا ولكنها أيديولوجيا منزوعة القيم الإنسانية وتقوم على القيمة المطلقة للمادة، أما في بلادنا فنحن بصدد استعادة الهوية والحضارة، وسيظل المشروع الإسلامي هو المحرك الحقيقي لفكرة استعادة الانتماء الحضاري لأن مجتمعاتنا تنهار بسبب القيم المادية وتتفكك مما يجعلها مدفوعة بالفطرة إلى استعادة قيمنا الإنسانية والروحية حتى تستعيد تماسكها وتقدمها.
* لكن ما مدى ارتباط ظاهرة العنف بظاهرة التدين؟
- إذا رجعنا للسبعينيات من القرن الماضي سنجد ظاهرة نسميها "اللجوء للدين" وهي نتاج قناعة المجتمع بأن قيمه وأخلاقياته بدأت في الانهيار، فأصبح المجتمع يستعيد نفسه من خلال استعادته للدين، وهذه هي الأرضية التي خرج منها الإحياء الديني الرشيد، وخرج منها أيضا الفكر الديني المتطرف، وخرج منها كذلك الفكر العنيف للجماعات المسلحة.
ظهور التطرف والعنف مع عملية الإحياء الديني كان نتاجا لتردي الأوضاع المجتمعية، وتردي مكانة مصر في محيطها العربي والإسلامي، وعدم قدرة الدولة على التعبير عن هذه الرؤى الإحيائية الدينية لتحويلها إلى مشروع نهضة وتقدم جماعي، كل هذا جعل عملية الإحياء الديني، وهي قائمة على الرغبة في تغيير الواقع، أمام خيارات:
- إما أن تتمسك بالوسطية والاعتدال، على الرغم من أن الظروف الواقعية لا تساعد على ذلك.
- أو تتجه إلى العزلة عن الواقع، وهنا ينمو التطرف.
- أو تتجه إلى مواجهة الواقع وهنا يظهر العنف، وخاصة أن المواجهة السلمية للواقع التي تقوم بها جماعة الإخوان المسلمين كانت تؤدي إلى عنف من الدولة يبرر مناخ العنف الذي انتشر بين التيارات الإسلامية؛ لهذا أتصور أن ضرب الوسطية الإسلامية والمنهج السلمي في التغيير والذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين وغيرها يعد ضربا لفكر المراجعات، وتوفير المناخ اللازم لنمو التطرف لدرجة قد تجعله يتوسع جماهيرياً ويظهر مرة أخرى في أشكال عنيفة.
ومن المهم أن نفهم فكرة العنف كمنهج للتغيير، لأن أساسها الأول هو رفض الواقع لكن أساسها الثاني هو عدم وجود قنوات للتغيير السلمي، لهذا نرى أن سياسة الدولة التي تغلق أبواب التغيير السلمي تدفع لظهور العنف من جديد في حين أن المراجعات ومنها مراجعات سيد إمام تحاول أن تؤهل التيارات الإسلامية التي انتمت للعنف سابقا كي تعمل في المجال السياسي السلمي، وقيادات المراجعات يمكنها أن تؤجل مرحلة التغيير السياسي لكنها لا تستطيع أن تلغيه.
* في الختام ما هي نصائحك التي توجهها لأصحاب المراجعات؟
- يبقى أن نحيى أصحاب المراجعات الذين تحملوا الكثير من التهم وتحملوا عبء إصدار المراجعات من السجن، ويبقى المطلوب منهم أن يؤسسوا لرؤى تقوم على التغيير السلمي حتى يصبح التغيير السلمي هو النضال الذي يجمع القوى الإسلامية والوطنية؛ لأن توقف النضال السياسي السلمي يفتح الباب مجددا أمام عودة العنف.
|