English

 

الأحد. ديسمبر. 9, 2007

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين

الحج مقاصد شرعية وحِكَم ربانية جليلة

بقلم - الشيخ عوض القرني

Image

{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} الحج 27.
للحج مقاصد شرعية وحِكَم ربانية جليلة، وهدى ومنافع للناس، وصلاح وقوام للعباد في دينهم ودنياهم، كما قال تعالى: {جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} المائدة 97.

ومعنى قياما للناس: أي يدفع عنهم بسبب تعظيمها السوء كما قال ابن عباس: "لو لم يحج الناس هذا البيت لأطبق الله السماء على الأرض"، وما هذا الشرف إلا لشرف بانيه أولا وهو خليل الرحمن.

وقال الشوكاني رحمه الله: "ومعنى كونه قياما أنه مدار لمعاشهم ودينهم؛ أي يقومون فيه بما يصلح دينهم ودنياهم.. يأمن فيه خائفهم وينصر فيه ضعيفهم ويربح فيه تجارهم ويتعبد فيه متعبدهم".

طاعة.. عبادة.. تفكر..


الحج مدرسة عظيمة في تهذيب النفوس وتطهيرها من أدران الشرك وقسوة المادة، ورفعة وسمو الأرواح في علياء الكمالات البشرية.

والحج تحرير للعقول من الانحسار في عالم الدنيا الضيق، وأسوار النفس الموحشة، وانطلاقة كبرى للعقل البشري للسياحة في ملكوت الله رب العالمين، طاعة وعبادة وتفكرا وتأملا وذلا وخضوعا، وملئا للأفئدة بالإيمان الحق والاتباع الصادق، وضبطًا للسلوك، وتهذيبًا للأخلاق.

والحج تذكير بمشاهد يوم الدين، يوم يقوم الناس لرب العالمين، وتذكير للحس البشري بأنّ يوما سيأتي وسيقف العباد جميعا فيه بين يدي الله فيحاسبهم ويجازيهم على أعمالهم وفعالهم، كما قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ* فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} (6 : 8 سورة الزلزلة).

والحج تربية للنفس البشرية وتعويد لها على التواضع والأناة والحلم والصبر في سبيل الله عز وجل، وفطام لها عن المحرمات والمنكرات وسفاسف الأمور ودناياها.

والحج له منافع عظمى في واقع الأمة الإسلامية التي تجتمع في رحابه وجنباته المتعددة والمختلفة من كل أرجاء الدنيا؛ حيث ينبغي للأمة الإسلامية في الحج تبادل الرؤى والاجتهادات لحل قضاياها ومشكلاتها، فهو أشبه بالمؤتمر الدولي العام الذي ينعقد بصورة دورية كل عام، يلتقي المسلمون فيه من كل أنحاء الدنيا وأطراف الأرض، علماء ومفكرون، وتجار وساسة وقادة، وحكماء وخبراء، فيفيد بعضهم بعضًا، ويلتحمون بقلب واحد وفكر واحد وقضايا مشتركة واحدة، فكم من مشاريع للإسلام ما كانت لترَى النور لولا الحج، وكم من مشكلات عويصة وقضايا كبيرة ما كانت لتحل لولا الحج.

وهذا بدوره ينعكس على واقع البشرية كلها خيرا وسلاما ووئاما وحبا وخيرا وهدى، ولعلّنا هنا ندرك سر قوله تعالى: {جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ}، فليس هذا الخير والهدى والنعيم مقصورا على المؤمنين، بل يشمل البشرية جمعاء.

إنّ الحج إذن قوام وقيام للناس أجمعين وهدى ومنافع دينية ودنيوية، وهذه الحِكم الإلهية ينبغي استحضارها، ويجب تحقيقها في واقع المسلم وواقع الأمة الإسلامية جمعاء.

الحج وحدة إيمانية عالمية

والحج إبراز لحضارة الأمة الإسلامية وقيمها الربانية، وإظهار لرسالتها الخالدة في العالمين، وجامعة عالمية في المساواة الإنسانية، والوحدة الإيمانية، وإلغاء لكل أسباب الفرقة والاختلاف، بسبب اللون أو الجنس أو اللغة أو البلد، فالكل عبيد الله، بلباس واحد ولهجة واحدة هي لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.

والحج دعوة عالمية أيضا لحفظ الحقوق وحقن الدماء وصيانة الحرمات والأعراض، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال: "يا أيها الناس أي يوم هذا؟" قالوا يوم حرام قال: "فأي بلد هذا؟" قالوا بلد حرام قال: "فأي شهر هذا؟" قالوا شهر حرام قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا". فأعادها مرارا ثم رفع رأسه فقال: "اللهم هل بلغت.. اللهم هل بلغت". قال ابن عباس رضي الله عنهما: فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته (فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض).

ألا ما أحوج أمتنا في الحج إلى استلهام دروس الإيمان الحق والوحدانية والوحدة والمساواة والإخاء في عالم يفتقر أكثر ما يفتقر إلى هذه المثل والقيم الغائبة.


 داعية سعودي والمشرف العام لموقع الرسالة يمكنكم التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للصفحةtazkia@iolteam.com

 

«

ابحث

بحث متقدم