|
| مظاهرات أوزبكية |
تتجه أنظار اللاعبين الدوليين والإقليميين في منطقة آسيا الوسطى هذه الأيام إلى أوزبكستان الدولة ذات الثقل الأكبر ديمغرافيًّا وتاريخيًّا في المنطقة والتي ستشهد انتخابات رئاسية في الثالث والعشرين من ديسمبر الجاري.
الدستور في خدمة الرئيس
رغم أن الانتخابات في منطقة آسيا الوسطى لا تحمل أهمية كبرى؛ إذ إنها شكلية في معظمها ويمكن بسهولة التنبؤ بنتائجها فإن هذه الانتخابات تحمل أهمية خاصة؛ فالرئيس الأوزبكي الحالي إسلام كريموف لا يحق له الترشح في هذه الانتخابات؛ إذ يحدد الدستور فترتين رئاسيتين فقط لكل رئيس، وقد أنهى كريموف فترته الرئاسية الثانية في يناير الماضي. فكريموف يحكم أوزبكستان منذ عام 1989 عندما عُيّن سكرتيرًا أول للحزب الشيوعي في أوزبكستان إبان الحكم السوفييتي. وبعد استقلال أوزبكستان انتخب رئيسًا عام 1991 وفقًا للدستور الذي كان يتيح له فترتين رئاسيتين مدة الواحدة 5 سنوات. إلا أنه قام بإجراء استفتاء عند انتهاء ولايته عام 1995 مكنه من مدّ ولايته الأولى خمس سنوات أخرى لتنتهي بحلول عام 2000 الذي أجريت فيه انتخابات رئاسية انتهت بفوز كريموف بولاية ثانية، قام فيها عام 2002 بتعديل الدستور ليجعل مدة الفترة الرئاسية 7 سنوات بدلاً من 5.
ورغم هذا فإن معظم المحللين السياسيين توقعوا أن يجد الرئيس كريموف وسيلة للبقاء في السلطة، وبدأت التكهنات حول نوعية هذه الوسيلة مبكرًا؛ إذ إن ولاية كريموف الرئاسية انتهت رسميًّا في يناير الماضي دون وجود أي مؤشرات حول انتخابات رئاسية قريبة، مما فتح المجال لتكهنات عديدة حول نية كريموف البقاء في السلطة دون اللجوء لانتخابات رئاسية، خاصة أن سجل منطقة آسيا الوسطى يتيح له الاختيار بين عدد من طرق التحايل على العوائق الدستورية للبقاء في السلطة. إذ باستطاعة كريموف أن يكرر تجربته الخاصة ويقوم بإجراء استفتاء لمدّ فترة رئاسته كما فعل عام 1995، كما يمكنه الاستفادة من تجربة جاره رئيس تركمانستان الراحل صابر مراد نيازوف الذي أعلنه البرلمان التركمانستاني رئيسًا مدى الحياة.
وجاء إعلان الحكومة اختيارها تحديد موعد الانتخابات وفق فقرة في الدستور تنص على أن تعقد الانتخابات الرئاسية في يوم الأحد الثالث في شهر ديسمبر، أي في الثالث والعشرين من ديسمبر ليضع حدًّا لهذه التكهنات وليفتح الباب أمام تكهنات أخرى.
البحث عن غطاء قانوني
معظم هذه التكهنات بنيت على أنه من المسلَّم به أن كريموف سيرشح نفسه في انتخابات الرئاسة وكان السؤال هو: كيف سيبرر هذا الترشيح؟ أحد السيناريوهات التي طرحت هو أن يلجأ كريموف لخبرات جيرانه وبالتحديد الرئيس الكازاخي نور سلطان نزارباييف، ويقوم بإجراء تعديل دستوري بحيث لا يكون هناك سقف لعدد فترات الرئاسة، مما يمكنه فعليًّا من البقاء في الرئاسة مدى الحياة ما لم تحدث مفاجآت، إلا أن المحللة السياسية المستقلة المقيمة بموسكو "سانوبار شيرماتوفا" قالت في مقابلة مع موقع صوت أوروبا الحرة نشرت في 25 من يوليو الماضي: "إن هذا السيناريو غير مطروح بقوة في أوزبكستان، فالسبب الرئيسي للتعديل الدستوري في كازاخستان هو وجود صراع على السلطة بين النخبة الحاكمة في كازاخستان، بينما الوضع في أوزبكستان مختلف تمامًا؛ إذ لا توجد شخصيات قوية حول كريموف تتصارع على خلافته".
وقد يكون التبرير بكل بساطة كما قال نائب سابق في البرلمان الأوزبكي -طلب عدم نشر اسمه- لموقع معهد دراسات الحرب والسلام في تقرير نشر يوم 25 من سبتمبر أن كريموف قد قضى فترة رئاسية واحدة وفقًا للتعديل الدستوري الذي جعل فترة الرئاسة 7 سنوات بدلاً من 5، وبالتالي يحق له الترشح لفترة رئاسية ثانية من 7 سنوات. وأخذ المحللون يتساءلون عمّا إذا كان الأوزبكيون سيرضخون لهذه التحايلات ويستسلمون لاستمرار إحكام كريموف قبضته على البلاد، أم أنهم سيرفضون هذا الوضع ويثورون؟ كما حدث في قرغيزستان المجاورة، عندما أدت حملات تسعى لإبقاء الرئيس عسكر أكاييف في السلطة قبيل انتهاء فترة ولايته عام 2005 تأسيًا بما حدث في الجارة تركمانستان، إلى خلعه وسط احتجاجات شعبية أعقبت انتخابات برلمانية مشكوك في نزاهتها.
بينما اتجهت سيناريوهات أخرى إلى أن كريموف قد لا يرشح نفسه في الانتخابات ويختار الاستفادة من تجربة يلتسن - بوتين، ويقوم باختيار خليفة له يضمن ألا يقوم بمحاسبته على الانتهاكات التي قام بها طوال فترة حكمه. ويستبعد البعض مثل محمد صالح المعارض الأوزبكي المقيم في المنفى هذا السيناريو، حيث قال في حديث لموقع راديو أوروبا الحرة: "إن كريموف لن يترك السلطة بإرادته أبدًا؛ لأنه يعرف أنه سيواجه العديد من المشاكل ما إن يترك المكتب الرئاسي، فالشعب الأوزبكي سوف يحاكمه على الجرائم التي ارتكبها خلال الثمانية عشر عامًا التي قضاها في الحكم وهي جرائم لا يمكن التفاوض بشأنها".
وجاء حسم تكهنات "يترشح.. لن يترشح" عندما أعلن حزب أوزبكستان الليبرالي الديمقراطي في منتصف أكتوبر الرئيس إسلام كريموف مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية، وقبلت اللجنة المركزية للانتخابات أوراق ترشيح كريموف. والغريب أنه لم يصدر أي تصريح من كريموف حول الغطاء القانوني لهذا الترشيح، كما أن أحدًا لم يوجه استفسارًا رسميًّا حول هذا الموضوع، ويبدو أن هذا الصمت نتيجة طبيعية لقبضة كريموف الحديدية التي يحكم بها أوزبكستان والتي جعلت مصير المعارضين يتراوح بين السجن أو الاختفاء بشكل غامض أو اللجوء إلى المنفى أو حتى القتل، كما حدث في مايو عام 2005 عندما فتحت الشرطة النار على متظاهرين في مدينة أنديجان، مما أدى إلى مقتل المئات حسب تقارير منظمات حقوق الإنسان.
مرشحون آخرون
بالإضافة إلى كريموف هناك 5 مرشحين آخرين قبلت اللجنة المركزية للانتخابات أوراقهم. منهم 4 تم ترشيحهم من خلال أحزابهم وهم: "ديلورمو تاش محمدوفا" السكرتير الأول للمجلس السياسي لحزب العدالة الاجتماعية، و"أهتم تورسونوف" السكرتير الأول لحزب "فيدوكورلار" القومي الديمقراطي، و"هورشيد دوس محمدوف" رئيس حزب النهضة الوطني، و"أصل الدين روستاموف" رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الشعب الديمقراطي، بالإضافة إلى المرشح المستقل "أكمل سيدوف" رئيس اللجنة التشريعية البرلمانية للمؤسسات الديمقراطية والمنظمات غير الحكومية. وتُعَدّ هذه المرة الأولى في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأوزبكية التي يدخل فيها مرشح مستقل السباق، في حين فشل 7 مرشحين مستقلين آخرين، منهم 3 من نشطاء حقوق الإنسان في تقديم الأوراق المطلوبة للجنة المركزية للانتخابات في الموعد المحدد، مما فوّت عليهم فرصة المشاركة في الانتخابات.
ورغم وجود هذا العدد من المرشحين فإن دخول كريموف سباق الرئاسة يعني حسم النتيجة سلفًا لصالحه، إذا قسنا على الانتخابات السابقة عام 2000 التي نافسه فيها مرشح واحد هو عبد الحفيظ جلالوف من حزب الشعب الديمقراطي الذي صرّح بعد الانتخابات أنه هو نفسه قام بالتصويت لصالح كريموف!!!
|