English

 

الاثنين. ديسمبر. 3, 2007

الإسلاميون » عمل مسلح

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين

مراجعات "الجهاد" .. جدل الحاضر وسؤال المستقبل

بقلم - د.كمال حبيب

د. كمال حبيب
د. كمال حبيب

  تأتي مراجعات "تنظيم الجهاد" بعد طول انتظار امتزجت فيه الآمال بالشكوك، والتوقعات بالظنون ومحاولة اختراق الحجب ومعرفة المآل والمستقبل، والمشكلة الرئيسية التي أعاقت التعجيل باكتمال مراجعات هذا التنظيم تتصل بطبيعة تكوينه العنقودي وغياب الشخص الكاريزمي الذي تتوافق عليه جميع الآراء، فنزعة القيادة والشخصنة عميقة في نفسية زعامات التنظيم.

وقد أصبح معلومًا الآن أن التنظيم أصدر أمرًا إداريًّا لقياداته وأعضائه عام 1995م، بوقف جميع عمليات العنف في مصر؛ لما لها من آثار مدمرة على سمعة التنظيم ولفقدانها المآل والمقصد الشرعي الذي تصور التنظيم أنه يمكن تحقيقهما، ومن ثَم فهي تخصم من رصيده الديني والأخلاقي لدى المجتمع المصري.

ولأن رؤية التنظيم تعتمد على "التغيير الإستراتيجي"، أي التغيير الكلي فإنه لم يكن من بين أهدافه ومطالبه الدخول في عمليات عنف محدودة كتلك التي قامت بها الجماعة الإسلامية مع الشرطة أو السياح أو الأجانب، وأن انجراره لذلك المأزق كان محاولة لإثبات الوجود بين الجماعات السلفية الجهادية في الخارج، ومع الجماعة الإسلامية في الداخل.

ومن هنا كان انكسار خطط التنظيم تحت وطأة ضغوط نفسية تتعلق بالمكانة والسمعة ولا تتصل بخطه الإستراتيجي العام، وهذه كانت أول معضلة كبيرة واجهت التنظيم وأدت لانقسامه وتشرذمه فيما عرف بسقوط "تنظيم طلائع الفتح" عام 1993؛ وهو ما أدى لخلخلة كبيرة في بنية التنظيم كان نتيجتها مغادرة قيادات كبيرة له، على رأسهم "سيد إمام عبد العزيز الشريف" الذي كان يعرف بالدكتور فضل وعبد القادر بن عبد العزيز.

ومن يطالع تحركات التنظيم منذ ذلك الوقت وحتى عام 1998 سوف يكتشف أنه أمام كيان ممزق غير قادر على بناء إستراتيجية واضحة لتحقيق أهدافه أو حتى الحفاظ على كيانه ووجوده، ومن ثَم كان المخرج أمامه هو الدخول في تحالف مع القاعدة فيما أصبح يعرف باسم "قاعدة الجهاد"، وذلك بعد الإعلان عن "الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين".

ومنذ ذلك الوقت حدث تحول في طبيعة "تنظيم الجهاد المصري" القديم، ذلك أن أعدادًا كبيرة ممن كانوا بالسجن من أعضائه بدءوا التفكير في مصير التنظيم وسياساته وخلافات أعضائه داخل السجن، وأدرك هؤلاء -وأعتقد- أنهم الغالبية ممن كانوا ينتمون للتنظيم القديم انتهوا إلى أن هناك خطأ في تقديراتهم لقوة الدولة المصرية وتصوراتهم حول أدوات تغييرها، ومن ثَم أدركوا أن القوة العسكرية ليست هي الوسيلة المناسبة للتعامل مع الواقع المصري، وأنه لا بد من البحث عن بدائل أخرى.

أما من كانوا بالخارج من أعضاء التنظيم فقد اختلفوا مع أميره "أيمن الظواهري" لتحالفه مع "أسامة بن لادن"، دون الرجوع إليهم، وأنهم يقدرون أن ذلك التحالف سيجر الوبال على التنظيم لدخوله كطرف مُعادٍ لقوى كبرى منها الولايات المتحدة الأمريكية.

سيد إمام وإنجاز المراجعات

كان هناك جماعات تنتمي للتنظيم من المراجعين داخل السجن، سمعنا عن نبيل نعيم وعن أنور عكاشة وعن أحمد يوسف وعن كتاب "التصور"، لكن ذلك لم يكن مؤهلاً لإنجاز مراجعات تتوازى مع قوة التنظيم وسمعته، ومن هنا كان مجيء "سيد إمام" سببًا في اكتمال المراجعات لما لديه من قدرة علمية ولما له من مكانة تاريخية، فقد وقف الجميع خلفه وكتب "وثيقة ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم"، وأيدها العديد من قيادات الجهاد، ووفق معلوماتنا فإنهم 17 أبرزهم "عبد العزيز الجمل" و"أحمد حسين عجيزة".

والدكتور فضل في الواقع واجه أزمة نفسية عميقة بعد إعلان خروجه من التنظيم جعلته يبدو متشددًا في فقهه وأحكامه، فكتاب العمدة برغم المبالغة في تقدير أهميته، ولكنه تعبير عن الأزمة النفسية والفكرية التي كان يواجهها الرجل، وهو ما جعله ينزع للتكفير والاتهامات المبالغ فيها للعديد من الجماعات الإسلامية منها الإخوان والجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد نفسه.

ومن المعروف أن المرور بأزمات نفسية عميقة في بلاد الغربة والهجرة والجهاد تفتح الإنسان على مواقف ورؤى غير متوقعة، ومن هنا كان التحول الكبير في فكر "سيد إمام" نحو الخروج من هذا المجال الفقهي والحركي الضيق الصعب الاستثنائي غير المقدور عليه إلى المجال الفقهي والحركي الأوسع الأيسر الطبيعي، وهو ما أطلقنا عليه في دراستنا عنه والمعنونة "عبد القادر بن عبد العزيز: قراءة في فكر أحد قادة التيار الجهادي" في دليل الحركات الإسلامية "الانتقال من فقه الاستثناء والضرورة إلى فقه الجماعة والعامة، ومن فقه التنظيم إلى فقه الأمة، والرجل بتاريخه الحركي والفكري يتمتع بسمعة كبيرة داخل تيار السلفية الجهادية"، ومن ثَم تأتي أهميته في إنجاز المراجعات.

الجدل حول المراجعات

من الطبيعي أن يثور جدل حول المراجعات؛ لأنه في الشق الأساسي منها تعبير عن التأسيس لما نطلق عليه "تيارًا محليًّا" يغلب أمن الجماعة والأمة والدولة التي يعيش في أكنافها، وهو يراها مسلمة ويستصحب لها الإسلام، ومن ثَم فإنه لا يطرح التغيير الشامل إستراتيجية له، إنه يطرح رؤية جديدة ذات طابع إصلاحي، وهو هنا يختلف عن التيار القديم الذي تفرع منه وهو "تيار الجهاد العالمي - القاعدة".

وهذا التيار يرى نفسه المظلة التي تنطوي تحتها التيارات الجهادية جميعًا، والتيار المحلي الجديد ينازعه تلك المظلة الآن ويطرح نفسه كمنازع لشرعية "التيار المعولم - القاعدة"، ومن ثَم نحن أمام لحظة حساسة مفعمة بالتوتر والقلق والتنازع، ومن ثَم هي ذات طبيعة صراعية بالضرورة، من هنا كان بيان "المكتب الإعلامي لتنظيم القاعدة في أرض الكنانة" والتي عارضت المراجعات ووعدت برد تفصيلي عليها فيما بعد.

كما كتب "هاني السباعي" المقيم في لندن مهاجمًا المراجعات، ورد عليه بشكل قاس من السجن "نبيل نعيم" ورد عليه هو ببيان أحدّ لغةً وأسلق لسانًا، ولكنه للحقيقة فإن المتحفظين على المراجعات من داخل الحالة الإسلامية لم يقتحموا القضايا أو الموضوعات الرئيسية التي أثارها الرجل.

وعلى الجانب الآخر فإن بعض منتسبي التيار الليبرالي تحفظوا على المراجعات وتساءلوا هل هي تراجعات؟ وشككوا في جدوى تأثيرها على التيار السلفي الجهادي، وتحدثوا عن تهافت المراجعات، وكشف التيار الليبرالي عن وجه علماني أصولي يرجو أن يستمر التيار الإسلامي متورطًا في حالة عنيفة مع الدولة والمجتمع؛ وهو ما يعطي ذلك التيار مساحة لوصمه بالعنف لاكتساب شرعية على حسابه، فالمراجعات في القلب وعلى الأطراف كان تيار القاعدة يرفض وتيار الليبرالية يعرقل ويتساءل.

المراجعات والمستقبل

1- يحدث الآن تحول لأكبر فصيلي عنف في مصر وهما الجماعة الإسلامية والجهاد، وهو تحول مثير للدهشة والتساؤل، ومن المقطوع به أن المراجعات في الحالتين لا تعبر عن صفقة مع الدولة كما أنها ليست تكتيكًا، ولكنها خيار إستراتيجي، وهذا جزء من الحالة المزاجية والفكرية العامة للإسلاميين في مصر والعالم، ومن المؤكد أنه حتى الآن فإن الرؤية الأمنية هي المسيطرة على حالة المراجعات بقصد نزع فتيل التهديد الأمني الذي مثلته لجهاز الأمن وللدولة ذاتها، ولكن الرؤية السياسية لا تزال غائبة في التعاطي مع ملف المراجعات والمراجعين، ومع الملف الإسلامي بشكل عام.

2 - نحن الآن أمام عشرات الآلاف من الجماعة الإسلامية وبضعة آلاف من تنظيم الجهاد وهم قوة كبيرة اعتادت على العمل العام؛ وهم بحاجة للاستيعاب الاجتماعي والسياسي في المجتمع والنظام السياسي، ومثل هؤلاء لا يمكنهم العيش طويلاً بدون فضاء دعوي أو تربوي أو اجتماعي أو حتى سياسي لاستيعاب فائض الطاقة لديهم، ومن ثَم فحديث المراجعات على الجانب الإسلامي يتطلب مراجعات حقيقية على جانب الدولة والنظام السياسي الذي يحتاج إلى اعتماد ما نطلق عليه "الإسلام المشارك"، بمعنى أن يتم استيعاب الإسلاميين داخل اللعبة السياسية وفق القواعد القانونية والدستورية لها، وليس "الإسلام المستبعد" كما هو الحال الآن مع جماعة كبرى مثلاً كالإخوان المسلمين.

3 - مراجعات تنظيم الجهاد على نحو خاص تواجه معضلة حقيقية وهي تنازع تيار العولمة الجهادية مع الخبرة الحديثة نسبيًّا للمراجعات الحالية، ومن ثَم فلِكَي تكتسب مراجعات ما نطلق عليه "التيار المحلي" شرعيتها فإنها بحاجة إلى دعم علمائي، خاصة من علماء الأمة الذين انتهوا من قبل إلى أفكار قريبة من تلك التي يتحدث عنها المراجعون؛ وذلك لبناء ما نطلق عليه "تيارًا رئيسيًّا" يمكنه أن يؤسس لشرعية حقيقية للمراجعات أو ما يطلق عليه في الفقه التقليدي "رأي الجمهور".

ومن ثَم فإن وجود معارضين للمراجعات هو أمر طبيعي؛ ذلك لأنها تعبر عن اختيار فقهي يمكن أن ينازعه اختيارات أخرى، لكن هذا الموقف الفقهي الراجح لدى المراجعين يمكن أن يتم التوافق النفسي حوله بحكم قراءة الواقع والسنن والخبرة التاريخية، ومن ثَم فالمراجعات بحاجة إلى نوع من الحوار المجتمعي والعلمائي بعيدًا عن أجهزة الأمن، بحيث تكتسب شرعيتها لدى الأجيال القادمة، وتكون قادرة على حماية ذاتها من خلال الشرعية النفسية والفقهية والواقعية وليس بحماية الأمن والعسكر.

4 - المراجعات التي يتبناها "التيار المحلي" واجهت بشكل رئيسي العلاقة بين النظم السياسية في الداخل وبين الجماعات الإسلامية، ولم تتعرض لعلاقة هذه الجماعات بالحملة العالمية التي توصف من قبل "التيار العولمي" بأنها حملة صليبية على العالم الإسلامي، ومن ثَم فإن شرعية مقاومة المحتل والمعتدي على حدود عالم الإسلام ليست من المراجعات في شيء، فهي لا تتعرض لمقاومة عدوان الخارج على العالم الإسلامي.

5 - المراجعات التي يطرحها "سيد إمام" ليست جديدة بالمعنى المطلق فهي جزء من النسق التشريعي الإسلامي العام وهي اختيار فقهي داخله، ولكننا ننظر إليها باعتبارها أمرًا جديدًا داخل النسق الفرعي الذي يعبر عنه التأويل الذي يتبناه التيار "السلفي الجهادي" والذي يرى أن الأنظمة في العالم الإسلامي مرتدة، ومن ثَم يجب مقاومتها بالقوة المسلحة وتغييرها بشكل شامل وهو تيار يستقطب قطاعات عريضة من الشباب الإسلامي، ويمثل تحديًا حقيقيًّا للعديد من النظم في البلدان العربية والإسلامية، كما هو الحال في الجزائر والمغرب والسعودية وإندونيسيا وبعض بلدان آسيا الوسطى.

ومن هنا تأتي أهمية المراجعات ويأتي الجديد الذي تمثله داخل مناهج التفكير والقضايا التي يعبر عنها "التيار السلفي الجهادي" الذي كان ينتمي إليه تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية قبل مراجعتهما.


** خبير في شئون الجماعات الإسلامية.

 

ابحث

بحث متقدم