English

 

السبت. ديسمبر. 1, 2007

الإسلاميون » عمل مسلح

أرسل لصديق  

من حديث المراجعات *

بقلم - حمزة قبلان المزيني

د. حمزة المزيني
د. حمزة المزيني

تحدثت في مقالات سابقة عن ضرورة "النقد الذاتي" لمعالجة حالات الخصام والتنابذ التي يعاني منها المسلمون اليوم. وأشرت إلى بعض النجاح الذي حققه هذا النقد فيما يخص "التيار السلفي" في بلادنا.

ومن أهم الأحداث في الأسابيع الماضية "المراجعةُ" التي أعلنها الدكتور سيد إمام الشريف، وتنشرها صحيفة "المصري اليوم" المصرية على حلقات؛ وهو أحد منظري تيار العنف الذي يتدثر بـ"الجهاد" وقادته البارزين في العقدين الماضيين.

وكان الدكتور إمام قد ألف كتابين صارا مرجعين لحركات العنف. فالأول هو "العمدة في إعداد العدة" (1988). وأرسى فيه بعض القواعد "الشرعية" التي تسوِّغ العمليات التي يقوم بها "المجاهدون" ضد القوات السوفييتية الغازية في أفغانستان، أولا، ثم العمليات التي قاموا بها بعد ذلك خارج أفغانستان.

والثاني هو "الجامع في طلب العلم الشريف" (1993)، وهو في أكثر من ألف صفحة ومقصده معرفة "العلم الشرعي الذي يعتمد عليه تجديد دين الأمة وبعثها من غفلتها وتخلفها، إذ لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".

وتأتي أهمية هذين الكتابين من أنهما يحققان رغبة المنخرطين في أعمال العنف المتذرع بـ"الجهاد" في تسويغ ما يقومون به مما لا يؤيده "العلماء" الرسميون الذين يتهمهم هؤلاء بأنهم من "علماء السلطان".

ومن أهم القضايا التي تضمنها الكتاب الأخير ووصفها بأنها "تشغل بال المسلمين في هذا الزمان"، "موضوع التكفير وضوابطه، وموضوع حكم الديمقراطية وأساليبها، وموضوع حكم الحكام الحاكمين بغير ما أنزل الله وحكم أعوانهم وأنصارهم، وموضوع أحكام الديار وحكم عوام الناس بها"، وغيرها" (ضياء رشوان، "المصري اليوم"، 18/11/2007).

وهذه من أهم القضايا التي قام عليها "تيار الصحوة الإسلامية"، وكانت الأساس الذي أقام عليه المتطرفون في هذا التيار منهجَ المفاصلة في الداخل السعودي مع التيارات الفكرية المختلفة ومع الحكومة السعودية ومع العالم الخارجي.

ومن اللافت أن سيد إمام ينقلب في "مراجعته" الأخيرة التي أسماها "ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم" على كتابيه السابقين فيحاول تصحيح كثير "... من الأحكام التي وردت (فيهما) بخصوص الجهاد و"(كثير) من المخالفات الشرعية" التي شابته أثناء ممارسة بعض الجماعات الإسلامية له في سياق لجوئها إلى "الصدام مع السلطات الحاكمة في بلادها أو مع الدول العظمي ورعاياها باسم الجهاد في سبيل الله تعالي من أجل رفعة شأن الإسلام" ـ كما يقول في مقدمة الوثيقة" (رشوان).

وتجاوز انقلابه على ما ورد في كتابيه إلى الانقلاب على مسلمات المنهج "السلفي" التي كان ألفهما في ضوئها. ذلك أن من أبرز القواعد فيه أخذ ما ورد عن "السلف" بتسليم كامل، كما يبينه استدلال الدكتور إمام في الكتابين.

يقول في مراجعته:

"لا يجوز لغير المؤهلين شرعيا من أفراد الجماعات الجهادية تنزيل ما في بطون كتب السلف من أحكام مطلقة على واقعنا الحاضر، فالنصوص الشرعية (الكتاب والسنة) وإن كانت ثابتة لا تتغير، إلا أن فيها خيارات تناسب كل واقع وحال، وهذا لا يدركه إلا خبير بالشرع، وقد كتب علماء السلف كتبهم لزمان غير زماننا: كان للمسلمين فيه دار إسلام وخلافة وخليفة وتميز بين الصفوف وبين الناس بعضهم بعضا، المسلمون في دار الإسلام والكفار في دار الحرب، وفي دار الإسلام يتميز الذمي عن المسلم في المظهر، كل هذا لا وجود له الآن واختلط الناس، وهذا من الواقع المتغير المختلف الذي يوجب الاحتياط عند الاطلاع على كتب السلف وعند الحكم على الناس".

و: "لا تقبل قولاً أو فتوى من أحد خاصة في هذه المسائل الحرجة كالدماء والأموال إلا بحجة، والحجة هي الدليل الشرعي من كتاب الله تعالى أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم ثم الإجماع المعتبر والقياس الصحيح. أما أقوال العلماء وفتاواهم فليست حجة في دين الله وليست من أدلة الأحكام الشرعية المذكورة في كتب أصول الفقه. ومن هنا قالوا "إن كلام العلماء يُحتج له ولا يُحتج به"، ومعنى (يُحتج له) أي أنه مفتقر إلى الأدلة التي تثبت صحته. وإنما يستفاد من كلام العلماء إبراز حكم الله تعالى بالإرشاد إلى دليل المسألة وفهم معاني نصوص الشريعة وتوضيح غوامضها وجمع ما تفرق منها.

و: "أما من جاء بعد الصحابة ومنهم فقهاء المذاهب الأربعة، فكما قال ابن تيمية رحمه الله "وأما أقوال بعض الأئمة كالفقهاء الأربعة وغيرهم فليس حجة لازمة ولا إجماع باتفاق المسلمين، بل قد ثبت عنهم ـ رضي الله عنهم ـ أنهم نهوا الناس عن تقليدهم، وأمروا إذا رأوا قولاً في الكتاب والسنة أقوى من قولهم أن يأخذوا بما دل عليه الكتاب والسنة ويدعوا أقوالهم". وقال ابن تيمية أيضًا "أما التقليد الباطل المذموم فهو قبول قول الغير بلا حجة".

وقد اعترض على مضمون هذه الوثيقة بعض المتطرفين الذين وجدوا فيها ما يسحب الشرعية عن مواقفهم التي تتبنى العنف الذي يسمونه "جهادا". لكنها قوبلت بتأييد كبير من مختلف التوجهات المعتدلة، وأخصها من بعض الشخصيات التي تخلت عن العنف "الجهادي" منذ زمن.

ومن أهم هذه الشخصيات الدكتور ناجح إبراهيم "أحد منظري الجماعة الإسلامية المصرية وأبرز قادتها" الذي كتب مقالا بعنوان "تنظيم القاعدة.. دعوة للمراجعة"، نشر في "موقع الإسلام اليوم"، بتاريخ 9/11/1428.

ويدعو في هذا المقال منظمة "القاعدة" إلى مراجعة أهدافها واستراتيجياتها مشيرا إلى أحد "... المنظّرين الشهيرين لهذا التوسع الفظيع في التكفير (الذي تتبناه "القاعدة" وهو) الدكتور سيد إمام، المعروف بالدكتور فضل، الذي رجع (عن برنامجه الذي يماثل برنامج القاعدة) في وثيقته الشهيرة الأخيرة".

ومن المؤيدين للمراجعة أحد الحركيين الإسلاميين البارزين وهو أسامة رشدي الذي كتب في صحيفة "المصري اليوم" (23/11/2007) مقالا بعنوان "ملاحظات على هوامش المراجعات".

ومع تأييده للمراجعة إلا أنه ينتقد كتابات سيد إمام السابقة ويجادل ضد قوله بأنها ".. لم تكن سوى مجرد نقول لآراء العلماء أو مجرد أحكام مطلقة بل كانت عبارة عن تلبيس لكثير من الأدلة النقلية من بعض كتب العلماء وخلطها بآراء واجتهادات وتأويلات انتهت بفتاوى واستنتاجات وخلاصات متعسفة بل ومسفهة لما سواها من آراء علماء ودعاة وجماعات إسلامية أخرى بطريقة استعلائية وحادة في تطرفها.

"لم يكن مناسبا أن يعالج هذا الكم من فتاوى التكفير التي لا تزال قائمة بأسانيدها والتي وصمت ملايين المسلمين في مصر وخارجه بالكفر العيني مع إجراء أحكام الكفر عليهم، وذلك في أكثر من ألفي صفحة بالقطع الكبير؛ وذلك في بضعة سطور لم تتضمن البراءة الكاملة مما ورد في هذه الكتب.

"والحقيقة أنه يصعب في مقال أو مقالات عرض بعض جوانب الشطط التي تحتويها هذه الكتب التي لا تزال توزع مطبوعة أو على شبكة الإنترنت ولا تزال متاحة للمتحمسين من الشباب المتعطش للعلم الشرعي ولاسيما في هذا الوقت الذي تكالبت فيه المحن على أمتنا والذي شكل أرضية مناسبة لتقبل مثل هذه الآراء بما تحتويه من جرعات مكثفة في التكفير والتلبيس".

ويذهب إلى مدى أبعد فيطلب منه أن "... يعلن بكل وضوح عن التخلص من هذه الكتب التي يصعب تصويبها لتشعب القضايا فيها وتشعب كل قضية في أكثر من مبحث وفصل، بل أنصحه أن يوصي بحرقها ويعيد كتابتها إن أراد على أسس جديدة".

وتبين مراجعة د. سيد إمام عن مشكلة معرفية كبرى في الدراسات الإسلامية. ذلك أن بمقدور أي صاحب موقف أن يجد في التراث الإسلامي الضخم ما يسند موقفه. ويشهد بهذا السهولةُ التي يجد بها صاحب هذا الموقف نفسه، حين يغير موقفه، ما يسند موقفه الجديد من المصادر نفسها، كما فعل إمام.

ويعني هذا أن المشكلة تكمن في المصادر نفسها، كما تكمن في المتلقي لها. لذلك فإن هذه المراجع بحاجة إلى مراجعة شاملة تستفيد من الإنجازات العلمية المعاصرة في العلوم الإنسانية التي لا تكتفي بتصحيح نسبة النصوص إلى قائليها بل تتعدى ذلك إلى الكشف عن الأسس المعرفية والنفسية والاجتماعية والسياسية والتاريخية التي أثرت في صياغة تلك النصوص، وعن مشكلة التناقض بين الآراء التي قلما يسلم منها أي من هذه المراجع.

ويبدو أننا لسنا بحاجة الآن إلى ما يسمى بـ"تجديد الخطاب الديني" بقدر حاجتنا إلى أن نبدأ بنقد المراجع نفسها التي تشكل المواقف وتؤثر في المتلقين لها.

ويوجب هذا أن يقوم المنتمون إلى مختلف المذاهب الإسلامية الآن بهذه المراجعات الضرورية التي ستكشف عن الأسباب الحقيقية التي تؤسس لحالات التنافر والعداء المستحكم بين المسلمين الآن وتكاد تخنقهم.


أكاديمي وكاتب سعودي.

* نقلا عن جريدة "الوطن" السعودية.

 

ابحث

بحث متقدم