English

 

السبت. ديسمبر. 1, 2007

الإسلاميون » عمل مسلح

أرسل لصديق  

ملاحظات على هوامش المراجعات *

بقلم - أسامة رشدي

أسامة رشدي
أسامة رشدي

كنت ممن رحبوا في وقت مبكر بالمراجعات الفكرية لإخواننا من قيادات جماعة الجهاد في مصر، والتي أثمرت وثيقة ترشيد العمل الجهادي للدكتور سيد إمام، وذلك بالنظر لأهمية الرجل الذي تعد كتبه وخاصة كتابه "الجامع في طلب العلم الشريف" بمثابة "المنفستو" لبعض الجماعات الجهادية والتي اعتمدت عليها في تبرير الكثير من الجرائم التي كانت لها انعكاسات سلبية على الجهاد الشرعي والعمل الإسلامي. وبعد نشر الوثيقة على حلقات وجدت أن الدكتور إمام قد أشار في الحلقة الأولى وبشكل مقتضب لكتبه السابقة على شكل تنبيه بسيط تضمن أنه ليس عالما ولا مفتيا ولا مجتهدًا في الشريعة، وما في كتبه ليس من باب الفتوى وإنما هو مجرد نقل العلم إلى الناس. .. وأن كل ما في كتبه من أحكام شرعية هي من باب الحكم المطلق وليست من باب الحكم على المعينين.

وفي تقديري أن هذا الاستهلال لم يكن مناسبا أو متوافقا مع حجم المشكلة التي أحدثتها هذه الكتب بالفعل من اضطراب واسع في ساحة العمل الإسلامي والجهادي في أماكن مختلفة.

فليس حقيقيا أن هذه الكتب لم تكن سوى مجرد نقول لآراء العلماء أو مجرد أحكام مطلقة بل كانت عبارة عن تلبيس لكثير من الأدلة النقلية من بعض كتب العلماء وخلطها بآراء واجتهادات وتأويلات انتهت بفتاوى واستنتاجات وخلاصات متعسفة بل ومسفهة لما سواها من آراء علماء ودعاة وجماعات إسلامية أخرى بطريقة استعلائية وحادة في تطرفها.

لم يكن مناسبا أن يعالج هذا الكم من فتاوى التكفير التي لا تزال قائمة بأسانيدها والتي وصمت ملايين المسلمين في مصر وخارجه بالكفر العيني مع إجراء أحكام الكفر عليهم، وذلك في أكثر من ألفي صفحة بالقطع الكبير؛ وذلك في بضعة سطور لم تتضمن البراءة الكاملة مما ورد في هذه الكتب .

والحقيقة أنه يصعب في مقال أو مقالات عرض بعض جوانب الشطط التي تحتويها هذه الكتب التي لا تزال توزع مطبوعة أو على شبكة الانترنت ولا تزال متاحة للمتحمسين من الشباب المتعطش للعلم الشرعي ولا سيما في هذا الوقت الذي تكالبت فيه المحن على أمتنا والذي شكل أرضية مناسبة لتقبل مثل هذه الآراء بما تحتويه من جرعات مكثفة في التكفير والتلبيس.

ويكفي أن نستعرض بعض ما تضمنه كتاب الجامع في طلب العلم الشريف عن قضية العمل السياسي أو الانتخابات أو البرلمان أو القضاء أو الإعلام كمثال لندرك إن الأمر لا يزال في حاجة ماسة لعلاج قاطع من الدكتور إمام لن تكتمل المراجعات بدونه.

فعندما أفتى الشيخ ابن باز –رحمه الله- مفتي المملكة العربية السعودية  بأنه: (( (لاحَرَج في الالتحاق بمجلس الشعب) وذلك رداً على سؤال حول شرعية الترشيح لمجلس الشعب، وحكم الإسلام في استخراج بطاقة انتخاب بنيّة انتخاب الدعاة والإخوة المتديّنين لدخول المجلس، واستدلال فضيلته بقوله (إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيّات وإنما لكل امرئ ما نوى» لذا فلا حرج من الالتحاق بمجلس الشعب إذا كان المقصود من ذلك تأييد الحق وعدم الموافقة على الباطل لما في ذلك من نصر الحق والانضمام إلى الدعاة إلى الله. كما أنه لا حرج كذلك من استخراج البطاقة التي يستعان بها على انتخاب الدعاة الصالحين وتأييد الحق وأهله))

قال الدكتور إمام في تعليقه على ذلك في الجامع: ((قلت: هذه الفتوى خطأ، لما نقلناه عن الغزالي من أن المعاصي لا تباح بالنيّة، والكفر أكبر المعاصي، والالتحاق بمجلس الشعب كفر فلا يُباح بالنيّة. فمجلس الشعب هو وسيلة تطبيق النظام الديمقراطي)) وخلص بعدها الدكتور إمام إلى أن ((أن المشاركة في هذه البرلمانات بالترشيح أو الانتخاب من الكفر الأكبر، وإذا كنا قد قلنا إن المعاصي لا تُباح بالنيّة وإنما بدليل خاص من الشريعة، فالكفر أشد من المعاصي وأكبر، فلا يُباح لا بالنية ولا للضرورة ولا للمصلحة، فالقول بالمصلحة وإن تحققت شروطها الشرعية إنما هو اجتهاد، ولا اجتهاد في مورد النص))

وأضاف بعد ذلك: ((وأقول: إن أعضــاء هذه البرلمانـات الشركيـة يكفرون وإن لم يشاركوا في وضع التشريعــات المخالفة للشريعة، لأن قبولهم بعضويتها هو إقرار بوظيفتها، ومن أقر الكفر كفر، وأيضا لقوله تعالى (إنكم إذا مثلهم) النساء 140، وقبل هذا وذاك فإن ترشحهم لعضوية البرلمانات هو تحاكم منهم باختيارهم للطواغيت المسماة بالدساتير القاضية بتشكيل هذه البرلمانات والملزمة بوظيفتها الشركية، ومن تحاكم إلى الطاغوت باختياره كفر، أما الذين ينتخبونهم لعضوية البرلمانات فيكفرون أيضا، لأن انتخابهم هذا هو في حقيقته اتخاذُ أربابٍ من دون الله، كما أنه في مضمونه إقرار بوظيفة البرلمانات التشريعية المطلقة، وهذا كله من الكفر الصريح الذي دلت عليه النصوص السابقة ونحوها، فلا ينظر فيه إلى قصد فاعله كمن يزعم أن نيته الدعوة إلى الله أو الاطلاع على أسرار الحكومة وغير ذلك، مادام قد قصد الفعل المكفر نفسه وهو الترشيح أو الانتخاب فهو كافر دون النظر إلى قصده القلبي، كما ذكرته في شرح قاعدة التكفير في مبحث الاعتقاد.))

وأضاف في موضع آخر: ((أما الذين يدعون المسلمـين للمشاركــة في هذه البرلمانات الشركية بالترشيح لعضويتها أو بانتخاب أعضائها، سواء دعوا إلى ذلك صراحة أو تحت مسميات أخرى كالعمل السياسي أو الدعوة إلى الله، يكفرون بذلك  أيضا وإن لم يشاركوا في الترشيح أو الانتخاب، إذ لم يختلف العلماء في كفر الداعي إلى الكفر))

وأضاف: ((ينبغي أن يكون معلـوماً لكل مسـلم أن الوسائل لها نفس أحكام المقاصد، فإذا كانت الديمقراطية كفراً أكبر، فوسائلها لها نفس الحكم، ومن وسائلها تكوين الأحزاب ودخول البرلمانات والمشاركة في انتخاب أعضائها، فلا يحل لمسلم المشاركة في شيء من هذا ولا يحل له أن ينتسب لحزب قائم بموجب الدساتير العلمانية.

ويضيف: ((ومن هؤلاء الكافرين: الحاكمين بالقوانين الوضعية كالقضاة ومن في حكمهم، والمشاركين في تطبيق الديمقراطية كرجال الأحزاب السياسية وأعضائها وأعضاء البرلمانات والذين ينتخبونهم، ومن الكفار أيضا الجنود المدافعون بأنفسهم عن هذه الأنظمة الكافرة، والمدافعون عنها بألسنتهم وأقلامهم كل هؤلاء كفار، يجب أن يقال لهم ذلك لعلهم يفيئون أو بعضهم، وحتى تتميز الصفوف))

فنحن إذن أمام كم من التكفير غير مسبوق لم يستثن حتى الملايين من الناس بزعم أنهم ينتخبون أعضاء البرلمان، ثم بعد ذلك هل يكفي القول أنه "لا يجوز لأحد أن ينشر شيئًا من كتاباتي إلا بإذني"

وإذا علمنا أن الدكتور سيد إمام يعني الكفر الأكبر  بكل ما تعنيه هذه الكلمة من توصيف وأحكام حتى أنه في كتابه يسفه ما ذهبت إليه بعض الجماعات والعلماء من ضوابط تتعلق بتكفير أعيان المسلمين، ويخلص في كتابه في الموضع الأول في مبحث الاعتقاد والذي بحث فيه أخطاء التكفير حيث رفض ما وصفه: ((اشتراط بعض المعاصرين للجحد أو الاستحلال كشرط مستقل للتكفير بالذنوب المكفرة،)) وانتهي إلى أنه: ((قد تبيّن لك أن هذا بخلاف ما دلّ عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، بل قد تبيّن لك أن السّلف قد كفروا من قال بهذا الشرط لامتناعهم عن تكفير من قام الدليل على كفره.)) وهذه فقط مجرد أمثلة لعدد كبير من القضايا التي بحثت هذه الكتب وخلصت فيها إلى أفكار خطيرة ولا سيما وأننا لا نتحدث عن مجرد فكر بل أيديولوجيا تجد من يطبقها.

ومن هنا فإن الحديث عن الكتابات السابقة كان يحتاج في رأيي لبعض الحزم والتفصيل ومن ذلك إعلان البراءة من هذه الكتب، ومما ورد فيها من أفكار ومطالبة الشباب بعدم نشرها وطبعها وتوزيعها، كما فعل عندما قامت جماعة الجهاد بطبع كتابه بعد اختصار بعض ما ورد فيه من تكفير للجماعة الإسلامية أو الجبهة الإسلامية للإنقاذ والإخوان المسلمين مما دفعه لكتابة مقدمة شديدة ضد جماعته السابقة، وألزم كل من يوزع كتبه بتوزيعها كاملة وبعدم حذف هذه المقدمة من صدارة كتابه.

إن تسليط الضوء على خطورة أفكار الدكتور إمام القديمة لا يقلل من ترحيبي بمراجعاته وأملي في أن يصغي لملاحظتي  وذلك ليس إرضاء لأحد على وجه هذه الأرض، ولكن مرضاة لله عز وجل وذبا عن دينه الذي حُمل أوزار بعض أبنائه من المتنطعين، والفقير لعفو ربه كاتب هذه السطور لا يدعي الحكمة بأثر رجعي بل طلبنا هذا مرارا من إخواننا في حينه، وكان لنا السبق في استشراف نتائج مثل هذا الفكر على الإسلام وشريعته ودعوته والجماعات العاملة له، وقد واجهنا أصحابه في حينه بخطورة مثل هذه الفتاوى، وبين يدي وأنا أكتب هذه السطور رسالة بخط يد الأخ أبو مصعب السوري –فك الله أسره- مؤرخة بتاريخ 17 يونيو 1995 وقد أرسلها لنا بعد سلسلة من النقاشات واللقاءات والمواجهات كانت مع كاتب هذه السطور ومع بعض إخواننا في حينه على خلفية رفضنا وإنكارنا لفكر وممارسات الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر والتي كان أبو مصعب السوري بمثابة سفيرهم المتجول في أوروبا، وفي رسالته الشديدة والمطولة يحدد مآخذنا عليهم ويرد عليها، فيقول في رسالته أن المأخذ الأول لنا هي: ((تكفير المعينين من أعوان الطائفة العاملة مع النظام المرتد في الجزائر)) . . ثم يرد على هذه النقطة في رسالته المكتوبة ويقول: ((أما الأولى فعقيدة الأخوة تحديدا هي عقيدة تنظيم الجهاد في مصر وكثير من التنظيمات الجهادية الأخرى وأنا منهم، فنحن نرى كفر الطائفة .... ويضيف وقد أخذوا منهجهم ونشرته الجماعة بالنص من كتاب العمدة)).

فكتاب العمدة وبعدها الجامع كانوا حاضرين في الجزائر وغيرها للأسف ، ولا يمكن التقليل من خطورة هذه الجرعات الكبيرة من التكفير والإباحة والاستحلال التي تمتلئ بها هذه الكتب مما يتطلب معالجته بشكل حاسم حتى يمكن بناء هذه المراجعات على أساس صحيح.

والفرصة متاحة اليوم أمام الدكتور سيد إمام في إطار ما يحظى به مبحثه عن ترشيد العمل الجهادي من تغطية إعلامية مهمة، ومن دعم وتأييد من قطاعات واسعة من المجتمع، ليعلن بكل وضوح عن التخلص من هذه الكتب التي يصعب تصويبها لتشعب القضايا فيها وتشعب كل قضية في أكثر من مبحث وفصل، بل أنصحه أن يوصي بحرقها ويعيد كتابتها إن أراد على أسس جديدة.


قيادي إسلامي مقيم بالخارج.

* نشر في صحيفة المصري اليوم.

 

ابحث

بحث متقدم