|
أثارت الحلقات المنشورة حتى اليوم من "وثيقة ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم" للدكتور سيد إمام الشريف نقاشا مهما في أوساط النخبة المصرية حول عديد من القضايا الفكرية والعملية المرتبطة بها، من بينها تأثيراتها المتوقعة ومعها مجمل عملية المراجعات التي تقوم بها حاليا جماعة الجهاد وسبقتها إليها الجماعة الإسلامية علي الأوضاع الأمنية في مصر. فقد رأي بعض المتحاورين في الوثيقة خصوصا والمراجعات عموما خطوة شديدة الإيجابية نحو مزيد من حماية مصر من عمليات العنف والإرهاب ذات الطابع الجهادي، بينما ذهبت آراء أخري إلي أنها بما أتت به من أفكار تتحدي رؤية الحركات الجهادية الدولية سوف تكون وبالا علي البلاد، حيث ستدفع أكبرها وأخطرها وهو تنظيم القاعدة بزعيمه أسامة بن لادن ونائبه أمير جماعة الجهاد السابق أيمن الظواهري إلي استهداف مصر بعمليات إرهابية ستقع عما قريب. وقد بدا ملفتا أن بعضا من أصحاب هذا الرأي أنفسهم قد جزموا بأن الوثيقة لم تحو جديدا مخالفا لما خطه مؤلفها من قبل في مؤلفيه الكبيرين "العمدة في إعداد العدة" و"الجامع في طلب العلم الشريف" المؤسسان لفكر وممارسات العنف الجهادي، فهي حسب تصورهم تحمل نفس آراء مؤلفها المتطرفة القديمة بعد أن التف عليها بالصياغة اللغوية وبعض الأحكام الفرعية المؤقتة بينما ظلت أحكامه العامة القديمة كما هي بدون أي تغيير يذكر.
والحقيقة أن مناقشة هذا الرأي تستلزم قبل كل شيء التأكيد علي أن أحدا لا يستطع ـ سواء كان باحثا أو سياسيا أو مسئولا أمنيا ـ أن يطلق حكما يقينيا بأن مصر سوف تشهد أو لا تشهد عمليات إرهابية من جانب تنظيم القاعدة خلال الفترة القادمة، فهذا يفوق معرفة أي منهم بالمستقبل وقدرته علي مثل هذا التوقع الذي لا يخطئ. أما ما يدخل ضمن المعرفة والقدرة فهو التوصل لتوقعات لهذا الأمر تصل إلي درجات عالية من دقة الاحتمال أكثر من غيرها دون نفي إمكانية خطئها بنسب مختلفة. وقبل الدخول في المعايير التي يمكن بها القول بدرجة أعلي من الترجيح بأن القاعدة لن تكون قادرة علي استهداف مصر نتيجة لوثيقة الترشيد وعملية المراجعات، فمن اللازم الانتباه إلي التناقض الهيكلي الذي يحمله الرأي القائل ببقاء الوثيقة وصاحبها علي أحكامهم العامة السابقة تجاه الدولة والحكومة والمسلمين وأهل الكتاب وطبيعة الجهاد، وفي نفس الوقت توقع أصحابه قيام القاعدة بضربات في مصر انتقاما من ذلك. فلماذا تغضب القاعدة من وثيقة لم تخرج في أحكامها العامة، التي لم يكتشفها سوي أصحاب هذا الرأي، عما تعتنقه هي سواء فيما يخص كفر الحكام والحكومات في البلاد المسلمة أو اعتبار هذا البلاد دارا للحرب أو التعامل مع أهل الكتاب كمحاربين أو الاحتفاظ بالجهاد كأولوية والتوقف عنه مؤقتا لعدم القدرة؟ وفق هذه الرؤية، فالعكس تماما هو المتوقع من القاعدة، وهو أن تحيي الدكتور سيد إمام مؤلفها وآلاف الموقعين عليها من إخوانه الجهاديين السابقين علي "ثباتهم علي العهد" وخداعهم للجميع بما أتي فيها من أحكام تفصيلية مراوغة انطلت علي الأغلبية من المتابعين والمهتمين ومعهم وقبلهم مسئولي الأمن وعلماء مجمع البحوث الإسلامية الذين راجعوها.
أما عن تأثير الوثيقة والمراجعات الجهادية عموما علي أمن البلاد واستقرارها، فإن اكتشاف أبعاده المستقبلية يحتاج أولا إلي طرح سؤال يتعلق بالماضي القريب: ماذا لو؟ أو نظرية "السيناريو البديل". فالتساؤل ببساطة قد تكون غابت عن القائلين بأنه لا تأثير يذكر: ماذا كان يمكن أن تشهده مصر لو ظلت الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد بالآلاف من أعضائهما محتفظتين برؤيتهما الجهادية العنيفة في الوقت الذي اجتاحت العالم الأفكار والحركات الجهادية السلفية التي تحتذي فكر ونموذج القاعدة بعد هجمات11 سبتمبر وخصوصا بعد الاحتلال الأمريكي للعراق؟ الإجابة واضحة ولا تحتمل التردد: مئات العمليات الإرهابية ومئات بل وأكثر من الانتحاريين الجاهزين لتفجير كل شيء وأي شيء، ففتوى جواز الانتحار سبقت إليها ومارستها جماعة الجهاد عام1993 وكانت ستنتقل إلي الجماعة الإسلامية مع بقية أفكار القاعدة بدون شك، في ظل تلك الظروف. لم يحدث شيء من ذلك في مصر طوال السنوات العشر السابقة بما فيها تلك التي تلت هجمات سبتمبر واحتلال العراق، ولم يشهد واديها المكتظ بأكثر من99% من شعبها سوي عملية إرهابية صغيرة واحدة أوقعت ثلاثة قتلي عام2005، بينما عرفت أقصي حدودها الشرقية ثلاث عمليات كبري في طابا وشرم الشيخ ودهب لا يزال الغموض يلف حقيقتها حتى اليوم، والمؤكد الوحيد فيها عدم تورط أي جهادي سابق من الجماعة أو الجهاد فيها. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا في ظل ذلك هو: هل هناك شيء آخر حمي البلاد من هذا' السيناريو البديل' المدمر غير المراجعات التي قامت بها الجماعتان؟ في الوقت الذي تلاحقت العمليات الإرهابية وانتشرت المجموعات الجهادية في البلدان العربية من أبعدها عن مصر في المغرب العربي إلي أقربها إليها في الأردن والسعودية ولبنان.
وبالعودة إلي مقولة أن القاعدة قادمة إلي مصر بسبب غضبها من وثيقة الترشيد، فلابد أولا من التنبيه إلي أن اهتمام القاعدة بمصر لم يكن ينتظر هذا الغضب، فهي من ناحية البلد الأكبر في العالم العربي والتي يؤثر ما يجري بها علي غالبية بلدانه، وهي من ناحية ثانية البلد الذي ينتمي إليه عديد من قيادات القاعدة العليا وفي مقدمتهم نائب زعيمها أيمن الظواهري الذي يذكرها في أكثر من60% من خطبه وكلماته خلال الأعوام الأخيرة. ولا شك أن القاعدة لهذه الأسباب العامة والخاصة قد حاولت مرارا أن تخترق مصر خلال السنوات الأخيرة، إلا أنها فشلت تماما في ذلك وهو ربما ما يزيد من مرارة نائب زعيمها الذي يري أفكار تنظيمه ونماذجه الحركية تتسرب إلي كل البلدان عدا بلده الأصلي. وحتى تفجيرات سيناء الثلاثة الإرهابية، بالرغم من تشابه أسلوبها وأهدافها مع ما تفعله وتروجه القاعدة، فلم يصدر عن نائب زعيمها المتشوق لاختراق بلده خلال نحو أربعين مرة تحدث فيها منذ التفجير الأول في أكتوبر2004 أي إشارة إليها وكأنها لم تحدث، مما يؤكد تيقنه من أنها ومنفذيها منبتي الصلة بتنظيمه فكرا ونموذجا. وحتى الادعاء الإعلامي الذي قام به عضو الجماعة الإسلامية السابق محمد خليل الحكايمة قبل أكثر من عامين بتشكيل ما أسماه "قاعدة الجهاد في أرض الكنانة" ظل تنظيما "إفتراضيا" علي شبكة الإنترنت لا وجود له علي الأرض المصرية، فضلا عن أن إعلانه نفسه قد خالف كل الإعلانات التي قامت بها الفروع "الحقيقية" للقاعدة سواء في العراق أو السعودية أو الجزائر والتي أتت في ظل عمليات إرهابية فعلية قام بها أعضاؤها.
وتبقي أخيرا الحقيقة التي أثبتتها الغالبية الساحقة من الأحكام والتحقيقات القضائية حول العمليات الإرهابية التي وقعت خلال السنوات السابقة في عديد من البلدان وفقا لنموذج القاعدة، وهي أنه لا علاقة بالتنظيم الأصلي الذي يقوده بن لادن والظواهري بأي منها، وأنها كانت من تخطيط وتنفيذ جماعات ومجموعات محلية "استوردت" فكره ونموذجه. فليس هناك من قيادة مركزية للقاعدة علي مستوي العالم لكي تخطط أو تستهدف داخل مصر أو غيرها من البلدان، ولم يعد في مصر بعد مراجعات الجماعة الإسلامية والجهاد من يمكن أن يستوحي أفكار القاعدة وينفذ نموذج عملياتها الإرهابية، فكيف بعد كل ذلك يمكن القول بتلك الدرجة الهائلة من الثقة بأن القاعدة سوف تضرب مصر انتقاما من مراجعات جهادييها السابقين؟.
*نقلا عن جريدة الأهرام
|