|
فجَّرت مراجعات الدكتور سيد إمام- الأمير السابق لتنظيم الجهاد- من محبسه في مصر الكثير من الجدل حول حقيقة التغيير الفكري لإحدى أهم الجماعات تبنيا للتكفير والعنف.
وتكتسب المراجعات أهمية خاصة؛ نظرًا لأنها صادرة عن منظر الفكر الجهادي، وقد فطن الرجل لطعن البعض في صدقية المراجعة لأنها خارجة من السجن، وأن الطعن فيها سيكون من رفاق الطريق وإخوان الجهاد؛ لذا صدّر مراجعته "ترشيد العمل الجهادي" بالقول: "إنه ليس صحيحا أن كل ما يخرج من السجن فهو باطل، بل يجب النظر في دليل الكلام دون النظر في مكانه".
فرد عليه رفيق الجهاد أيمن الظواهري قائلا: "إن هناك من يتراجعون من داخل السجن ويقولون إن ابن تيمية أنتج كتبه وابن حنبل من داخل السجن، وعليه فلا شيء في هذا. ونحن نقول لهم: إن ابن تيمية وابن حنبل لم يتراجعا عما كتباه داخل سجنهما".
أما هاني السباعي -الجهادي السابق المقيم في لندن- فنفى المصداقية عن الوثيقة لأنها وليدة القضبان، وأن الولادة شهدت نوعًا من الإكراه، وإكراه الترغيب أشد من إكراه الترهيب.
الجدل حول مصداقية ميلاد المراجعة داخل السجن لن يتوقف؛ فمحل الميلاد يلقي بظلال الشك على شرعية الأفكار والتحولات، باعتبارها مولودة وراء القضبان، والسجين ناقص الإرادة.
لكن تبقى إشكالية لماذا السجون هي التي شهدت ولادة التكفير والعنف، وولادة المراجعات، رغم أن كلا المشهدين عنوان لأزمة؟.
ميلاد التكفير السجون المصرية قديمة في وجودها وعريقة من حيث الأسماء التي دخلتها، أما مولد التكفير فيها فظهرت بوادره قبيل منتصف الستينيات ولم تظهر في فترة الخمسينيات رغم أن الصدام كان شديدًا بين الإخوان والرئيس عبد الناصر؛ نظرًا لأن قضية الخلاف انحصرت في الجانب السياسي، رغم التعذيب في السجون.
أما في منتصف الستينيات فلم تكن الضغوط البشعة التي مورست على المعتقلين في السجون كافية وحدها أن يلج مجموعة من الشباب باب التكفير، وهنا يتجلى تشابك العلاقة بين أفكار السجون وبين ما يجري في المجتمع.
فالإخوان الذين خرجوا من السجون عام 1964 أدركوا أن هناك مجتمعًا مختلفًا عن الذي تركوه عام 1954، مجتمعا يشهد موجة تغريب كبيرة للغاية، تغريب ترعاه بعض الأجهزة والقيادات في الدولة، وأن الفكر الاشتراكي والقومي أصبح أيديولوجية للدولة.
كان هذا التحول يعني أن الصراع بين ناصر والإخوان تجاوز المجال السياسي إلى الأيديولوجي، وأن ما يقوم به النظام ليس تغييبا للإخوان كمنافس سياسي، وإنما كخصم أيديولوجي.
وفي ظل هذا الصراع فإن الطريق الثالث يكون غائبا، ويكون الصراع على الإطار العام الذي تنصهر فيه الدولة والمجتمع.. وبالتالي من الممكن أن نتفهم ما كتبه "سيد قطب" في هذا الإطار؛ فأفكار المفاصلة والمجتمع الجاهلي والطليعة المؤمنة...الخ هي رد فعل طبيعي لحملة التغريب التي أخذت تتحكم في النظام ومؤسسات الدولة.
وفي تلك الفترة بدأت أفكار الحركة الإسلامية الهندية تتسرب إلى الفكر المصري بعدما تأثر سيد قطب بأفكار "أبو الأعلى المودودي"؛ فالدين الإسلامي كان هو الهوية التي انسلخت على أساسه باكستان عن الهند، فكان الإسلام دينا وهوية معا لها.
هذا التلاقح الفكري كان لا بد أن يخلق رؤية عقائدية واضحة لدى التيار الذي يواجه التغريب، ويصارع على الإطار العام الذي يشكل المجتمع ليكون إما إسلاما أو لا إسلاما.
هذه الفكرة أخذت تنضج في السجون تحت الظروف القاسية، وأن ما يقاسونه هو بسبب الإسلام فقط وليس بسبب الخلاف السياسي؛ لذا نما التكفير لدى الشباب الصغير الذي لم يدرك القضية منذ بداياتها.
ومن ثم كانت محاولات الإنبات القسري من جانب الدولة للتغريب، وللقومية المجافية للدين في البيئة المصرية أمرًا غير يسير في بيئة لم تتخل عن الدين ومحوريته في حياتها منذ آلاف السنين؛ لذا كان متوقعا أن تفرز البيئة مضادات عنيفة لهذه الزراعة القسرية؛ فالتغريب في المجتمع تم مواجهته بالتكفير في السجون.
لكن هذا التكفير الذي ولد في السجون لم يتحول إلى العنف، إلا بعد حرب أكتوبر 1973 تحديدا حيث بدأت أولى الخلايا الجهادية الفعلية تتشكل وتصطدم بالنظام فيما عرف بحادث الفنية العسكرية عام 1974.
ميلاد العنف
أما ما يتعلق بميلاد العنف في السبعينيات فتداعيات هزيمة 1967 كان لها أثرها على النظام والمجتمع المصري؛ فشرعية النظام اهتزت، وضعف النفوذ المعنوي له، وعند هذه النقطة لا بد أن تكون البيئة صالحة لإفراز المعارضة السياسية بكافة أطيافها، لكن المعارضة في الفترة الناصرية لم تشكك في وطنية النظام أو في صيغه العامة في النهوض، فظل النظام محتفظا بقوة أدواته السلطوية في الهيمنة على المجتمع والدولة، بل إن الهزيمة ركزت السلطة في يد عبد الناصر بعد تخلصه من المشير عبد الحكيم عامر، واستطاع النظام استعادة سماته السابقة في ظل أوضاع جديدة.
لكن تركز السلطات في يد فرد لا بد أن يقود إلى التفكك في غيابه، وهو ما حدث عند وفاة ناصر، وحاولت القيادات المناوئة للسادات توسيع حالة التفكك في مؤسسات الدولة، غير أن رسوخ فكرة الدولة المصرية ومحورية دور القائد فيها أعطى السادات قوة وشرعية كبيرة في تحقيق التماسك بسرعة بعد الضربة التي وجهها لمناوئيه فيما عرف بثورة التصحيح 1971، ثم دعم هذا التماسك بإنجاز أكتوبر 1973.
أما المجتمع فكان له شان آخر؛ فبعد انتصار أكتوبر وخفوت الخطاب الوطني عن الاستقلال والاستعمار، والتراجع والانسحاب التدريجي للدولة من دورها الاجتماعي، وسعي النظام الساداتي لتغيير صيغ النهوض في المجتمع، واتباع سياسة الانفتاح الاقتصادي، والشكوك في وطنية النظام بعد معاهدة الصلح مع إسرائيل.. كل ذلك كان بيئة مواتية لتأسيس العنف وفق رؤى أيديولوجية.
وجاء اغتيال السادات أشبه بالانتصار الذي حققته الجماعات الجهادية، وكما يقول أحد المشاركين في الاغتيال: "لقد كانت أكبر خسائر عملية اغتيال السادات هي نجاحها.. ذلك أن النجاح يصور لصاحبه أنه على صواب".
ولذا لم يكن متوقعًا أن تؤدي السجون إلى مراجعة فكرية وفقهية؛ لأن غالبية القائمين على العمليات الجهادية لم يكن لهم إطار فكري من إنتاجهم يؤصل مواقفهم الشرعية، كما أن غالبية المجموعات الجهادية كانت تجهل بعضها بعضا، ولم تتعرف على بعضها إلا داخل السجون.
فالجماعة الإسلامية لم يكن لها أي أدبيات خاصة قبل دخولها السجون؛ فأولى أدبياتها وهو "ميثاق العمل الإسلامي" صدر 1984 إضافة إلى كتاب "حتمية المواجهة" و"حكم الطائفة الممتنعة"، وترافق في السجون مع التأليف حركة تعليم وتدريب وتثقيف مكثفة للأعضاء على هذا المنهج الجديد.
كما تزامن التأليف مع خروج أعضاء الجماعة من ذوي الأحكام المخففة، وكانت الإستراتيجية التي بنتها الجماعة في سجنها أن يقوم ذوو الأحكام المخففة (3 سنوات) عقب خروجهم بالدعوة إلى فكر الجماعة، ثم يخرج ذوو الأحكام المتوسطة (5 سنوات) وتكون مهمتهم إيجاد هيكل تنظيمي للجماعة، أما المجموعة الثالثة (7 سنوات) فتكون مهمتها تأسيس الجناح العسكري، أي أن الجماعة كانت تخطط وهي في محبسها أن يكون لها ذراع عسكري مع عام 1988، ونجحت في ذلك.
إلقاء السلاح والأفكار
بعد المواجهات الدامية في نهاية الثمانينيات والنصف الأول من التسعينيات من التنظيمات الجهادية وعلى رأسها الجهاد والجماعة الإسلامية، أصبحت غالبية الجماعة الإسلامية داخل السجون ومن بقي منها في الخارج كان مطاردا أو رحل إلى أفغانستان.
عانت قيادات الجماعة الإسلامية بعد سنوات من السجن من التضييق الشديد عليها، وخفوت نشوة الإحساس بالانتصار بقتل السادات وتراجع غواية النجاح، والنضوج الذي لحق بالقادة التاريخيين للجماعة سواء بفعل السن والتجربة والقراءة أو الإدراك الجيد للواقع بتركيبيته، وخفوت حلم إنشاء الدولة الإسلامية، مما جعلهم يدركون خطورة العنف على مستقبل الجماعة نفسها.
لكن عنف السجن وقسوة التعامل الأمني معهم حال دون أن يأخذ العقل فرصته للتفكير والمراجعة، وكما يقول أسامة حافظ أحد قياداتها: "لو كنت في سجن ليس فيه تعذيب لنظرت إلى المراجعات بشكل مختلف، وأنا لم أفكر في المراجعات إلا حين نقلت إلى سجن ليس فيه من هذا شيء، إن الذي يُعذب في السجن لا يمكن أن يقبل المبادرة".
والواقع أن القيادات التاريخية في السجون تركت مساحة شاغرة لصفوف أخرى لا تتمتع بثقلها، حتى إن بعض الفتاوى كانت تؤخذ من السجن من خلال العين، وهي فتاوى تتعلق بالدماء، وهي سابقة لم يعرف لها الفقه الإسلامي مثيلا، فتوى تؤخذ من شخص بإشارة عينيه وهو في محبسه تتعلق بدماء!!.
لكن انجرار الجماعة إلى العنف جر عليها مشكلات أدركها القادة التاريخيون وهم في سجنهم، وأدركوا أن حلم التغيير من خلال القوة قد تبدل إلى مواجهات ثأرية عنيفة لا طائل منها.
وعندها بدأت القيادات تدرك الواقع بطريقة مختلفة عن السنوات السابقة، واتضح لها أن المستقبل بلا أفق، وأن هناك تجاوزات شرعية جسيمة ارتكبت خلال العنف الذي قامت به الجماعة، كل ذلك كان لا بد أن يقود إلى مراجعة؛ فمنظومة العنف والتكفير بدأت تتخلخل، والواقع أصبح يُدرك من منظور جديد، وهو ما استدعى تأسيس منظومة فكرية وفقهية جديدة.
فالدين أصبح موجودا في المجتمع، والنظام يستدعيه باستمراره لتأكيد شرعيته، واستبعاد الدين من المنظومة المجتمعية متقلص، أما الموجود -حاليا- فهو استبعاد الإسلاميين الذين ينافسون على السلطة، ومن هنا رجع الصراع إلى مجاله السياسي، وحالة الاستقطاب في المجتمع المصري لم تعد على أساس أيديولوجي، بل على أساس سياسي حتى وإن رفع الشعار الديني.
كذلك اتساع إدراك القيادات الجهادية لقضية التغيير، فلم تعد الدولة هي المدخل للأسلمة، وتصاعد مدرك الدعوة الحسنة لأسلمة المجتمع، كما تراجع فكر اقتلاع الحكومات الكافرة الطاغوتية، إلى فكر إصلاح المجتمعات المسلمة.
كما أن الجماعات الجهادية أدركت في سجونها أن طبيعة الشخصية المصرية لا تتماشى مع المشاريع التثويرية، وأنه إذا نجح الجهاديون في فترة ما في تجنيد عناصر شبابية في إطار مشروعهم لإقامة الدولة الإسلامية، فإن ذلك خضع لظروف معينة لم تعد موجودة في الوقت الراهن؛ لذا جاءت المراجعة من داخل السجن؛ ففي السجن نضجت المراجعات، وتم التسويق لها داخله من خلال تحسين معاملة السجناء ووقف الانتهاكات غير الإنسانية معهم، وإتاحة الفرصة للقيادات التاريخية سواء في الجماعة الإسلامية أو الجهاد أن تلتقي بقواعدها وأن تؤصل موقفها الجديد على رؤية شرعية فقهية يمكن من خلالها وقف العنف.
كما أن ضغط الإحساس بأن المراجعة هي نوعية من الخيانة لدم الشهداء بدأ يحل مكانه الحفاظ على حياة من في السجون وخارجها وألا يدخلوها في حرب مفتوحة مع النظام ستؤدي إلى إبادتهم وفنائهم، وهنا أخذ إدراك فقهي مقاصدي يؤطر لموضوع المراجعة يراعي حفظ الدين والنفس معا.
مدير تحرير النطاق الثقافي بشبكة "إسلام أون لاين.نت".
*المصدر وسطية أون لاين.نت
|