|
| هل يتحكم الناخب بالنتائج؟ |
رغم أن التيار الإسلامي الأردني حصل في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت في 20 نوفمبر الجاري 2007 على نتائج هزيلة تمثلت في ستة مقاعد فقط من 22 مقعد تنافس عليها، من أصل 110 مقعدا في البرلمان عموما، مقارنة بـ 17 مقعدا في المجلس النيابي السابق عام 2003، فالحقيقة هي أن هذا الفوز الضعيف يعتبر انتصارا لو أخذنا في الاعتبار أن هناك سياسة عربية عامة بدأ تنفيذها بالتفاهم غير المباشر مع الولايات المتحدة -عقب انهيار مشروع بوش الديمقراطي للمنطقة- تقوم على تحجيم الإسلاميين سياسيا.
بين الفوز والهزيمة
مع هذا فقد أثارت هذه الهزيمة وهذا التراجع -الذي يعتبر أول تراجع للإسلاميين في انتخابات عربية منذ فوز حماس 2004 وفوز إخوان مصر 2005 وغيرهم 2006- تساؤلات أخرى حول ما إذا كان حزب "جبهة العمل الإسلامي" -الجناح السياسي للإخوان المسلمين وأكبر تجمع سياسي أردني- قد تحمّل عبء ما فعلته حماس في غزة \، وعبء فوز إسلاميين في المغرب ومصر والخليج، أم أن الهزيمة ترجع لأخطاء داخلية للحركة تتحمل هي المسؤولية عنها في ظل اتهامات للإسلاميين -عموما بعدم التجديد في برامجهم أو عزوف المرشحين عنهم لتوقع تدخل الحكومات ضد نجاحهم.
والحقيقة أن كل هذه الأسباب يمكن اعتبارها وراء تراجع قوة الإسلاميين في البرلمان الأردني الجديد، فليس هناك شك في أن المطروح الآن في العالم العربي -بعد التخلي الأمريكي عن خطط نشر الديمقراطية عربيا، وتوثيق التحالف مع الأنظمة التي كانت تهاجمها واشنطن جريا وراء تعظيم مصالحها الإقليمية على أيدي هذه الأنظمة- ليس فقط إسقاط التيارات الإسلامية التي تشكل تهديدا لسيطرة الأنظمة في هذه الانتخابات، عبر أشكال التدخل والتزوير المختلفة، وإنما سن قوانين وتغيير مواد دستورية تجفف الينابيع التي يمكن أن ينفذ منها الإسلاميون للانتخابات من الأساس، ولحين الانتهاء من هذه الثورة التشريعية الإجهاضية، فالتزوير وتقليص التمثيل السياسي لهم هو الحل!.
وليس هناك شك أيضا أن الحركة الإسلامية الأردنية تحملت عبء دعمها لحماس في "موقعة غزة الشهيرة" والهواجس من أن تحقق فوزا مشابها لحماس كذلك أو لإخوان مصر، وإن سبقتها الحركة الإسلامية في المغرب (حزب العدالة) عبر تراجعٍ عن تبوء المركز الأول في الانتخابات، فكان هذا أدعى لتدخلات سلطوية أردنية أكبر لإفشال فوز الحركة بمقاعد كثيرة وإظهارها بمظهر الخاسر الذي انفضت عنه الجماهير.
ولا يعني هذا ألا نعترف -كما أجمع مراقبون مقربون من الحركة الإسلامية في الأردن- بأن الأخطاء الداخلية للحركة تتحمل مسؤولية أكبر في هذا الإخفاق الكبير والأول من نوعه خلال عقود، والذي حظيت به الحركة في الانتخابات النيابية الأخيرة، والتي خرجت بها عن خط الانتصارات التي حققتها نظيراتها في عدد من دول المنطقة، مثل حماس فلسطين، وكل مرشحي الحركة الإسلامية في البرلمان الكويتي، وفي البحرين (سنة وشيعة) من سيطرة شبه كاملة على مقاعد البرلمان البحريني، عدا عن السيطرة التقليدية للإخوان المسلمين في مصر، وأخيرا إسلاميو المغرب الذين حصدوا أعلى الأصوات ولكن النظام الانتخابي أخرهم للمركز الثالث.
إذ خلقت النتائج التي حققتها الحركة الإسلامية في الانتخابات البرلمانية الأردنية، جدلا داخل الجماعة وخارجها، وحمّل نشطاء داخل الجماعة المسؤولية لقيادات الحركة، فيما حمّلت قيادات الحركة المسؤولية للسلطات الرسمية التي أشرفت على سير العملية الانتخابية بالكامل، أما المراقبون الخارجيون فقد حمّل بعضهم المسؤولية للجهتين، وآخرون اعتبروا أن الإسلاميين وقعوا في فخ حكومي بمشاركتهم وإعطاء شرعية للانتخابات وفرصة للتزوير!.
التزوير هو الأصل
ويبدو أن القصة أكبر من مجرد إخفاق داخلي أو انتخابات يجري إقصاء التيار الإسلامي -خصوصا "المسيس" الذي قَبل اللعبة الديمقراطية- عنها سواء بالتزوير أو بسن قوانين تبعده عن المشاركة من الأصل، فالانتخابات ليست سوى حلقة من مسلسل طويل لإعادة صياغة وبناء المنطقة ككل، وتتضمن بناء تحالف أمريكي وغربي (ضمنه إسرائيل)، مع من يسمون "المعتدلين العرب" من الأنظمة والحكومات التي تسعي لتوافق مصالح بينها وبين الغرب يحفظ مقاعدها في السلطة، ويحفظ للغرب مصالحه الإقليمية في المنطقة برعاية هذه الأنظمة.
وضمن هذا السيناريو يمكن القول إنه مطروح بقوة إقصاء الإسلاميين عموما ومنعهم من الوصول للمراكز النيابية، بل وتطهير الساحة العربية من المعارضة عموما والإسلامية خصوصا لإفساح المجال لشرق أوسط جديد معتدل يكون مجالا أكبر للتطبيع وتبادل المصالح بين الحكومات العربية والغرب وإسرائيل معا (أنابوليس محطة أخرى).
بل ويمكن القول كذلك إنه لولا أن "جبهة العمل الإسلامي" كانت هي الحزب الوحيد الذي شارك في الانتخابات وقاطعتها الأحزاب الأخرى الضعيفة أصلا، وهناك بالطبع رغبة أردنية في إظهار أن الانتخابات حرة، لما أنجحت السلطة الأردنية أي نائب من النواب الإسلاميين أصلا، لأن الخطة المتوافق عليها عربيا تقوم على منع هذا التيار الإسلامي المسيس من المشاركة في الانتخابات والفوز بثمار الديمقراطية والتمثيل البرلماني.
وهذا الأمر كان متوقعا من قبل، بعدما ظهرت بوادره بوضوح في التفكير في تشريع قانون جديد يمنع هؤلاء من المشاركة مستقبلا في انتخابات المحليات والبرلمان، وانعكس على انتخابات البلديات الأردنية، ومن قبلها تغيير القانون الانتخابي الذي استهدف تقليص مقاعد الإسلاميين قبل ذلك بثلاثة أعوام، حيث ظهر التزوير والتدخل في التصويت لإسقاط مرشحي الحركة الإسلامية الـ 25 في انتخابات البلديات ما دفعهم للانسحاب وإعلان جبهة العمل الإسلامي أنها تفكر في مقاطعة الانتخابات المقبلة بعدما تحولت الانتخابات لـ "مسرحية هزلية"!؟.
وربما تصور الإسلاميون أن معادلة انتخابات البرلمان تختلف عن معادلة البلديات فشاركوا فيها، ولكن جاءت الخطة هي هي كما نفذت في البلديات، لأن الهدف لم يكن إعطاءهم فرصة تحسين صورتهم أمام الجمهور والحصول على دعمه عبر المقاطعة التي قد تزيد أسهمهم كما حدث عقب انسحابهم من انتخابات البلديات، وإنما إظهار أنهم فاشلون وأن الشارع انفض عنهم ولفظهم وأن شعبيتهم انهارت ومن ثم نقل المعركة من الساحة الحكومية أو العالمية للساحة الداخلية للجماعة بتصعيد الحديث عن أخطاء داخلية!.
ظاهرة رجال الأعمال المقربون من السلطة!
لهذا أيضا كان من الطبيعي أن تفرز هذه الانتخابات -وهي ظاهرة عامة في الانتخابات العربية الأخيرة- رجال أعمال مقربين من السلطة، ورموزا موالية للسلطة تضم خصوصا ممثلي العشائر الأردنية الكبرى، ورموزا علمانية، وربما يسعى الملك لاسترضاء الإسلاميين نسبيا عبر تعيين بعض رموزهم الأقل تسخينا في "مجلس الأعيان" لامتصاص غضبتهم وتهديداتهم بالانسحاب أيضا من مجلس النواب وترك مقاعد مرشحيهم الفائزين الستة خالية.
فالظاهرة الملفتة للاهتمام في انتخابات الأردن ومن قبلها انتخابات عربية مشابهة (مصر والمغرب) هي تنافس أصحاب المال ورجال الأعمال بكثافة والفوز بسلاح الرشاوى الانتخابية للفقراء في الانتخابات، وأهميتها أو خطورتها ليست في وصول رجال الأعمال أو المال للبرلمان ومن ثم التحكم في العملية التشريعية بغرض تسيير شئونهم وأعمالهم الاقتصادية، وإنما حدوث تزاوج غريب بين السلطة ورموزها المختلفة وهؤلاء الماليين بغرض تبادل المصالح المشتركة ما يطلق عليه البعض اسم تحالف الفساد.
فغالبا ما يلجأ السياسيون للاستقواء برجال الأعمال هؤلاء، وبالمقابل يستقوي هؤلاء بدورهم بالسياسيين، ويضمنون انتعاش أعمالهم وعدم صدور قوانين تخالف نظام "البيزنس" الذين يعملون به، وهو تزاوج يستهدف بالضرورة إقصاء أي تيار منافس سواء كان وطني أو إسلامي أو غيره يمكن أن يفسد مصالح الطرفين.
من هنا كان من المنطقي أن ينتقد جميل أبو بكر نائب مراقب الإخوان المسلمين "التجاوزات الواسعة" التي قال إنها تشكك بنزاهة النتائج، ووصفها بأنها "مجزرة انتخابية فاقت التجاوزاتُ فيها من نقل البطاقات والمال انتخاباتِ سنة 2003 في وسائلها وفي احتمال تأثيرها على نتائجها ومصداقيتها، والأهم قوله إن الإسلاميين سيدرسون الانسحاب من البرلمان الجديد، بعد ما وصفه بأنه "حملة متصاعدة لتحجيم تمثيلنا".
مخاطر إقصاء الإسلاميين
ليس هناك شك بالتالي في أن الخسائر الانتخابية والتراجع في أنصبة التيار الإسلامي مؤخرا في الأردن والمغرب وغيره، جاءت نتيجة تدخلات وأسباب مستوردة لا محلية بالدرجة الأولى رغم عدم إغفال أخطاء الإسلاميين. وخطورةُ هذه السياسة الأمريكية بشأن إبعاد الإسلاميين، والتي تتوافق مع مصالح أنظمة عربية عديدة أنها تتجاهل سياسة عربية قديمة كانت تفصل نسبيا بين مصالح الدول العربية ومصالح الغرب ما قد يشجع نمو التيارات العنيفة المتطرفة، مثل حفاظ الملك الراحل حسين على شعرة علاقة طيبة بينه وبين قادة التيار الإسلامي حمت الأردن كثيرا من نمو تيارات إسلامية متطرفة، لأن التعامل مع جماعة الإخوان بصورة طيبة وفق علاقة توازن دقيقة سمح بانتشار الفكر الإسلامي الوسطي المعتدل.
فهذه السياسة الجديدة التي اتبعتها عدة حكومات عربية مؤخرا -ربما تأثرا بالفكر الأمريكي ما بعد 11 سبتمبر الذي يضع كل الإسلاميين في سلة واحدة وربما لعدم وجود الخبرة التاريخية وقدرة التوازن الدقيق بين مكونات المجتمع وبين مواجهة الظروف الدولية والإقليمية- قد تفرز تأثيرات ضارة ظهرت مثلا في فلسطين عبر ظهور وانتعاش تيارات جهادية وقاعدية ربما لأول مرة، ومع ذلك لم يعي الأردنيون الدرس ويحسنوا التعامل مع التيار الإسلامي المعتدل ما قد ينعكس على أعمال عنف ظهر بعضها في تفجيرات العقبة وعمان.
والحل -بصرف النظر عن التيار الإسلامي- للحكومات العربية عموما يتلخص في أن تسعى الحكومات لاعتبار الشعوب هي ظهيرها وسندها بكل ألوان طيفها، وهي التي تحميها وقت الأخطار وليس القوى الخارجية أو مصالح هذه القوى الأجنبية التي هدمت العلاقة بين أبناء الشعب الواحد وحولتهم لأعداء!
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|