English

 

الخميس. نوفمبر. 29, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » الداخل الإسرائيلي

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الفساد السياسي الإسرائيلي.. منظم ومقنن

أحمد السيد تركي

Image
الفساد الإسرائيلي على كل المستويات
"حان الوقت الذي يجب فيه تجفيف المستنقع السياسي الذي تغرق به الحياة السياسية الإسرائيلية.. وإحدى وسائل تجفيف هذا المستنقع ذي الرائحة الكريهة هو القانون وفرض عقوبات مشددة على كل من تثبت إدانته من قبل المحاكم". هذه العبارة قالتها القاضية عدنا بكنشتين بعد الحكم على عضو الكنيست الإسرائيلي "عمري شارون" بالسجن الفعلي لمدة 9 أشهر و3 أشهر مع وقف التنفيذ إضافة إلى غرامة تجاوزت مبلغ 300 ألف شيكل (نحو 65 ألف دولار)، وذلك بعد إدانته بالفساد وتلقي الرشوة أثناء الحملة الانتخابية التي كان يديرها لحساب والده رئيس الحكومة السابق إريل شارون، وكشفت عن مدى استشراء ظاهرة الفساد السياسي في إسرائيل. كما نبّه القاضي المتقاعد ألعازر غولدبرغ مراقب الدولة في إسرائيل عن خطورة الأوضاع الفاسدة بقوله: "إن خطر الفساد السياسي المستشري في إسرائيل يفوق خطر الانتفاضة على المجتمع الإسرائيلي..".

فساد على كل مستوى

والأمر الذي لا شك فيه أن هذه العبارات تلخص حجم الفساد السياسي في إسرائيل، وخاصة بعد مثُول رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت للتحقيق مع وحدة شرطة مكافحة جرائم الغش والاحتيال ‏الذين قاموا باستجوابه بتهمة محاولة ممارسة نفوذه حين كان يتولى منصب وزير المالية لإرساء عطاء بنك لئومي‏ (ثاني أكبر بنك تجاري في إسرائيل‏)‏ في أثناء خصخصته على اثنين من الأثرياء اليهود من أصدقائه، فضلا عن غيرها من الاتهامات.

والواقع أن الفساد السياسي في إسرائيل أصبح منظما ويدور حول 3 أنواع من الفساد: الامتيازات الحكومية، الرشوة، والتعيينات السياسية، وهو منتشر بدءا من رئيس الحكومة ومرورا بالوزراء وأعضاء الكنيست والموظفين الكبار.

فهذه مقولة أعلنها رئيس الكنيست السابق "أبراهام بورغ"، منذ 3 سنوات مضت حين صرح قائلا: "إن إسرائيل غدت دولة من المستوطنين تقودها زمرة من الفاسدين".

والحقيقة أن النظام السياسي الإسرائيلي يعاني من أزمتين أساسيتين؛ الأولى قديمة قدم النظام نفسه، أما الثانية فهي قديمة جديدة في آن.

1- الأزمة الأولى: هي أزمة غياب الاستقرار السياسي النابع من عوامل بنيوية تميز النظام الإسرائيلي وعوامل ثقافية تميز المجتمع الإسرائيلي، فمنذ قيام الدولة والنظام الإسرائيلي يفتقد الاستقرار الحكومي، حيث جرت حتى الآن 17 انتخابات كنيست وشملت 32 حكومة، بمعدل حكومتين لكل دورة انتخابية، أي أن المعدل العام يُشير إلى أنه ليس هناك حكومة إسرائيلية أنهت مدتها القانونية المقابلة لعمل دورة كنيست، وقد أدى كل ذلك إلى اعتبار النظام الإسرائيلي (الديمقراطي) أقل الأنظمة استقرارا في الغرب.

2- الأزمة الثانية: هي أزمة الفساد التنظيمي أو الإداري والمالي، والفساد في النظام السياسي والبيروقراطي وهي قديمة أيضا، ولكن التعرض لها أصبح جديدا في العقود الأولى التي أعقبت قيام الدولة، فقد  كانت هناك عملية تماه بين الدولة وحزب "مباي" الحاكم، وكان الأخير الحاكم الديناميكي في الدولة وهيْمَن عليها حتى الانقلاب السياسي عام 1977 بصعود حزب الليكود لأول مرة إلى الحكم. وفي هذه السنوات، كانت التعيينات السياسية مسألة عادية في النظام الإسرائيلي، حيث عيّن حزب "مباي" أتباعه في الجهاز البيروقراطي الإسرائيلي، وارتكز التقدم المهني والإداري على المعيار الحزبي، على الرغم من ذلك فإن نظافة اليد كانت موجودة رغم التعيينات السياسية، فلم يقاضَ أحد بسبب ذلك، فالحزب كان الدولة والدولة كانت الحزب. وبدأت عملية التصفية للنخب البيروقراطية بعد صعود الليكود للحكم، ولكن نجاحه كان محدودا، فالنخب كانت أقوى من أي انقلاب سياسي آني. فكانت فترة نتنياهو فترة ثورية في هذا المجال، حيث اصطدم الأخير مع النخب القديمة بصورة مباشرة، وبدأت مرحلة من التعيينات السياسية، ولكن هذه المرة، اختلف المعيار والقيمة تغيرت، حيث دخلت اعتبارات بنيوية ومفاهيم ثقافية وقضائية جديدة، فتحولت التعيينات السياسية كجزء من الفساد في النظام.

مسلسل الفساد لا ينتهي

قد لا يكون مثُول إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي للتحقيق في شبهة فساد مالي وسياسي هو الأخير من نوعه في إسرائيل، ولكن أصبح الفساد مسلسلا لا ينتهي، ويمكن إلقاء الضوء على أبرز الجرائم الأخلاقية والفضائح المالية التي أصبحت تشغل الرأي العام الإسرائيلي، ومنها:

- الفضيحة الجنسية التي طاردت رئيس الدولة "موشيه كتساف"، حيث اتهم بالتحرش، بل محاولة اغتصاب عدد من الموظفات العاملات في مكتبه.

- الفضائح المالية المتتالية التي تلاحق رئيس الحكومة "إيهود أولمرت"، بدءا بالرشاوى المقدمة له، وانتهاء بصفقة خصخصة بنك "لئومي"، لدرجة أطلقت عليه وسائل الإعلام وصف "ورقة الشجر الذابلة".

- تورط مديرة مكتب أولمرت "شولا زاكين" في قضايا غش وفساد وإساءة الائتمان واستغلال موقعها الحساس في تعيين موظفين كبار، علما بأنها ترافق أولمرت منذ 30 عاما.

- الفساد الذي أصاب سلطة الضرائب، حيث تم اعتقال رئيس سلطة الضرائب "جاكي ماتسا"، وتم التحقيق مع 20 مسئولا في الجهاز الضريبي، و4 مقاولين بتهم تلقي وتقديم رشاوى.

- الوصمة التي ثبتت بحق وزير "العدل" حاييم رامون المتهم بمحاولة "تقبيل" سكرتيرته الشخصية رغما عنها.

- نواة الفضيحة التي غدت تلاحق وزير المالية "أبراهام هيرشيزون"، المتهم بشبهة السرقة وتبييض الأموال، والخداع والتآمر على تنفيذ جريمة.

- قيام 7 جنود بسرقة وقود من قواعد الجيش وهم يخدمون في الجيش كسائقي شاحنات وقود للقواعد العسكرية في القيادة المركزية بالجيش، إضافة إلى 5 مدنيين يعملون كسائقين بالجيش أيضا.

- سُجل خلال السنة الماضية 2006 ارتفاع ملحوظ في حوادث السرقة التي تعرضت لها قواعد الجيش من قبل أبناء الأقلية البدوية في البلاد، حيث إن اللصوص يقومون بخداع الأجهزة الأمنية ويتسللون إلى المناطق العسكرية ويسرقون وسائل ومعدات غالية الثمن.

- تحقيق الشرطة الإسرائيلية في وجود فوضى مالية بحزب "المتقاعدين"، وذلك في أعقاب تقديم شكوى للشرطة بوجود شبهات تزييف وثيقة نقلت إلى أحد البنوك، والتي بموجبها يمكن السحب بحرية من حساب الحزب لدى البنك بدون موافقة أو توقيع أحد من العناصر المسئولة أو المعتمدة.

ونظرا لأن قائمة الفساد الإسرائيلية طويلة، فقد اضطر الرئيس السابق "عازر وايزمن" للاستقالة في يوليو 2000، بسبب فضيحة تهرب من الضرائب وفساد، فيما شكل رئيس الوزراء السابق "إريل شارون" علامة فارقة مع عائلته في تاريخ الفساد من حيث تلقي الرشاوى، فيما كان الحكم على وزير الحرب الأسبق "إسحاق مردخاي" بالسجن 18 شهرا مع وقف التنفيذ بتهمة الاعتداء الجنسي على موظفة في وزارته، وملاحقة القضاء لرئيس حزب الليكود الحالي "بنيامين نتنياهو" المشتبه بأنه أراد تسديد كلفة أعمال ترميم أجراها في منزله الخاص من أموال دافعي الضرائب وأنه حاول حيازة هدايا تلقاها بصفته رئيسا للوزراء في حين يفترض به أن يعيدها إلى الدولة.

وعليه، ثمة من يرى أن إسرائيل دولة قائمة على نسبة فساد عالية، وهو ما خلص إليه تقرير للبنك الدولي؛ لأنه اعتبر أن نسبة الفساد في المؤسسات الرسمية الإسرائيلية فاقت النسبة المقبولة في الدول المتقدمة، حيث وصلت إلى 8.8%، بينما في الدول الغربية لا تزيد على 4.91%، مما وضع إسرائيل في أسفل سلم الدول الغربية، وعلى رأس قائمة الدول الأكثر فسادا في مجموعة الدول المتقدمة، كما اعتبرها -أي التقرير- من الدول الأكثر خطورة، من حيث عدم تطبيق القانون والفلتان الاقتصادي وترسب ظاهرة الفساد في المؤسسات الأهلية والحكومية والخاصة على حد سواء.

آثار متراكمة ومتنوعة للفساد

ومع استفحال ظاهرة الفساد في السنوات الأخيرة بدا أكثر تأثيرا لأنه نال سياسيين كبار حيث يجري الآن التحقيق مع سياسيين حول قضايا فساد (تعيينات سياسية، رشاوى، تهم جنائية وغيرها) مع رئيس الدولة، رئيس الحكومة، أربعة وزراء، ستة أعضاء كنيست، هذا غير أعضاء كنيست وسياسيين سابقين، كل ذلك دون الإشارة إلى الفساد في السلك البيروقراطي نفسه من موظفين صغار وكبار.

ففي تقرير أصدره مركز البحث والمعلومات التابع للكنيست مؤخرا تبين أن من أكثر المشاكل التي تقلق بال المواطن الإسرائيلي هي مسألة الفساد في نظام الحكم وتصل درجة القلق فيها إلى نفس درجة القلق من "الإرهاب" والجريمة.

لا تؤثر ظاهرة الفساد على الصورة أو الانطباع العام حول النظام والنخب السياسية والبيروقراطية، بل أيضا على العملية السياسية واتخاذ القرارات السياسية، وهذه خطورة الفساد السياسي بالأساس وتؤدي إلى غياب الثقة والأداء الصحيح والتفكير السليم في اتخاذ خطوات وقرارات سليمة.

ومن هذه التأثيرات:

1- التأثير الأول يتعلق بالمواطن العادي، واتساع زعزعة الثقة بالمؤسسة الحاكمة، فقد أظهر مقياس الديمقراطية الإسرائيلي السنوي الذي أعده المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أن معدل الثقة الجماهيرية برئيس الوزراء هبط من 34% في العام الماضي 2006 إلى 21% فقط في العام الجاري 2007، كما أن الثقة في رئاسة الدولة انخفضت بصورة جوهرية للغاية من 67% إلى 22% فقط. أما الثقة في الشرطة الإسرائيلية فانخفضت بنسبة 3%، كذلك الثقة في الجيش الإسرائيلي انخفضت بنسبة 5%. وبالنسبة لرأي الجمهور الإسرائيلي في الأوضاع المجتمعية فإن 79% من الجمهور قلقون من وضع الدولة، و75% يعتقدون أنه يوجد في إسرائيل فساد على مستوى واسع للغاية، ومن ناحية أخرى فإن 76% يفتخرون لكونهم مواطني دولة إسرائيل، أما الغالبية العظمى من الجمهور فتعرب عن عدم ثقتها في القيادة السياسية.

2- تأثير لا يقل أهمية، يتعلق بمستقبل نظام الحكم السياسي الإسرائيلي، ذلك أنه عندما يتم التحقيق مع رئيس الدولة ورئيس الحكومة وأقطاب المؤسسة الحاكمة في قضايا فساد وضلوعهم فيها، فإن ذلك يهدد استقرار الحكومة.

3- التأثير بالسلب على الصورة الذهنية لدى العالم عن إسرائيل وهو ما حدا بالسفراء والقناصل الإسرائيليين إلى إبلاغ وزيرة الخارجية "تسيبي ليفني" بأن الدول التي يخدمون فيها قلقة من حجم الفساد في إسرائيل، وقال الدبلوماسيون إن نشر قضايا الفساد بصورة يومية ألحق ضررا كبيرا بصورة "الدولة" على مستوى العالم، بحيث يطغى الحديث عن الفساد على كل لقاء يعقدونه مع أي وفد سياسي وصحفيين وصناع رأي عام في تلك الدول، سيما في أوروبا الغربية والولايات المتحدة.

4- التأثير الأكثر الأهمية لهذا المسلسل من الفساد والفضائح لخصها الخبيران الأكاديميان البروفيسور "يسرائيل أومأن" والبروفيسور "أهارون تشاحنوفر" حين أقرا بتدهور القيم واضطراب الروح وأفولها في إسرائيل، فهذه الأخيرة –بنظرهما- تسير في الاتجاه غير الصحيح، وتنجر في الظلمة نحو هلاك محتمل ليس بسبب أعدائها الخارجيين، وإنما "بسببنا نحن الشعب وقياديينا أو من يدعون القيادة، نحن الإسرائيليين لدينا قيادة تعيش كل الوقت تحت علامة استفهام أخلاقية، والجمهور لا يثق بها!!".

ووفقا لمصادر إسرائيلية مختلفة فإن مسلسل الفساد لا يرتبط فقط بسوء الأحوال الاقتصادية وتدهورها وانتشار البطالة وتدني مستوى المعيشة، كما يروج بعض المحللين والباحثين الإسرائيليين، وإنما هي متجذرة في المجتمع الإسرائيلي نتيجة عدم التجانس والانسجام بين أفراده، نظرا لتعدد الجهات واختلاف البلدان التي قدموا منها، وتباين البيئات التي عاشوا فيها في السابق قبل قدومهم لفلسطين، وعدم قدرة الكثيرين منهم على التكيف والتأقلم مع الحياة الجديدة، خاصة أن الفساد يستشري بصورة أكبر في الشرائح العليا من المجتمع التي تملك السلطة والنفوذ في الدولة.


  كاتب وباحث سياسي

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات