|
| أولمرت ورايس.. والإعداد المتقن للمؤتمر |
لا يكاد يوجد مؤتمر مثل مؤتمر أنابوليس طالت فترة التحضير له إلى أبعد الحدود ثمّ اختُصر حجم التوقعات منه إلى أبعد الحدود أيضا، والسؤال الذي يطرح نفسه، هل كان التضخيم من شأن المطلوب منه في بداية التنويه بعقده مقصودا، ثم كان المقصود أيضا أن ينعقد دون أن يصدر عنه شيء جديد ذو قيمة؟.. ثم هل يعني انعدام النتائج الفعلية، انعدامَ التأثير على مجرى التعامل مع قضية فلسطين، أم سيكون هذا التأثير كبيرا وخطيرا؟..
بذرة أخرى على طريق التطبيع
"مجرّد انعقاد المؤتمر نجاح"، عبارة كثر استخدامها إلى درجة استهلاكها، لا سيما في التعقيب على مؤتمرات وقمم عربية، لا تغيّر من مجرى السياسات في القضايا المطروحة فيها تغييرا يستحق الذكر، لا سيّما من حيث خطورتها وأهميتها، ثم افتراق الدول المشاركة في تلك المؤتمرات والقمم على سبل متعددة ومتناقضة غالبا، فور انفضاض الاجتماع وصدور بيانٍ ما عنه.
وهي ذاتها العبارة التي لا نكاد نسمعها في غير المقالات التحليلية العربية تعليقا على مؤتمرات دولية أخرى، أما عند المحللين الغربيين فغالبا ما تكون موضع تحليل فعلي، يحدّد مواطن النجاح ومواطن الإخفاق، ويستنتج بعض ما ينبغي صنعه مستقبلا واستحال تحقيقه آنيا.
مؤتمر "أنابوليس".. أو بتعبير أصح: اللقاء الاستعراضي الضخم في أنابوليس بمحتوى محدود على أرضية واقع قضية فلسطين، مثال نموذجي على ممارسة سياسات، أقلّ ما يقال فيها إنّها سياسات تسويف قاتل، في لحظة الحاجة إلى التحرّك الفعّال، وهو ما يبدو للعيان عند التأمّل في عدد من الحقائق التي رافقت طرحه والتحضيبر لانعقاده:
1- صدرت الدعوة إلى المؤتمر عن الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة واضحة المعالم على صعيدين، الصعيد الاول الإخفاق المتنامي في تحقيق أهمّ أهداف عسكرة العولمة، في أفغانستان، والعراق، وما يسمّى الحرب على الإرهاب، وفي الوصول بالزعامة الانفرادية العالمية إلى مستوى واقع قائم يرتضيه المجتمع الدولي. والصعيد الثاني: تلقّي المشروع الصهيوأمريكي بالذات ضربة أكبر من ضربات أو نكسات سابقة، تجلّت في وصول حماس إلى السلطة انتخابا ثم انفرادها في السيطرة على قطاع غزة، وفي هزيمة القوّة العسكرية الباطشة أمام المقاومة اللبنانية في الحرب العدوانية عام 2006م.
2- استندت الدعوة إلى ما يسمّى "رؤيا بوش"، التي أعلن عنها في ظروف أخرى، فآنذاك كان التحضير لحرب احتلال العراق قد بلغ مداه، وأصبحت الرغبة في ضبط السياسات العربية الإقليمية لتحقيق هذا الهدف ضرورة أمريكية، مع إعطاء الفرصة للحكومات المحلية أن تستخدم تلك "الرؤيا" ذريعة لنشر الوهم بأنّ احتلال العراق سيلحق به عمل جادّ على صعيد قضية فلسطين المحورية في المنطقة، وفي هذا السلوك تقليد طبق الأصل عمّا صنعه بوش الأب في إعلان رؤياه عن "مؤتمر مدريد" أثناء الإعداد لحرب الخليج الثانية ضدّ العراق.
3- بقيت رؤيا بوش الابن نائمة في الأدراج لعدة سنوات، وكان في الإمكان التحرّك من قبل، لو كانت أكثر من مجرّد رؤيا ضبابية، أو أداة للإلهاء عمّا يجري تنفيذه في المنطقة، وهو ما تقلّب -دون نتيجة- من أطروحات الديمقراطية من أجل "الشرق الأوسط الكبير" إلى أطروحات "الفوضى الخلاّقة الهدّامة" من أجل "شرق أوسط جديد"، مات قبل الولادة، في رحم الحرب العدوانية على لبنان.
4- العودة إلى تلك الرؤيا أساسا للدعوة إلى مؤتمر أنابوليس يؤكّد أنّ بوش الابن، قبيل رحيله مع كل ما صنعه وكانت له عواقبه المأساوية دوليا والسياسية الداخلية أمريكيا، لم يعد لديه جديدا يطرحه على صعيد قضية فلسطين، وفق المنظور العربي والإسلامي لها، أو على صعيد "المشروع الصهيو أمريكي" وفق منظوره لها، فجدّد الحديث عن الرؤيا، وأضاف إليها عنصر نشر الوهم بقابلية تحقيقها "الآن" بعد أن بقيت مجرّد رؤيا لسنوات، مثلها مثل "مبادرة بيروت العربية" التي بقيت مرفوضة لسنوات، وما زالت مرفوضة مضمونا، وإن جرى التنويه بها تزييفا.
5- جميع ما طُرح بصدد ربط المؤتمر بتحقيق أهداف محدّدة -بغض النظر عن تقويمها في هذا الموضع- مثل طرح ما يسمّى من قبل أوسلو إلى الآن "قضايا المرحلة النهائية".. العودة، والقدس، والحدود، والمستوطنات، وما يرتبط بها مثل المياه.. جميع ذلك كان حديثا طرحته الأطراف الفلسطينية والعربية ذات العلاقة، وربطته بمؤتمر أنابوليس، واكتشفت تدريجيا، أنّها تتكلم مع بعضها بعضا، وليس مع "الطرف الآخر"، وأنّها من خلال كلامها هذا ربطت حضورها في المؤتمر عبر التصريحات السياسية ووسائل الإعلام التسويقية لها بما أصبح -في مرحلة تراجع سابقة- مسوّغا سياسيا، وهو الاستعداد للتطبيع بعد السلام، وليس العكس.
6- بعد ظهور خواء محتوى المؤتمر بالمنظور المعلن فلسطينيا وعربيا، كان يُنتظر تنفيذ ما "هدّدت" به الأطراف الفلسطينية والعربية بعدم الحضور، وكانت "المفاجأة" -لمن صدّق التهديد- فلسطينيا ثم عربيا هو الحضور، دون الاتفاق على وثيقة فلسطينية-إسرائيلية مسبقة، ودون التوصّل إلى أي شكل من أشكال تثبيت أهداف أي مفاوضات حالية أو مستقبلية بشأن جميع ما اعتبر "مواضيع المرحلة النهائية"، دون استثناء.
7- بتعبير آخر: يأتي زرع بذرة أخرى على طريق التطبيع من خلال اللقاء المباشر بين الإسرائيليين ومزيد من المسؤولين العرب (وربما المنظمات العربية والإسلامية الجامعة أيضا) ممّن لم يسبق اللقاء العلني الرسمي معهم، قبل زرع أي بذرة لما يسمى السلام وفق مقولة "السلام مقابل الأرض"!..
8- هنا تصدق مقولة "مجرد انعقاد المؤتمر نجاح" ولكن ليس من منظور "سلام" عربي، بل من منظور تطبيع إسرائيلي، وهذا بالذات ما يجعل الأمين العام لجامعة الدول العربية، عمرو موسى، يركّز بصورة خاصة على محاولة نفي ذلك بقوله إن حضور مؤتمر أنابوليس لا يعني التطبيع، وهذه "محاولة" ضعيفة إن لم نقل مضلّلة!..
التحريض على المقاومة الشعبية
إنّ خطورة مؤتمر أنابوليس لا تكمن في نتائجه التي يمكن أن يحتويها "بيان" ما، سيان في ذلك هل ألمح مثلا إلى قضية الجولان أم لا، أو هل ذكر حل الدولتين أم لا، فجميع ذلك هو من "بقايا" ثوابت سياسية سابقة، لم تكن في حاجة إلى انعقاد مؤتمر جديد لتكرار ذكرها دون أي التزامات جديدة.
خطورة المؤتمر كامنة في أن الدول العربية قبلت المضيّ في المشاركة فيه، دون مقابل، وهذا في مرحلة تُعتبر من أشدّ المراحل وطأة على مسيرة المشروع الصهيوأمريكي، استعمارا استيطانيا وهيمنة إقليمية، فالدولة الحاضنة في تراجع دولي يمكن أن يقوّض مسيرة هيمنتها عالميا، والكيان المحلي، أو الثكنة العسكرية الإقليمية للمشروع لم تخرج بعد من أثر ضربات متتالية، من صنع المقاومة، الفلسطينية واللبنانية، أي المقاومة الشعبية، التي فرضت نفسها، وسوف تستمرّ وتنمو مستقبلا، رغم عدم تبدّل النهج السياسي الرسمي الغالب إقليميا.
ومكمن الخطورة لا يعود إلى ازدياد ضعف الموقف الرسمي فحسب، بل الأهم من ذلك هو ما يعنيه المشهد بمجموعه على صعيد الرأي العام العربي والإسلامي، أي على العلاقة بين الشعوب -وإن سميت إرادتها صوت الشارع- والحكومات، سيان على اعتبرت خطواتها الرسمية وتوقيعاتها قائمة على مشروعية "واقعية مفروضة بالقوة" أو اعتبرت غير مشروعة لافتقاد إثباتات مقبولة أنّها تمثل إرادة الشعوب، وبالتالي تناقضها مع جوهر مبادئ المواثيق الدولية ونصوصها، بشأن حق تقرير المصير، وسيادة تلك الإرادة على السلطات، وعدم مشروعية اغتصاب الأراضي بالقوة، وغير ذلك ممّا يطول تعداده.
بتعبير آخر: إذا كان النظام السياسي العربي، بما فيه شطر حكومة محمود عباس من السلطة الفلسطينية، عاجزا عن تحقيق "القليل" في مرحلة "ضعف العدوّ" فمتى يمكن أن يحقق الكثير وفق تطلعات الشعوب والأهداف الأصيلة لقضية فلسطين المحورية؟..
إنّ حصيلة مؤتمر أنابوليس توجّه ضربة أخرى إلى البقية الباقية من علاقة الثقة ما بين الحكومات والشعوب في المنطقة، تضاف إلى ضربات سابقة، من عناوينها في المرحلة الأخيرة أفغانستان، والعراق، ولبنان، والصومال، والسودان، وغيرها.
ولو استعرنا الوضع الآني المتدهور في باكستان لمثال توضيحي، يمكن أن يتبيّن مكمن الخطورة بوضوح أكبر، فقد أصبحت عناوين السياسات "الاستراتيجية" الصهيوأمريكية معروفة في "الفوضى الخلاقة الهدامة" وإثارة الأزمات المسلّحة على أرضية طائفية هنا، ونزعات استبدادية هناك، ومطامع مادية محضة هنالك، إضافة إلى اصطناع المحاور وضربها ببعضها بعضا.. وبتعبير مختصر: شغل المنطقة بنفسها عن مواجهة أخطار خارجية أو التلاقي على إصلاح داخلي وتقدّم حضاري، وهنا يظهر في مثال باكستان كيف كان الرئيس الجنرال، خلال أداء المهمة المطلوبة منه منذ انقلابه العسكري، ومن بعدها، يُدفع دفعا إلى سياسات وخطوات إجرائية كان لا بدّ أن توصل إلى الأزمة الراهنة، ويمكن أن يكون المطلوب من مؤتمر أنابوليس بالضجة الكبرى التي بدأت بها الدعوة إليه وبالضحالة الثابتة على حصيلته الظاهرة للعيان من قبل انعقاده والمرافقة للإعلان عن المشاركة فيه.. المطلوب منه أن يدفع إلى مزيد من تيئيس الشعوب من الحكومات، جنبا إلى جنب مع ازدياد ثقتها بطريق المقاومة المشروعة كما في فلسطين ولبنان.
إنّ من أخطر ما يمكن أن ينشأ بعد مؤتمر أنابوليس نتيجة هذه السياسات الصهيوأمريكية والانزلاق الرسمي للمضيّ معها شوطا آخر، هو الوصول بالعلاقة بين الشعوب والحكومات إلى درجة تنذر بالانفجار، وتنشر -أكثر ممّا تحقق حتى الآن- ظاهرة الفوضى الخلاقة الهدامة وظاهرة التفتيت والنزاعات المسلّحة.
والظروف الراهنة، لا سيما تلك التي تُصنع صنعا من خلال التدخلات الأجنبية في المنطقة، ظروف مواتية لمثل ذلك التطوّر الخطير، والشواهد على ذلك واضحة في ساحة أفغانستان وباكستان، وساحة العراق والأكراد، وساحة فلسطين ولبنان، وساحة الصومال والسودان.. جنبا إلى جنب مع ساحات تثبيت أوضاع استبدادية رغم الإرادة الشعبية، والبحث عن كيفية استمرارها بأي ثمن، مع افتقاد وجود البديل، إلا ما يمكن أن يولد من رحم المقاومة الشعبية للعدوّ الأجنبي، فهل يراد أن يمتدّ ذلك إلى مستوى إثارة المقاومة الشعبية لحكومات تمضي على طريق التطبيع مع العدو والتطويع للهيمنة الأجنبية.. دون مقابل؟..
قد يكون.. فهذا ما تعنيه الفوضى الخلاقة بمنظور صهيوأمريكي، الهدّامة بمنظور المصلحة العليا المشتركة للمنطقة، ولن تتحقق تلك المصلحة العليا، إلا بعودة الحكومات إلى الشعوب، وتبني القضايا المصيرية الساخنة كما في فلسطين والعراق وأخواتهما، والقضايا المستقبلية الحاسمة، كالإصلاح والعدالة والتقدم والتحرر والتلاقي الإقليمي تضامنا أو تكتلا وتوحّدا، وإعطاء ذلك كله الأولوية على سياسات الارتباط بأي قوة من القوى الدولية.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|