English

 

الأحد. نوفمبر. 25, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » الداخل الفلسطيني

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
روابط خارجية  
أهم الأخبار  

الدين والدولة في فلسطين.. دور حماس

بقلم - عوني فارس

كتاب مناسب توقيتا، فهل المحتوى مناسب أيضا؟..
كتاب مناسب توقيتا، فهل المحتوى مناسب
أيضا؟..
تجاوزت تداعيات نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في فلسطين الدائرة المحلية وتعدتها إلى دوائر أوسع إقليميا ودوليا، الأمر الذي شغل بال السياسيين والخبراء وفتح شهية الباحثين والكتاب، فحفلت الصحف والمجلات ومواقع الشبكة العنكوبية بكمّ هائل من الأبحاث والدراسات والتحليلات لغاية تفسير مغادرة إسلاميي فلسطين لما وصفه البعض بالمرحلة المكية، وانتقالهم إلى مربع الحكم والسلطة، وكمحاولة لاستشراف مستقبل النظام السياسي الفلسطيني ما بعد انتخابات الخامس والعشرين من يناير المنصرم.

وتأتي دراسة الدكتور إياد البرغوثي "الدين والدولة في فلسطين" الصادرة في هذا العام عن مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان تتويجًا لجهود المركز الرامية إلى دراسة الخطاب الديني في فلسطين، وفي سياق مقاربة تحليلية مستندة إلى سنوات طويلة من الدراسة والتحليل، وإدراك عميق لحجم التحول في المجتمع الفلسطيني نحو الأسلمة بصيغتها الإخوانية، وخصوصا بعد فوز حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات، ومحاوِلةً الحفر عميقًا لاكتشاف المعوقات الذاتية والموضوعية للانتقال إلى أسلمة الدولة وتطبيق الشريعة.

حماس كما يراها البرغوثي

جاءت الدراسة في خمس وخمسين صفحة، وعالجت العديد من المحاور والعناوين الحساسة؛ فتتبعت في محورها الأول السياقات التاريخية والسياسية والقانونية التي دفعت النظام السياسي الفلسطيني للتخلي عن سِمَتِهِ العلمانية باتجاه ما أطلق عليه البرغوثي "بالضبابية"، وأكدت نجاح الخطاب الديني الفلسطيني في اختراق المؤسسة الرسمية عبر انتشار الصياغات والمفردات الدينية في الحياة السياسية الفلسطينية، مما اضطر قيادة السلطة إلى استخدام مفردات الخطاب الديني لمحاربة حماس في ملعبها، فجاءت النتيجة مغايرة لرغباتها، إذ تصاعد التأييد للخطاب الديني حتى وصلنا إلى بداية القرن الحادي والعشرين، وإذا بـ"الجميع -الفصائل والأحزاب السياسية الفلسطينية والمفكرين والكتاب والسياسيين- قد وجدوا أنفسهم إما داخل الملعب الديني أو على مسافة قريبة من هذه الحدود للعب وفق شروطه، إلى درجة باتوا عندها غير قادرين على إقصاء البعد الديني عن خطاباتهم ولغتهم ومحاججاتهم، وبالتالي قوانينهم الجديدة" ( ص15).

ويعتقد البرغوثي أن تحكم التيار الإسلامي في العديد من مفاصل الحياة السياسية الفلسطينية، وتصاعد الاستقطاب السياسي داخل المؤسسة التشريعية -إبان حكم الرئيس الراحل ياسر عرفات- بين التيارين الليبرالي والديني المحافظ داخل حركة فتح، ودخول الدين كورقة مساومة سياسية بينهما، هي العوامل المسئولة عن تعزيز مكانة الدين في القوانين الفلسطينية وفي مسودة الدستور.

ويبدي الكاتب إعجابه بالبرنامج الانتخابي لحركة حماس، فيشير في المحور الثاني إلى تبنيها لبرنامج "دنيوي" استقطب المواطن الفلسطيني، وقدمها كبديل منطقي لمنافستها حركة فتح، ونجح في إرضاء ناخبها الإسلامي المؤدلج برغم تقليص حجم خطابها الديني الذي لم يتجاوز الـ12% من حجم البرنامج، في حين دفع البيان الوزاري للحكومة العاشرة الحركة إلى الاقتراب أكثر من الواقعية السياسية.

أما المحوران الثالث والرابع فسلطا الضوء على جملة التساؤلات التي أثارها تشكيل حركة حماس للحكومة العاشرة، وأكدا على عدم امتلاك الحركة للرؤية الإستراتيجية فيما يتعلق بمفهومي الدولة والحكم والهدف منهما، فبما أنها لم تتوقع حجم الفوز الذي حققته في الانتخابات الأخيرة فكيف لها -وهي البعيدة كل البعد طوال السنوات العشر السابقة عن السلطة ومؤسساتها- أن تحتكم في سلوكها السلطوي على تخطيط إستراتيجي بعيد المدى، وإذا كانت الحركة قد دخلت الانتخابات لحماية المقاومة ووقف مسلسل "التفريط بحقوق الشعب الفلسطيني".

 فإنَّ نتائج الانتخابات وتداعياتها حرفتا الحركة عن هدفها المعلن، ليتغير إلى الهدف المعتاد عند من يصل إلى السلطة والحكم في دول العالم الثالث، حيث إن "البقاء في السلطة أحد أهم أولويات الحركة إن لم يكن أهمها في هذه المرحلة... كما مثَّل وصول حماس للسلطة من حيث الأولويات عودة إلى ما قبل تشكيل الحركة وبدئها في خوض المقاومة... أي إلى فترة الكتل الإسلامية التي كان التنافس بينها وبين قوى (م.ت.ف) هو جوهر هدفها، ذلك التنافس الذي ركَّز على تمثيل الشعب الفلسطيني أكثر منه على النهج الذي يفترض أن يسلكه الشعب من أجل التحرر" (ص26).

وتشير الدراسة في محورها الخامس إلى تبني حركة حماس الوسائل الديمقراطية بمفهومها المتعارف عليه دوليا، وتعاطيها الإيجابي مع العديد من المفاهيم السياسية المعاصرة؛ كالتداول السلمي للسلطة والاحتكام لصندوق الاقتراع... إلخ، ويفسر الكاتب هذا التوجه إلى المخزون الفكري للحركة المعتمد على الفلسفة الإخوانية في التغيير والإصلاح، إضافة إلى التنوع الذي يحياه المجتمع الفلسطيني، وما يواجهه من احتلال غاشم.

ويحذر البرغوثي في محور دراسته السادس من استخدام الحركة للفتوى الشرعية لكسب التعاطف والتأييد، حيث "أصدرت الحركة فتوى شرعية تجيز لها المشاركة في الانتخابات البلدية والتشريعية الفلسطينية التي جرت منذ العام 2004" (ص39).

وفي محورها السابع يشكك بالدور التغييري للحركة على الأقل في المرحلة الحالية، فالتغيير في فهم حركة حماس "يعني عمليا العودة عن التغيير الذي جرى على حياة الفلسطينيين في سنوات حكم فتح" (ص 48)، وستبقى الأسلمة في حدود ما هو شكلي وأخلاقي وقيمي وسلوكي، حيث سيستمر الحمساويون في التأكيد على "الالتزام بالخطاب الإسلامي وبرفع الأعلام الخضراء ورفع الشعارات الدينية.. وستعمل حماس على التأثير في السلوك الاجتماعي ليصبح سلوكا ذا طابع ديني" (ص48).

المقاربة العلمانية حول الإسلام السياسي

التزمت دراسة البرغوثي بالمفاهيم السائدة حول "الإسلام السياسي الفلسطيني"، والتي كرَّسها جيل من الباحثين الفلسطينيين العلمانيين عبر سلسلة طويلة من الأبحاث والدراسات بدأت بالظهور في ثمانينيات القرن الماضي، وبدا جهد البرغوثي منصبًا على محاولة إعادة إنتاج المقاربة العلمانية الكلاسيكية حول التيار الإسلامي في فلسطين، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال المخرجات التالية:

الافتقار للرؤية الإستراتيجية

تعطي الدراسة انطباعا -وإن بالتلميح وليس بالتصريح- بأن إسلاميي فلسطين يفتقرون إلى الرؤية الإستراتيجية، وهم أقرب في سلوكهم السياسي وقراراتهم التاريخية إلى العفوية وردات الفعل (ص25)، وللتدليل على ذلك يشير البرغوثي إلى نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جاءت على عكس توقعات حركة حماس، إضافة إلى ضعف استعداداتها لمواجهة استحقاقات الفوز، وعدم تمكنها من وضع إستراتيجية للدولة والحكم، وهنا لا بد من تسجيل بعض الملاحظات:

1- إنَّ تسارع المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية بعد انتهاء الحرب الباردة ودخول العالم عصر العولمة رفع من شأن البراجماتية السياسية حتى بدت صاحبة القول الفصل في تسيير السياسة، مما أعطى انطباعا بغياب الفكر الإستراتيجي عن أهداف وسلوك الدول والجماعات والأحزاب، وهذا ما ينسحب بشكل كبير على الحالة الفلسطينية. 

2- دفع إسلاميو فلسطين ضريبة انخراطهم في الفعل المقاوم انعداما للحظات الهدوء والتقاط الأنفاس ولزوم العمل السري والاستنزاف المتواصل للقادة والكوادر، الأمر الذي عرقل جهود المتخصصين في دراسة الحالة الإسلامية في فلسطين، وأجهض هذا الانخراط محاولات الكثيرين في فهم الرؤية الإستراتيجية والتفكير بعيد المدى لدى الحركة الإسلامية، وجعل مهمة الحفر في العمق والإجابة عن الأسئلة التأسيسية أمرا في غاية الصعوبة، فكيف بهم -والحال كذلك- يجيبون عن تساؤلات من قبيل: كيف تبلور حركة حماس مواقفها وقراراتها الإستراتيجية؟! وما هي آليات تقدير الموقف لديها، خصوصا عند المنحنيات التاريخية والمحطات المصيرية؟! وهل لديها طاقم للتفكير الإستراتيجي؟! وبالتالي هل لديها رؤية إستراتيجية؟!

3- إن القراءة المتأنية لسلوك حركة حماس السياسي ولقراراتها المصيرية منذ انطلاقتها، توحي بامتلاك دوائر صنع القرار فيها القدرة على هضم المعطيات المحلية والإقليمية والدولية، واتخاذ القرارات الإستراتيجية المناسبة، ويمكن ملاحظة ذلك في قرار انطلاقتها، وقرار مبعديها إلى مرج الزهور العودة مهما تكن التضحيات، وقرارها معارضة أوسلو، وقرارها عدم المشاركة في الانتخابات التشريعية الأولى، وقرارها عدم استخدام العنف في مواجهة السلطة... إلخ.

4- إنَّ تفاوت التوقعات داخل أطر حركة حماس قبيل الانتخابات لا يعني عدم أخذ الإسلاميين بعين الاعتبار مختلف السيناريوهات، بل التخطيط المسبق لسيناريو الفوز، ونشير هنا إلى أنَّ العديد من قادة الحركة وعلى أعلى المستويات صرحوا بأنهم في طريقهم إلى حصد عدد كبير من المقاعد، ويمكن في هذا الصدد الرجوع إلى المحاضرات التي ألقاها عدد من قادة الحركة، من بينهم الدكتور محمود الزهار عبر الهاتف على مسامع أسرى سجن النقب قبيل الانتخابات، والتي أكدوا فيها أنَّ الحركة تعد نفسها ليس فقط للفوز ولكن للحكم أيضا.

5- يعود التفاوت بشأن توقعات نتائج الانتخابات بين كوادر حماس في الضفة والقطاع (استند البرغوثي في وجهة نظره حول عدم جاهزية حركة حماس للفوز إلى تصريحات بعض كوادر حماس في الضفة) إلى جملة عوامل هيأت للحركة في القطاع أجواء مناسبة للوصول إلى تقديرات أقرب إلى الصحة، ولتكون أكثر جاهزية لوضع إستراتيجيات مرحلية لتحمل تبعات الفوز.

من هذه الاستراتيجيات على سبيل المثال: انتفاضة الأقصى التي ضاعفت من مساحة العمل المقاوم، ومنحت الحركة فرصة لإعادة ترتيب وضعها الداخلي، وتجاوز سلبيات مرحلة ما قبل العام 2000، والتداعيات الإيجابية لانسحاب الاحتلال من القطاع، إذ نجحت حماس في استثماره فقوّت بنيتها العسكرية والتنظيمية والإدارية وراكمت خبراتها استعدادا لتوسيع دائرة مشاركتها في الشأن العام، في حين واجهت الضفة وضعا أكثر تعقيدا، إذ استغل الاحتلال اندلاع انتفاضة الأقصى لإحداث تغييرات جوهرية على الأرض، فأقام جدار الفصل العنصري، ووسَّع الاستيطان، واستمر في حملته لاستنزاف طاقات الشعب الفلسطيني العسكرية والسياسية والتنظيمية، لمنعه من ترجمة صموده على الأرض إلى خطوات عملية تؤدي إلى تطوير هياكله الإدارية والاقتصادية ونظامه السياسي، وقد انعكس ذلك سلبا على قطاعات العمل الإسلامي المختلفة فأخفقت في تقدير النتائج، وبدت ضعيفة في مواجهة التحديات التي أفرزتها مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية.

6- تؤكد قدرة حماس على تحمل الحصار والصمود في وجه الضغوط الدولية والإقليمية والمحلية، واستمرار عمل حكومتها في القطاع ما ذهب إليه كثيرون من أن الحركة تمتلك رؤية إستراتيجية للتعاطي مع المرحلة بكل تعقيداتها، لكن الإستراتيجية وحدها لا تكفي لإحراز النجاح، ولا يمكن إغفال جوانب الضعف في أداء الحركة، إنْ على مستوى الوضع الداخلي أو في إدارة الصراع مع الاحتلال أو في التعاطي مع المجتمع الدولي، وفي اعتقادي يعود الخلل في الأداء إلى جملة معطيات، منها: واقع القضية الفلسطينية وتشابكها الإقليمي والدولي، وكون حماس حركة تحرر وطني يتركز اهتمامها على التخلص من الاحتلال، وواقع السلطة الفلسطينية كحالة ما دون الدولة، تعاني الفوضى العارمة في معظم مفاصلها الرئيسية.

أقرب إلى المحافظة وأبعد عن التغيير

يؤكد البرغوثي في دراسته ابتعاد الإسلاميين الفلسطينيين عن شعار التغيير والإصلاح، وأنَّهم لن يغادروا مربع ما هو موجود، بل سيكرسون الثقافة السائدة (ص52)، ولعل بواعث التشاؤم لدى الكاتب من إمكانية حدوث تغيير من نوع ما مبعثها الدراسة الدقيقة للواقع المحلي والإقليمي والدولي الذي يريد إفشال تجربة الإسلاميين الفلسطينيين، لكنه أيضا تعبير عن موقف إيديولوجي يرى الإسلام السياسي كحالة ارتداد وماضوية بكل ما تعني الكلمة من محافظة وركون إلى الواقع والتمسك بالتقليد.

وسواء وافقنا الكاتب أم خالفناه، فإنَّ هامش المناورة لدى حركة حماس محدود، وستستمر في تركيز جهدها على الشق السياسي في محاولة منها لحماية المقاومة والتمسك بالثوابت الوطنية، وليس التربية والتعليم كما توقع الكاتب، كون الهم السياسي هو الشغل الشاغل لدى غالبية الشعب الفلسطيني، وهو الأقرب إلى طبيعة حماس كحركة سياسية مقاومة، أما فيما يتعلق بالشق الاقتصادي فأوافق الكاتب في أنه لن يشهد تغييرا جوهريا، ولكن ليس لغياب الرؤية والافتقار إلى البرامج، ولكن بفعل عوامل أخرى يتربع العامل الإسرائيلي على قمتها، وبرأيي أنَّ ما نشاهده اليوم - وخصوصا بعد فرض الحصار على خيار الشعب الفلسطيني - ما هو إلا إدارة لأزمة أكثر منه تطبيقا لبرنامج إصلاحي، ولم يبق للإصلاح والتغيير في خضم الصراعات والضغوط والضربات من كل جانب إلا النَّزْرُ اليسير.

الأسلمة الشكلية بديل عن أسلمة الدولة 

تثير هذه الخلاصة العديد من التساؤلات؛ فعلى المستوى النظري ماذا يعني الكاتب بأسلمة الدولة؟ هل المقصود استنساخ ما أطلق عليه علماء المسلمين في القرون الوسطى بالخلافة مفاهيميا وإداريا؟ أم أنّها أسلمة المنطلقات والأهداف التي تقوم عليها الدولة الحديثة؟ أم إقامة الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية؟ وماذا نعني بأسلمة مؤسسات الدولة وجهازها الإداري؟ وهل نعتبر الحالة الفلسطينية نموذجية للدولة الحديثة؟ أم أننا أمام نموذج مشوّه لسلطة منزوعة السيادة، ومحدودة المهام، تعيش تحت الاحتلال، وفي خضم استقطاب سياسي داخلي حاد وفوضى وفلتان نال معظم نواحي الحياة؟

وهل علينا في سياق فهمنا لمصطلح تطبيق الشريعة أن نفصل بين ما هو ديني تعبدي- الشريعة كما يُفهم من الدراسة - ودنيوي مادي له علاقة بالممارسات السياسية والشئون الإدارية؟ أم فهم تطبيق الشريعة، كما يفهمه إسلاميو فلسطين، من زاوية تحقيق جوهر الإسلام واقعا في حياة المواطنين، بنشر قيم العدالة، وإطلاق الحريات العامة، والإدارة السليمة، وإدخال شرط الكفاءة في التعيينات، ومحاربة الفساد بتبني الشفافية وطهارة اليد، واستكمال مظاهر السيادة الوطنية... إلخ، دون إغفال الجانبين العقائدي والتعبدي والأخذ بعين الاعتبار بضرورة العمل بمصطلح التدرج في تطبيق الشريعة، والذي يسمح بتأجيل تنفيذ بعض الأحكام الشرعية؟ أم تبني الفهم المجتزأ الذي يحشر تطبيق الشريعة بزاوية محدودة من نظام العقوبات الشرعي والتي يطلق عليها الفقهاء مصطلح الحدود، وهي لا تتجاوز 6-7 عقوبات؟ وبعضها اختلف عليه العلماء وارتبط تطبيقه بتحقيق جملة من الشروط العسيرة كحد زنا المحصن.

أعتقد أنَّه كان على الكاتب الإجابة على التساؤلات أعلاه فهي في غاية الأهمية ومرتبطة عضويا بالخلاصة التي وصل إليها. 

أما عن الأسلمة الشكلية التي لن تتجاوز البعد الأخلاقي التربوي الشعاراتي، كما يقول الكاتب، فأشير إلى الإنجاز الذي حققه الإسلاميون في الأعوام القليلة الماضية، وهو الارتباط عضويا بالمقاومة حتى غدت رديفا للأسلمة. الأمر الذي يفسر تبني غالبية الفصائل الفلسطينية المقاوِِمة للتعبئة الإسلامية والتكتيكات الإسلامية، وهذا باعتقادي أكبر إنجازات الإسلاميين الفلسطينيين، إذ الأهم لدى أية حركة تحرّر تريد الخلاص من الاحتلال هو الفعل المقاوم ضده، وهذا ما عكف عليه الفلسطينيون على مدار قرن من الزمن، وهذا ما جعل المقاومة أحد أهم عناوين الشرعية والقبول داخليا.

وبرغم صوابية ما ذهب إليه الكاتب في تبيان موقف إسلاميي فلسطين من الديمقراطية، إلا أنني لا أشاطره تخوفاته من المواقف الرمادية لبعض كوادر الحركة الإسلامية، خصوصا مع تبني الحركة رسميا للوسائل الديمقراطية في العمل العام ومواقفها المؤكدة بالتزامها بهذا النهج وهامشية المواقف المخالفة داخل الحركة.

الإسلاموفوبيا والدعوة لتحييد الدين

تناولت الدراسة موضوع تعاظم دور الدين في فلسطين بمنطق التخويف والتحذير، وتوقعت أنَّ استمرار تدخل الدين في شئون الحياة المختلفة سيؤدي إلى تكريس الطائفية واستخدامه كورقة لصالح الطبقة الحاكمة أو العشيرة أو الأسرة أو الحزب الديني الحاكم، ولعل من المنطقي الحَذَر من ورقة الدين، وخصوصا فيما نشاهده من ويلات الصراعات الداخلية في بقع التوتر المنتشرة في الوطن العربي، ودخول عنصر الفتوى الشرعية مؤخرا لمربع التنافس السياسي بين الفلسطينيين وتحديدا في قطاع غزة.

لكنَّ التجربة التاريخية لا تشير إلى خطورة ورقة الدين في المنافسة السياسية بين الأحزاب والجماعات الفلسطينية ولا إلى خطورة التجاذبات الدينية بين الفئات والمذاهب المختلفة، بل على العكس من ذلك، حيث اندمج السياسي بالديني منذ بدايات ظهور الشخصية الوطنية الفلسطينية دون أن يشكل الدين عنصر توتير أو ورقة مقايضة بين الأحزاب والتيارات السياسية, كما ساهمت القضية الفلسطينية في تهذيب استخدام السياسيين للدين في الشأن العام، وكانت مقاومة المحتل هي الأرضية الصلبة التي وحَّدت الفلسطينيين بمختلف أطيافهم منذ مطلع القرن العشرين.

أما التجربة الانتخابية لحركة حماس وما واكبها من خطاب سياسي ودعاية انتخابية وممارسات على الأرض، والفكر الوسطي للحركة والتبني الرسمي للخيار الشعبي الذي يحدده صندوق الاقتراع، والتأكيد الدائم أنَّ اختلاف الحركة مع الأحزاب والجماعات الفلسطينية الأخرى لا يندرج إلا في إطار الاختلاف والاجتهاد السياسي، فيقلل من شأن دعوات التحذير من استخدام الإسلاميين للدين في الحياة السياسية الفلسطينية.

إنَّ أي مراجعة متأنية لخطاب حركة حماس وتنظيراتها سواء لقاعدتها أو لباقي أطياف وفئات الشعب الفلسطيني، حتى في أوج صراعها الميداني المسلح مع حركة فتح ستشير - بغض النظر إن اتفقنا أو اختلفنا معه - إلى خطاب قائم أساسا على المنطق السياسي والمحاجة العقلانية، وليس للفتاوى الشرعية التي ضُخمت إعلاميا بشكل كبير حتى بدت كأنها هي المحرك للأحداث.

انقلاب الإسلاميين على نهج المقاومة

يعتقد البرغوثي أنَّ قبول الإسلاميين بفتح الباب على مصراعيه للتنافس مع فتح على قيادة المجتمع الفلسطيني من خلال المشاركة الفاعلة في الانتخابات التشريعية، والفوز بالأغلبية دفعهم إلى "تجميد" المقاومة بشكل فعلي، وهذا ما مهَّد الطريق لعودة الحركة إلى مرحلة ما قبل 14/12/1987م. وباعتقادي أنَّ حركة حماس لم تتراجع عن نهجها بعد فوزها في الانتخابات وذلك لعدة أسباب:

1- يشكل قرار انتقال جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين من مرحلة الدعوة إلى مرحلة المقاومة الذي تجسد عمليا في تشكيل حركة حماس خطوة إستراتيجية وجذرية لا يمكن التراجع عنها إلا في حالة غياب الأسباب التي أدت إليها، أو إعلان وفاة حماس كحركة سياسية مقاومة.

2- أصبح من العسير على حركة حماس وهي التي ربطت نفسها عضويا بالمقاومة التراجع عن نهجها المقاوم بعد عقدين من الصراع الدامي مع الاحتلال، وتقديمها للتضحيات الجسام، والالتفاف الجماهيري الكبير حول برنامجها، وصعودها إلى أعلى مراتب الهرم السياسي على أساسه.

3- مرور الحركة بمحطات تاريخية مفصلية كادت تجبرها على التخلي عن نهج المقاومة إلا أنَّها تجاوزتها، مثل صمودها في مرحلة الإبعاد إلى لبنان في بداية تسعينيات القرن الماضي، وصمودها أمام إفرازات أوسلو والمحاولات الحثيثة لإخضاعها.

4- استمرار المقاومة، وازدياد حدتها وتحديدا في قطاع غزة دليل واضح على عدم مغادرة الحركة لمربع المقاومة.

5- حديث الحركة المتواصل عن محاولاتها تطوير المفهوم الكلاسيكي للمقاومة بتبنيها نظرية السلطة المقاومة، بحيث توسع العمل المقاوم ليشمل الدوائر السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

6- برغم تعرض الحركة لسياسة استئصالية ولشتى صنوف الملاحقة والتضييق والحصار نتيجة لمواقفها الرافضة للاعتراف بالاحتلال والمتمسكة بالثوابت الفلسطينية، إلا أنها آثرت البقاء على مواقفها وربطت مصيرها بذلك.

كلمة أخيرة

لا شك أن دراسة البرغوثي تستحق التقدير، وخصوصا من كاتب رصد التجربة الإسلامية منذ بداياتها، وكان شاهد عيان خبر النشأة والتطور بحكم كونه طالبا جامعيا عند تبلور أول جسم نقابي فاعل للحركة الإسلامية "الكتلة الإسلامية"، ثم كباحث نشر العديد من الأبحاث والدراسات والمقالات عن الحركة الإسلامية، وقد أكسبته موضوعيته وعمق ملاحظاته وحسه الوطني وتحليله المتوازن لما يحدث على الساحة الفلسطينية احتراما في الأوساط الأكاديمية ولدى الحركات السياسية الفلسطينية، لكن تقدم أولوية التحرر ومواجهة الاحتلال على شئون الحكم والتغيير الاقتصادي والاجتماعي في فلسطين لدى غالبية الفصائل والأحزاب صعَّبا من مهمة البرغوثي، وقلَّلا من أهمية بعض ما خلص إليه من نتائج، كما أنَّ إعادة تسليطه الضوء على بعض أطروحاته التي سبق ونشرها، وندرة مصادره الأوَّلية - وثائق داخلية، دراسات لمفكري الحركة ومنظريها، بيانات... إلخ - باستثناء بعض المقابلات مع كوادر للحركة من الصف الثاني والثالث يدفع القارئ إلى الاعتقاد بأنَّ الدراسة جاءت على عجل.


باحث فلسطيني، حاصل على ماجستير العلوم السياسية من جامعة بيرزيت.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات