|
| الدعم النقدي.. هل يمتد لرغيف الخبز؟ |
في خطابة بافتتاح الدورة البرلمانية لمجلسي الشعب والشورى يوم 14 من نوفمبر 2007 دعا الرئيس المصري محمد حسني مبارك إلى حوار مجتمعي تشارك فيه الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والصحافة حول قضية الدعم.. وجاءت هذه الدعوة بعد أيام من مؤتمر الحزب الوطني الحاكم الذي أكد خلاله د. يوسف بطرس غالي وزير المالية المصري أن الحكومة تنوي استبدال الدعم النقدي بالدعم السلعي لضمان وصول الدعم لمستحقيه، وهو ما أكد عليه أيضًا د. علي المصيلحي في ندوة نظمها مركز ساقية عبد المنعم الصاوي الثقافي بحي الزمالك بالقاهرة يوم 12 من نوفمبر 2007.
ورغم أن تصريحات وزراء الحكومة التي سبقت دعوة الرئيس توحي بأن الأمر تم حسمه فإن هذه الدعوة أعادت القضية مرة أخرى إلى مائدة الحوار بمصر، وأصبح السؤال الدائر حاليًّا في الوسط الاقتصادي:
ما هو الشكل الأمثل لتقديم الدعم؟
المواطنون المصريون أجابوا عن هذا السؤال قبل مؤتمر الحزب الوطني ودعوة الرئيس بثلاثة أعوام، وأعلن 69% ممن شملهم استطلاع للرأي أجراه مركز معلومات مجلس الوزراء في ديسمبر 2004، أنهم يرون أن الدعم لا يصل إلى مستحقيه، وإن كان شكله الحالي هو الأمثل من وجهة نظر 59% منهم، ولكن مع إجراء بعض التطوير في التنفيذ بحيث يصل فقط إلى المستحقين.
وفي مقابل هؤلاء أبدى 22% رفضهم للنظام الحالي، واقترح 48.6% منهم زيادة المرتبات كبديل للدعم، في حين أشار 43.5% إلى التحول إلى الدعم النقدي، ورأى 5.2% أن خفض الضرائب يُعَدّ وسيلة مناسبة، بينما طالبت نسبة 1.2% بضرورة إنشاء جمعيات استهلاكية زراعية يتم فيها توزيع السلع على المستحقين، واقترح 0.7% أن تتولى الشئون الاجتماعية تحديد مستحقي الدعم.
المشكلة في التطبيق
ويميل الخبير الاقتصادي د. رشاد عبده إلى ترجيح كفة الاتجاه الذي ذهب إليه المواطنون في الإبقاء على الشكل الحالي للدعم مع تطويره حتى يصل لمستحقيه، ولكن لا مانع لديه من تطبيق الدعم النقدي، طالما سيسبق ذلك إجراءات لضبط الأسواق للحفاظ على استقرار الأسعار، فالمشكلة -على حد قوله- ليست في شكل الدعم، ولكن في مدى استفادة المواطنين منه.
ويقول د. عبده: "الشكل الحالي للدعم لا يصل لمستحقيه، وكذلك الشكل النقدي لن يصل أيضًا".
فإذا كانت المشكلة في الدعم الحالي أن هناك من يزاحم مستحقيه في الحصول عليه فإن الدعم النقدي سيذهب إلى التاجر الذي سيرفع السعر لتدخل أموال الدعم في خزانته.
لذلك فإن الحل هو توفير الحماية للأسواق وبعد ذلك يأتي التفكير في التغيير، ويرى د. عبده أن الانتقال من السوق الاحتكاري إلى السوق التنافسي وسيلة هامة لتحقيق هذه الحماية، فكلما زاد عدد المنتجين كانت فرصة الاتفاق فيما بينهم على زيادة الأسعار ضعيفة.
ويدعو إلى تعميم تجربة التعامل الحكومي مع تجار الأسمنت على كل السلع، حيث ألزمت الحكومة التجار المحتكرين بسعر محدد في السوق المحلي، وعندما أحجم التجار عن البيع وتوجيه معظم إنتاجهم للتصدير رفعت عنهم دعم الطاقة وزادت من رسوم التصدير، كما أصدرت عدة رخص لمصانع جديدة للقضاء على الاحتكار، وساهم كل ذلك في ضبط السوق.
الرقم القياسي ضروري
ويتفق د. عبد المطلب عبد الحميد مع الرأي السابق مؤكدًا ضرورة وجود ما يعرف بنظام الرقم القياسي الذي يراقب الأسواق ويعمل على تحقيق التوازن بين الأسعار والدخول، بحيث تقوم الحكومة بتعديل الدخول بما يتلاءم مع حالة الأسعار والتدخل في الوقت المناسب لضبط الأسعار بالسوق.
ويرى أنه بدون هذا النظام يمكن أن تتحول الأسواق إلى حالة من الفوضى مع الاتجاه نحو الدعم النقدي.
ويطالب بضرورة الإسراع بإعداد هذا النظام للقضاء على شكل الدعم العيني الذي أثبت في الرسالة التي أعدها للحصول على درجة الماجستير عام 1982 أنه نظام غير ملائم، حيث تضيع الأموال التي تنفق عليه بين اتجار غير مشروع وإهدار للسلع؛ لأنها غالبًا ما تكون رديئة.
ولكن التحول إلى الدعم العيني لا بد أن يتم من وجهة نظره على مراحل، مع استثناء رغيف الخبز الذي يرى أن أفضل طريقة لكي يصل إلى مستحقيه هو توزيعه من خلال "كوبونات" يحصل عليها المستحقون من وزارة التضامن الاجتماعي وتصرف لهم حصتهم اليومية من الخبز بها.
وعن السبب في استثناء الخبز قال د. عبد المطلب: "الخبز سلعة إستراتيجية يصعب تركها لاحتمالات التلاعب حتى تتدخل الحكومة".
وعلى ذلك، يبدو أن المشكلة ليست في الدعم النقدي في حد ذاته، ولكن فيما سيتلوه من ارتفاع متوقع بالأسعار، فهل ستقوم الحكومة بعلاج هذه المشكلة قبل التطبيق الفعلي كما طالب الخبراء، أم ستُصرّ على أسلوب "العربة التي تجر الحصان"؟!
محرر بصفحة نماء، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للنطاق namaa@iolteam.com
|