English

 

الأحد. نوفمبر. 18, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

أزمة لبنان أزمة إقليمية

نبيل شبيب

Image
قد يطرأ جديد خلال أيام معدودة قبل موعد الجلسة الحاسمة بشأن انتخابات الرئاسة اللبنانية التي يجب إجراؤها قبل 23-11-2007م، ولكن ما يوجد بين أيدينا ساعة كتابة هذه السطور، لا يبعث على الاطمئنان، بل يرجّح خطر الدفع بلبنان بقوة باتجاه تفتيت الدولة القائمة إلى دويلتين وربما أكثر، والجميع يزعم داخل لبنان الحرص على عدم وقوع ذلك، ولكن هل يوجد في نطاق التعامل مع الأزمة القائمة ما يوحي بسواه؟..

جوهر النزاع

عندما يتحدث أي طرف غير لبناني عن النزاع الداخلي في لبنان، لا بد أن يُظهر انحيازًا ما إلى هذا الجانب أو ذاك، سواء في ذلك حديث من يتخذ موقفًا سياسيًّا، أو الحديث الإعلامي. وعندما يتناول المتحدّث ما هو مطروح في الساحة اللبنانية -وهو في الوقت الحاضر مسألة الرئاسة اللبنانية- فيتطرّق إلى الخلاف على ما تعنيه كلمة الوفاق الوطني أو "التوافق" في الدستور، وإلى الخلاف على النصاب القانوني لاجتماع انتخاب الرئيس الجديد، وعلى غالبية الأصوات ما بين الثلثين أو النصف زائد واحد، وعلى مشروعية انعقاد المجلس النيابي خارج مقره الرسمي، أو يتطرّق إلى ما يدور من تعليلات واتهامات مرافقة لتلك الخلافات، مثل مسألة المحكمة الدولية وما يصنع بها، ومسألة تنفيذ لبنان -أي الطرف الضحية في حرب 2006م العدوانية- للقرار رقم 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بعد إخفاق العدوان الإسرائيلي، بينما لا يكاد يُذكر شيء من المطالب تجاه الطرف المعتدي، ثم مسألة "سلاح الميليشيات"، ومسألة حصول المقاومة على السلاح من خارج الحدود، وسوى ذلك من القائمة الطويلة المعروفة.

عند التطرّق إلى تلك الخلافات والنقاط لا بد أن يصل الحديث إلى متاهة لا تنتهي، فتضيع جدواه، حتى ولو وصل المتحدّث في كل مسألة من هذه المسائل إلى قول صواب منطقي مقنع، فالكلام عن تلك التفاصيل لا يؤدي إلى تصوّر عقلاني واقعي ومقبول لحل الأزمة بحد ذاتها؛ إذ هو كلام يدور على "فقاعات هواء" خالية، وليست تلك النقاط سوى أدوات، أو هي في منزلة الحطب الذي يُلقى به لزيادة اشتعال الأزمة، أما أصل وجودها فهو قائم منذ وُلدت الدولة اللبنانية -كسواها عربيًّا- في رحم اتفاقات الدول الاستعمارية، بمعزل عن إرادة شعوب المنطقة، كاتفاقية سايكس بيكو.

جوهر الأزمة، أو الخلاف الحقيقي في لبنان هو خلاف بين فريق يريد أن يربط سياسات لبنان بالسياسات الغربية ليدور في فلكها (مثل دول أخرى في المنطقة وإن قيل تلك علاقات صداقة أو مصالح أو علاقات السياسة الواقعية) وبما يشمل الانفتاح على المشروع الصهيوأمريكي فيها، وبين فريق يريد أن يربط سياسات لبنان بسياسات دول إقليمية ترفض أن تدور دون تحفظ في فلك السياسات الغربية، لا سيما الأمريكية، ولم يبلغ انفتاحها على المشروع الصهيوأمريكي درجة الاستعداد الموجود لدى سواها للسلام والتطبيع، أي للتسليم وتصفية قضية فلسطين، وهنا لا نستطيع أن نقول إن هذا الطرف اللبناني يريد أن يربط لبنان بمحيطه العربي والإسلامي، فهذا قول يصحّ لو كان المقصود به الارتباط القائم على كل حال على مستوى الشعوب، أما على الصعيد السياسي المفروض فرضًا عبر استبداد دولي عدواني واستبداد محلي قمعي، فلا يوجد في الوقت الحاضر أصلاً "نسيجٌ" ما يجمع هذا الوسط العربي أو الإسلامي على سياسات إقليمية مشتركة قائمة بذاتها، تتعامل مع الواقع العالمي بمنظور المصالح الذاتية والمشتركة، بعد كل ما صنعته معاول هدم البنيان المشترك، الأجنبية والذاتية؛ ليحلّ مكانه ما يمكن وصفه بسياسات "الشرق أوسطيين" جدًّا، و"الشرق أوسطيين" قليلاً، أما من يتبنّى منطلقات عربية وإسلامية دون تزييف "شرق أوسطي" أجنبي، فلا يملك شيئًا يستحقّ الذكر على صعيد صناعة القرار.

التدخل الخارجي

الجانب الإيجابي الحاسم الذي يميز المرحلة الراهنة من الأزمة اللبنانية القديمة المتجددة على هذه الصورة منذ عقود وليس منذ شهور أو سنوات، هو أنها لا تدور حاليًّا ما بين جبهتين بانتماءين متجانسين طائفيًّا ودينيًّا، بل تجمع كل جبهة من طرفي النزاع عددًا من ألوان الطيف اللبناني التي تميّز معًا القالب الوطني المشترك للبنان الأرض والدولة والشعب، ومن هنا تسقط على الأقل ذريعة من كان يزعم التدخل في الشئون اللبنانية لصالح طائفة دون أخرى، وكذلك ذريعة من يزعم التدخل بدعوى تجنّب نزاعات طائفية.

لا يمكن أن يكون التدخل الخارجي من أي جهة كانت إذن تدخلاً لمصلحة الوطن اللبناني المشترك، بل هو كما كان على الدوام، ولا يزال، من أجل إلقاء مزيد من الوقود لبقاء الأزمة في لبنان مشتعلة، من خلال شدّه وشدّ سياساته عبر هذا الفريق اللبناني أو ذاك، في الاتجاه الذي يريده الطرف الخارجي الذي يمارس التدخل، ويقبل به الفريق اللبناني الذي يسمح لنفسه بأن يكون أداة داخلية لتدخل خارجي على حساب الوطن المشترك.

لا ريب أن القسط "اللبناني" من الأزمة اللبنانية في الوقت الحاضر هو قسط العجز حتى الآن عن حسم انتماء الوطن المشترك إلى محيطه العربي والإسلامي، حضاريًّا وسياسيًّا وأهدافًا ومصيرًا، ولكن المرحلة الراهنة من الأزمة يغلب عليها القسط "الخارجي" لاستغلال هذا المرض اللبناني المزمن، لحسابات خارجية، دولية وإقليمية.
والقسط اللبناني من الأزمة نفسه ليس إلا جزءًا من نسيج الأزمات المتقطع والتي تعصف بالمنطقة بأسرها نتيجة ممارسة سياسات لا تقوم على انتماء عربي ولا إسلامي ولا وطني قدر ما تقوم على مصالح ومنافع ذاتية ضيّقة، يسمّونها "قطرية" أحيانًا، وتوظّف في خدمة تصوّرات معادية وفق رؤية المشاريع الشرق أوسطية التي تمكّن من استمرار الهيمنة الأجنبية أو تثبيتها أو تقديم الخدمات لها.

مطالب لبنانية ومطالب إقليمية

إن في المنطقة أو في الوسط العربي والإسلامي الذي ينتمي إليه لبنان، ذلك المصاب عينه الذي يمكن أن يلام عليه الفريق اللبناني الذي يقبل بتدخل سفير أمريكي أو سفير فرنسي، ووزير أوروبي أو مفوض دولي، أكثر مما يقبل بتدخل سفير أو وزير أو مفوض عربي أو إسلامي، إلا إذا كان -مثله- مرتبطًا بقوى أجنبية. فمن أراد أن يطالب في موقف سياسي أو موقف إعلامي ذلك الفريق اللبناني أن يخرج من فلك التبعية الأجنبية، عليه أن يضع هذا المطلب في الإطار الشامل فيطالب دولاً أخرى وساسة آخرين في المنطقة بذلك دون تمييز، لا سيما ما بات يعرف بمحور الدول المعتدلة من وراء واشنطن، أي عبر سياسة التبعية الملفوفة بغشاء الصداقة مع واشنطن، وهي التي لم ينقطع عدوانها يومًا، من قبل نشأة قضية فلسطين حتى الآن.

وإن في المنطقة أو في الوسط العربي والإسلامي الذي ينتمي إليه لبنان، عددًا من الدول التي تمارس سياسة مناهضة للهيمنة الأجنبية، أو سياسة ممانعة -كما يقال للتهوين من شأنها- تجاه مخطّطات التسليم للمشروع الصهيوأمريكي في المنطقة، ولكن يجب أن يقال بوضوح أيضًا، إن حكومات هذه الدول، وعلى وجه التحديد ما بات يوصف بمحور سوريا وإيران والمقاومة، لم تمارس منذ زمن طويل سياسة عربية وإسلامية جامعة، فمنظورها الذي يوصف بالمنظور القطري، وإن قيل هو قومي عربي أو إسلامي والذي يقوم داخليًّا على استئثار فريق بعينه بالسلطة تحت مختلف العناوين والشعارات والمسميات، هو المنظور الذي حكم ويحكم سياساتها، تجاه لبنان والمقاومة فيه، وتجاه المقاومة الفلسطينية أيضًا، وتجاه مختلف القضايا المطروحة على الساحة العربية والإسلامية بقوة، مثل قضية العراق أو السودان.

إن التدخل الدولي في لبنان يستهدف الهيمنة، فلا فرق بين لبنان وسواه على هذا الصعيد إطلاقًا، وإن أزمة لبنان لا يمكن التعامل معها بمعزل عن أزمة الوسط الإقليمي حول لبنان، وكما أمكن التوصل إلى اتفاقات دولية وإقليمية لإنهاء الحرب الأهلية في لبنان لحساب الوجود السوري فيه آنذاك، وكما أمكن لاحقًا التوصل إلى اتفاق الطائف على أمل إنهاء الوجود السوري وتحقيق الاستقرار الذاتي في لبنان آنذاك، يمكن التوصل الآن إلى صورة من صور الاتفاقات الدولية والإقليمية لإنهاء أزمة انتخابات الرئاسة، وربما الحفاظ على الوحدة الشكلية للدولة اللبنانية، ولكن جميع هذه الاتفاقات لا يمكن أن تعالج جوهر الأزمة اللبنانية، كما أنها لا يمكن أن تحول دون جعل لبنان إما بوابة لمزيد من الهيمنة الأجنبية والعدوان القائم في فلسطين المجاورة، أو بوابة لمقاومة هذا وذاك، أو جعله ساحة صراع بين الاتجاهين.

الخيط الأول للإمساك بجوهر الأزمة اللبنانية هو خيط لبناني أولاً وعربي وإسلامي إقليمي مشترك ثانيًا، يبدأ مفعوله لحظة انتشار الاقتناع بإعطاء الأولوية للمصالح الإقليمية المشتركة تجاه مختلف الارتباطات والعلاقات الدولية، مثلما تفعل مناطق أخرى في أنحاء العالم، أو شرعت في ذلك على الأقل، بدءًا بجنوب شرق آسيا، مرورًا بأوروبا نفسها، انتهاء بالأمريكتين الوسطى والجنوبية.

وعندما توجد الدول العربية والإسلامية نسيجًا إقليميًّا مشتركًا مستقرًّا حول لبنان، تسقط أعذار من يبحثون عن نسيج يربطهم بدول أجنبية، بل قد تتلاقى آنذاك الممارسات السياسية القويمة، مع ممارسات المقاومة القويمة، في لبنان وعلى امتداد المنطقة، وتوضع البذور الأولى لبداية عهد جديد ينهي حقبة التشرذم والتجزئة والصراعات التي لا تخدم في حصيلتها أي طرف من الأطراف، إلا الأطراف المعادية منفردة ومجتمعة.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات