English

 

الأحد. نوفمبر. 18, 2007

نماء » قضايا اقتصادية » بلاد الشام

 

إلغاء الدعم بسوريا.. الدواء المر *

Image
إلغاء الدعم على المحروقات قد يؤدي لكارثة

دمشق، سعاد جروس - وصلت السيدة في «تاكسي» إلى مقصدها.. نظرت إلى العداد قبل أن تناول السائق 50 ليرة سورية، وكان أكثر قليلا من الرقم الظاهر على العداد.. نظر إليها السائق شذرا وقال، باقي 25 ليرة، ولدى استنكارها هذا التصرف أجابها السائق: يا أختي أسعار البنزين سترتفع قريبا.. 

هذا المشهد صار من المشاهد المتكررة في سوريا بعد أن تسبب حديث الحكومة السورية حول نيتها رفع الدعم عن المواد الأساسية والمحروقات منذ 3 أشهر تقريبا في إشعال فتيل فوضى ارتفاع الأسعار.

وأفادت أرقام رسمية أن نسبة الارتفاع بين شهري رمضان عام 2006 و2007، تقدر بأكثر من 100% بالنسبة لمواد كالسمن والزيوت، أما بالنسبة للفستق الحلبي والجوز، فنسبة ارتفاع أسعارها فاقت 70%، في المقابل تآكلت الأجور والرواتب منذ عام على الأقل بنسب زادت عن 30%.

وتزامنت هذه الفوضى مع ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة يعيشها السوريون، وبالأخص في الشهر التاسع من كل عام والذي يعتبر شهر النكبة المالية، فهو شهر العودة إلى المدارس والجامعات، بما يعنيه ذلك من شراء العائلات لأبنائها ملابس وكتب ودفاتر، بالإضافة إلى رسوم التسجيل الباهظة في المدارس، لا سيما مع انتشار المدارس الخاصة التي يتراوح الرسم السنوي فيها للتلميذ الواحد ما بين (40 ألفا ـ 100 ألف ليرة، أي ما يعادل 800 ـ 2000 دولار).

وكان السوريون حتى فترة قريبة يتعلمون مجانا في المدارس والجامعات العامة، وبما يتناسب مع متوسط دخل الفرد الذي يتراوح في أحسن الحالات بين 10 و 15 ألف ليرة (200 ـ 300 دولار)، ويضاف إلى تلك التكاليف في الشهر التاسع، مصاريف تخزين المؤن من المواد الغذائية، كالزيتون والمكدوس والبرغل والخضار المثلج.

نحن قلقون

هناء قاسم ربة منزل ولديها 4 أبناء في المدارس، تقول إنها اضطرت لتسجيل ابنها في مدرسة ثانوية حكومية، بعد نيله الشهادة الإعدادية التي درسها في مدرسة خاصة؛ لأنه لم يعد بالإمكان تحمل مزيد من الأعباء، فما زال لديها طفلان في الابتدائي يتعلمان في مدرسة خاصة، وآخر في الإعدادي، وفي كل عام هناك نصف مليون ليرة تدفع مطلع كل سنة دراسية، ومع ارتفاع الأسعار صار العبء ثقيلا جدا.
خالد عطوي مدرس علوم يعمل نهارا في المدرسة، وطوال ساعات بعد الظهر يعطي حصصا خصوصية، يقول: أعمل ليل نهار لأتمكن من تأمين معيشة الحد الأدنى لأولادي الستة، علما بأن زوجتي موظفة أيضا، لكن آخر الشهر ليس من المستبعد أبدا أن نكون مدينين بمبلغ لا يقل عن عشرة آلاف ليرة؛ فالمعيشة صارت صعبة جدا.

فاطمة صاحبة صالون تجميل للسيدات، تقول إن دخلها جيد، وفي بعض الأحيان جيد جدا قياسا بالأعوام السابقة، لكن هذا العام تشعر أنه لا يكفي لتلبية الحد المعقول من مصاريف البيت، فكل شيء غال، ومن الطبيعي أن تبدي قلقها حيال المستقبل، إذا كانت الآن يمكنها العمل بكامل طاقتها، لكن إلى متى ستبقى صحتها على حالها، ما دامت الأسعار تتغير بهذه السرعة؟!

المزارع محمد أبو ريا من محافظة حمص بدا عليه أنه الأكثر قلقا على معيشته، كباقي المزارعين، ويقول إنه في ظل دعم الحكومة للمحروقات، ودعم الفلاحين لا يمكن اعتبار وضعنا جيدا، نحن نلاقي صعوبة في بيع محاصيلنا. ويتساءل: ترى ماذا سيحل بنا إذا رُفع الدعم عن المحروقات وارتفعت تكاليف الزراعة؟

تراجع حكومي

حيال خوف المواطنين المتزايد والصخب الإعلامي اضطرت الحكومة لتهدئة الحوار الذي أطلقته حول رفع الدعم، معلنة استنفارها لضبط تفاقم الفوضى في السوق، واتخذت وزارة الاقتصاد جملة من الإجراءات لضبط الأسواق، إذ عممت على مديريات التجارة الداخلية في المحافظات ضرورة استمرار عمل دوريات حماية المستهلك على مدار الساعة، وتقسيم المدن والمحافظات إلى قطاعات تتناسب مع عدد عناصر الحماية المكلفة بأعمال الرقابة التموينية، كما عممت أرقاما للشكاوى في وسائل الإعلام المحلية وعبر الشريط الإخباري في التلفزيون.

أبو مصطفى الذي يقطن في إحدى ضواحي دمشق جرب الاتصال بتلك الأرقام ليشتكي بقال الحارة الذي باع الخضار والفواكه بأسعار مضاعفة، فتم التجاوب معه فورا، وحضرت دورية إلى المحل، وتم تغريم البقال بمبلغ 6 آلاف ليرة مع إغلاق المحل لعدة أيام. ويضيف أبو مصطفى: صحيح تضرر البقال لكن أنا شخصيا لم أستفد ولم تعوض خسارتي.

ويؤكد وزير الاقتصاد والتجارة عامر حسني لطفي أن وزارته حققت نجاحا «نسبيا» في ضبط الأسعار؛ لأنها أثرت بشكل أو بآخر على عدد من السلع. وحسب التقارير الآتية من المحافظات فإن الأرقام تشير إلى انخفاض نسبي في بعض السلع. بينما المسئولون الحكوميون عاتبون على المواطنين لأنهم لا يتعاونون مع الحكومة للوقوف في وجه التلاعب بالأسواق، والكشف عن عمليات الغش والتزوير. وتحدثوا عن أزمة ضمير لدى الباعة لعدم تقيدهم بالتسعير النظامي ومراعاة الجودة والنوعية.

بين الرفض والقبول

وكانت قضية رفع الدعم قد أثارها بقوة وزراء المجموعة الاقتصادية بالحكومة السورية قبل 3 أشهر وقامت الصحف الرسمية الثلاث بتهيئة المواطنين لذلك، عبر نقل تصريحاتهم التي أكدت أن الدعم فشل في تحقيق العدالة في التوزيع، وقال الوزراء: إن أكثر من 56% من الدعم المقدم للمشتقات النفطية والطاقة وغيرها من المواد الغذائية لا يصل إلى مستحقيه من المواطنين، ودعم المحروقات يكبد الدولة يوميا خسارة تقدر بـ 750 مليون ليرة  (الدولار يعادل 50 ليرة سورية) وستصل في العام القادم إلى 350 مليار ليرة؛ ما يشكل أكثر من 60% من الموازنة العامة للدولة وحوالي 14% من الناتج المحلى الإجمالي.

ورغم أن هذا التوجه قد أثار موجة من الاعتراضات خاصة لدى حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي السوري حيث اعتبرا إقدام الدولة على مثل هذه الخطوة دون أن تكون ممسكة بزمام الأسعار بالسوق يؤدي إلى تداعيات خطيرة فإن بعض الاقتصاديين طالبوا برفع الدعم معتبرين ذلك هو الدواء المر لإصلاح الاقتصاد السوري.

ويقول الخبير الاقتصادي د. نبيل سكر: «ترشيد وتوجيه الدعم لمستحقيه خطوة كان يجب أن تبدأ منذ مدة طويلة وبالتدرج قبل أن تستفحل المشكلة»، مؤكدا ضرورة أن «تترافق إجراءات ترشيد الدعم مع إجراءات أساسية أخرى، لا تقل أهمية لتقليص عجز الموازنة وزيادة الإنتاجية وتخفيف الأعباء على القطاع الإنتاجي». كما رأى من الضرورة «العمل على تقليص الهدر في الإنفاق العام وإعداد برنامج وطني لترشيد استهلاك الطاقة وتقليص الفاقد الكهربائي والإسراع بإقامة مصافي تكرير النفط وتطوير المصادر الغازية».

كما طالب الخبير الاقتصادي نبيل السمان بنفس الأمر، ولكن مع توفير البدائل للمواطنين كرفع الأجور وتأمين ضمان اجتماعي.


*نقلاً بتصرف عن جريدة الشرق الأوسط، العدد 10573، الصادر في 9 نوفمبر 2007.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم