|
برغم عقد الحزب الوطني مؤتمره التاسع في الفترة من 3 إلى 6 نوفمبر 2007، فإن عملية تطويره لما تزل في بداياتها الأولى ولم تحقق نجاحا ملموسا، يؤهل الحزب لأن يكون حزبا حاكما، وليس حزبا مرتبطا أو تابعا للسلطة، وهذه المسألة ضرورية لحدوث التطور السياسي، إذ إن الانفتاح التنظيمي وحرية الوصول للمناصب القيادية، وتكريس القبول بثقافة التعددية السياسية، وتحسن الأداء السياسي يعد من العناصر الضرورية لحدوث التطور السياسي.
وقد تناول المؤتمر العديد من القضايا التي تتعلق بمسائل الإصلاح السياسي وتطوير الأداء التنظيمي، حيث ظلت هذه القضايا تشغل حيزا مهما في المؤتمرات العامة للحزب منذ ما يقرب من أربع سنوات، وبالتالي فإن التساؤل الهام الذي يطرح نفسه يتعلق بمدى مساهمة التطوير الداخلي في الحزب الوطني في التحول نحو نظام سياسي انفتاحي يرسخ المساءلة والمحاسبة.
الترتيبات التنظيمية في المؤتمر العام
على خلاف الانتخابات في المستويات القاعدية تم تشكيل المكتب السياسي والأمانة العامة، فبينما شهدت الانتخابات القاعدية قدرا يعتد به تمثل في إتاحة فرص للأعضاء في الترشيح وزيادة حجم العضوية المشاركة في الانتخابات القاعدية، تم تشكيل المكتب السياسي والأمانة العامة بطريقة أقرب للتعيين، حيث لم تتح فرصة للمؤتمر العام لانتخاب أعضاء المستويين القياديين واختيارهم من بين متنافسين، فقد وافق المؤتمر على الأعضاء الذين رشحهم رئيس الحزب لعضوية المكتب السياسي، كما تم التصويت على أعضاء الأمانة العامة كقائمة واحدة في ظل غياب قائمة أخرى منافسة.
وكان التطور المهم في هذا السياق، هو أن المؤتمر العام أنشأ هيئة قيادية عليا والتي تتكون من أعضاء المكتب السياسي والأمانة العامة، وذلك بغرض التكيف مع التعديلات الدستورية المتعلقة باختيار مرشح الحزب لرئاسة الجمهورية من بين أعضائها، وهذه الهيئة أنشئت دون تحديد اختصاصاتها، وهو ما يكشف ضعف البنية التنظيمية للحزب، فهذه الترتيبات لم تتم مناقشتها داخل الأطر التنظيمية سواء في المستويات القيادية أو المستويات الوسيطة.
وبالإضافة إلى عدم الوضوح في الاختصاصات، يترتب على تشكيل الهيئة الجديدة حدوث تداخل بين مستويي العضوية، بشكل يؤدي لإضعاف المكتب السياسي لصالح الأمانة العامة، حيث إن كثرة عدد أعضائها (34 عضوا) مقارنة بعدد أعضاء المكتب السياسي (13عضوا) تهدر الميزة النسبية للمكتب السياسي كأعلى هيئة في التنظيم الحزبي مما يفقده دوره المفترض في الرقابة على أعمال الأمانة العامة.
المؤسسة الداخلية
تعد طريقة تشغيل الآليات الداخلية من المسائل الحاكمة في التطور السياسي داخل التنظيمات السياسية وخارجها، حيث إن تحقق الديمقراطية في إدارة الشئون التنظيمية، يدفع باتجاه تبني رؤى وسياسات انفتاحية وإصلاحية للنظام السياسي.
وبتحليل عناصر المؤسسية داخل الحزب الوطني وصولا للمؤتمر العام وتشكيل المستويات القيادية، يتضح حدوث تطورات مهمة يصعب إهدارها أو تجاهلها، كانتظام عقد المؤتمرات السنوية في السنوات الأخيرة ومحاولة الوصول بالانتخابات للوحدات القاعدية، غير أن مؤشرات فاعلية مؤسسات الحزب ما تزال في الحدود الدنيا.
فكان من اللافت غياب التمييز بين المؤتمر العام وبين المؤتمر السنوي، وذلك من وجهة الإجراءات التنظيمية، فقد تماثلت وظائف المؤتمرات السنوية مع المؤتمر العام، وخاصة في إعادة تشكيل المستويات المركزية، برغم أن هذه الجزئية تعد من مهام المؤتمر العام.
وهذا ما يثير التساؤل عن طبيعة الإرادة السياسية داخل الحزب الوطني، حيث إنه من الملاحظ خلال السنوات الخمس الماضية والتي تمثل دورة المؤتمر العام، أن ظلت الإرادة السياسية للحزب في يد الرئيس "مبارك"، وذلك باستثناء محاولات من بعض النافذين داخل الحزب لترسيخ أوضاعهم التنظيمية، غير أن هذه المحاولات لم تسبب إخلالا بهيمنة الرئيس على شئون الحزب وفي تصعيد الأعضاء للمستويات القيادية.
وهذا الوضع لم يلغ أدوار أو مكانة النافذين في الهياكل التنظيمية للحزب، حيث حدث نوع من التفاهم والتعايش حول سقف الممارسة والأدوار السياسية للقيادات العليا، وبالتالي فإن ما شغل النخبة الحزبية خلال السنوات الماضية انصب على الربط بين الارتقاء التنظيمي وبين تعزيز المكانة السياسية في الدولة، وكان ذلك في سياق ما يمكن تسميته تقاسم أكبر قدر ممكن من الموارد والقدرات السياسية والاقتصادية فيما بين النخبة المنضوية تحت لواء الحزب الوطني.
وفي هذا السياق لم تشهد هذه الفترة تنافسا من قبل النخبة الحزبية على منصب رئيس الحزب، كما ارتبط اختيار أعضاء المكتب السياسي بإرادة الرئيس، ولكن تركز جهدها الأساسي في تثبيت وتعزيز مواقعها التنظيمية وربطها بالمصالح السياسية والاقتصادية الخاصة.
الحزب.. الدولة.. الحكومة
وبرغم المحاولات التي بذلت خلال الفترة بين المؤتمرين العامين الثامن والتاسع (2002-2007) لتطوير الحزب تنظيميا وفكريا، فإن هذه المحاولات لم تحقق نقلة نوعية ترسخ قواعد الهيكل التنظيمي وتعزز المكانة السياسية للحزب، سواء في علاقته بكل من الدولة والحكومة، أو في علاقته بالأحزاب السياسية والمنظمات المدنية الأخرى.
فقد استقرت السياسات التنظيمية خلال هذه الفترة على إعادة تنظيم النخبة في المستويات العليا وتوزيع الأدوار عليها، فيما لم تتضح سياساته لإنتاج النخبة الحزبية، وقد انعكست هذه السياسة في الثبات النسبي لشاغلي المناصب القيادية، وذلك إلى جانب تنامي الدور والمكانة السياسية لأمانة السياسات داخل التنظيم الحزبي واستقطابها بعض النخب السياسية.
وعلى مستوى علاقة الحزب الوطني بالدولة والحكومة، لا يعد مدى تداخله معهما المدخل الوحيد لتفسير أدائه السياسي، ولكن يمكن الاعتداد بالإنجازات التي حققها وفاعليته السياسية كمدخل مهم في التفسير، ولذلك فإن تحقيقه للأهداف التي وضعها خلال هذه السنوات -وخاصة ما يتعلق منها بالجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية- يعد مؤشرًا على توافر المؤسسية الداخلية، وهو ما يؤهل الحزب الوطني للاعتماد على موارده الخاصة ويرفع من قدراته على محاسبة الحكومة.
فقد كان اتجاه العلاقة بين الحزب الوطني وكل من الدولة والحكومة -خلال هذه الفترة- أكثر تداخلا وارتباطا، حيث ظل الحزب أكثر اعتمادا على الدولة والحكومة، وتمثل ذلك في إساءة استخدام موارد الدولة وإمكانات الحزب لأجل فرض هيمنة السلطة السياسية على مؤسسات الدولة، فإذا ما أخذنا العلاقة بين الفاعلية السياسية للحزب الوطني وبين شدة تدخل السلطة السياسية في الانتخابات التشريعية، يمكننا الوصول إلى نتيجة مفادها أن الحزب الوطني سوف يكون أكثر اعتمادا على مؤسسات الدولة في المدى المنظور، وهذا ما يمكن أن يتضح من خلال:
1- تدهور الأداء الانتخابي للحزب خلال هذه الفترة، وذلك إذا ما أخذنا في الاعتبار أداءه الانتخابي في انتخابات مجلس الشعب 2005 وانتخابات مجلس الشورى 2007، حيث زادت شدة الاعتماد على الأجهزة الأمنية.
2- أن السلطة السياسية توفر للحزب الوطني مظلة تشريعية حمائية ضد الدخول في منافسات حقيقية مع الفاعلين السياسيين الآخرين، والملاحظ أن التشريعات والتعديلات الدستورية التي صدرت خلال هذه الفترة ركزت على جانبين؛ الأول : توسيع الفرص أمام المتنفذين داخل الحزب للجمع بين السلطة والثروة، والثاني: التوسع في استخدام كوابح النشاط السياسي، وخاصة ما يتعلق منها بتعزيز القيود على الترشيح لمنصب رئاسة الدولة، والسعي لتشريع قانون لمكافحة الإرهاب يقيد الحريات العامة.
العلاقة مع الأحزاب
تشهد العلاقة بين الحزب الوطني والأحزاب الأخرى حالة انقطاع ممتدة، وذلك باستثناء فترات محدودة شهدت وجود علاقة اتسمت بالطابع الانتهازي، فقد سعى الحزب الوطني لإجراء حوار مع بعض أحزاب المعارضة لفرض عزلة سياسية على جماعة الإخوان المسلمين، كما قام بحملة دعائية مورست خلالها ضغوط على الأحزاب لأجل المشاركة في الانتخابات الرئاسية.
ومن المحتمل أن ترسخ التعديلات الدستورية والتي أجريت في إبريل 2007 هذا النمط من العلاقة، وذلك من خلال إصدار القوانين المقيدة للحريات السياسية والمقيدة أيضا للمشاركة السياسية، حيث تعد هذه القيود جزءا من المظلة الحمائية التي توفرها السلطة السياسية لأحد أطراف العمل السياسي.
التعبئة لمصلحة السلطة
يمكن القول إن السياسات العامة حول الحزب الوطني تقوم بالأساس على التعبئة السياسية، فمن خلال التحليل السابق يتضح أن الفلسفة العامة لشكل التنظيم وإدارته تقوم على توسيع العضوية وإجراء الانتخابات على بعض المستويات التنظيمية لأجل توفير الإسناد السياسي للنخبة القيادية ثم توظيف الكيان الحزبي لمصلحة السلطة السياسية، وهذه العلاقة أقرب لعلاقة التابع بالمتبوع، والتي يمكن من خلالها استكشاف طبيعة المصالح المتبادلة في إطار شبكة العلاقات داخل النخبة السياسية.
كما تكشف في ذات الوقت عن المصالح الصافية التي يحققها أعضاء النخبة الحزبية، فإلى جانب تركيز أعضاء بعض النخبة الحزبية على مصالحهم، استطاعت السلطة السياسية توظيف ممثلي الحزب، وخاصة في المؤسسة التشريعية لتحقيق أهدافها، كما حدث في تأييد التشريعات التي قدمتها الحكومة لمجلس الشعب برغم أضرارها على الحياة السياسية ومستقبلها، ومنها الموافقة على تأجيل الانتخابات المحلية لمدة عامين، وتعديل المادة 76 من الدستور مرتين، ثم التوسع في التعديلات الدستورية.
وفي ظل هذا الوضع يمكن القول: إن مساهمة الحزب الوطني في حدوث تطور سياسي تظل محدودة، وما يمكنه القيام به سوف لا يتجاوز تبعيته للسلطة، وهذه القضية تتجاوز ما يثار عن مسألة توريث السلطة، فالتحدي الذي يواجه الجميع يتمثل في بناء نظام سياسي يتحقق فيه وجود أحزاب حاكمة تتداول السلطة.
باحث يعدّ الدكتوراة في العلوم السياسية بمعهد الدراسات الإفريقية.
|