|
عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 شهدت منطقة الخليج العربي تغيرات عديدة في الرؤى والأفكار، ولم يمر على تلك التوجهات سوى عامين حتى جاء الاحتلال الأمريكي للعراق والتواجد الأجنبي العسكري في المنطقة ليلقي بظلال من الشك حول جدلية العلاقات الخليجية مع كافة الدول الأخرى، سواء العربية من جانب أو الإسرائيلية من جانب آخر أو القوى العالمية من جانب ثالث.
وفي خضم تلك التفاعلات الدولية برز تساؤل مهم حول طبيعة العلاقات الخليجية الإسرائيلية، أو بمعنى أدق هل آن الأوان لإقامة علاقات طبيعية بين دول الخليج من جانب وإسرائيل من جانب آخر؟ وما المانع في ذلك إذا كانت الدول الخليجية تستعين بالولايات المتحدة التي هي الحليف الإستراتيجي الأول لإسرائيل في حماية أمنها القومي؟.
ومن هنا يمكن تناول هذا الموضوع من ثلاثة جوانب أساسية وذلك على النحو التالي:
التطبيع الخليجي-الإسرائيلي
كان للأحداث التي طرأت على الصعيد العالمي والتي ألقت بتأثيراتها على دول مجلس التعاون الخليجي دور هام في قضية التطبيع الخليجي الإسرائيلي والتي استطاعت إسرائيل توظيفها، حيث نجحت الأخيرة في إقناع الولايات المتحدة بأن حربها ضد جماعات المقاومة الفلسطينية تندرج ضمن الحرب ضد الإرهاب، وضغطت من أجل وضعها ضمن لائحة الجماعات الإرهابية، ووظفت ذلك في الضغط على دول المجلس لوقف مساندتها ودعمها لهذه الجماعات بزعم أنها إرهابية.
كما قاد اللوبي اليهودي في واشنطن الحملة الإعلامية ضد دول مجلس التعاون الخليجي خاصة السعودية، وساعد على تأجيجها، وتركزت هذه الحملة ضد ثقافة شعوب المنطقة ومناهج التعليم والتربية التي تدعمها الحكومات الخليجية إلى الدرجة التي صيغت من خلالها فكرة أن الخليج يصدر النفط والإرهاب معا.
لهذا وجدت دول مجلس التعاون الخليجي نفسها في مأزق فرض عليها أن تتعاطى مع القضية الفلسطينية بمنظور مختلف، ينفي عنها ما تروجه وسائل الإعلام الغربية من كونها تصدر التطرف والإرهاب إلى الخارج، وترفض التسامح والتعايش مع الآخر من ناحية ثانية، وجاءت الاستجابة الخليجية في عدة تحركات؛ أولها المبادرة السعودية لتسوية الصراع العربي - الإسرائيلي، والتي تقدم بها العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز (حين كان وليًا للعهد) من أجل تسوية الصراع العربي-الإسرائيلي، والتي عرض من خلالها قبول الدول العربية بالتطبيع الشامل مع إسرائيل مقابل انسحاب الأخيرة بشكل كامل من الأراضي العربية المحتلة بما فيها القدس، وتحولت هذه المبادرة خلال قمة بيروت 2002 إلى مبادرة عربية.
أما التحرك الثاني فهو عدم استجابة دول المجلس للدعوات التي نادى بها البعض بضرورة استخدام النفط كسلاح للضغط على حكومة إسرائيل من أجل وقف العنف الذي تمارسه تجاه الفلسطينيين، وسيكون لقرار إيقاف صادرات النفط العربي -في حال اتخاذه- آثار مدمرة بالنسبة للمجتمع الدولي، وبالتالي سوف يمثل عقابًا جماعيًا يشمل أغلبية أعضاء الأسرة الدولية ممن ليست لهم صلة مباشرة في الصراع الدائر في المنطقة.
وعلى الجانب الآخر ربما تؤدي الضغوط الأمريكية على أي حكومة عراقية جديدة إلى إقامة علاقات صداقة قوية مع إسرائيل، تكون لها أصداء على علاقات دول مجلس التعاون مع تل أبيب، وخصوصًا من جانب بعض الدول التي كثفت علاقاتها العسكرية مع الولايات المتحدة، كقطر وسلطنة عمان والبحرين، وإذا ما نجحت تل أبيب في ذلك، فإنها تكون بذلك قد أحدث انقسامًا في الموقف الخليجي العام إزاء القضية الفلسطينية من جانب والاحتلال العراقي من جانب آخر والتطبيع -وهو القضية الأهم- من جانب ثالث.
أهداف إسرائيلية وراء التطبيع
تسعى إسرائيل من وراء التطبيع مع دول مجلس التعاون الخليجي إلى تحقيق عدة أهداف متنوعة، فمن الناحية السياسية تهدف إسرائيل إلى تحقيق نظريتها الأمنية لمواجهة الخطر العربي على أمنها واستقرارها، والتي تقول إن هناك ثلاثة أطواق أمنية تحيط بها، الأول: السلطة الفلسطينية، والثاني: دول المواجهة "مصر، الأردن، لبنان، سوريا"، والثالث: الدول المحاذية لدول المواجهة التي أهمها دول مجلس التعاون الخليجي بما تتمتع به من موقع جيوبوليتيكي مهم، كما يرى الباحثون الإسرائيليون أن التوجهات الإستراتيجية الإسرائيلية - الأمريكية في الخليج العربي يمكن تطويرها وفق مبدأ إشراك الحكومات الصديقة للولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي من خلال شراكة إستراتيجية إقليمية بشكل يحقق لإسرائيل المزيد من النفوذ السياسي والأمني في الخليج، وعلى الجانب الآخر تهدف إسرائيل إلى العمل على تحييد موقف الدول الخليجية من القضية الفلسطينية وعملية السلام بصفة عامة؛ وبالتالي إضعاف عناصر التفاوض العربية مع إسرائيل، حيث تخشى أن تصبح دول مجلس التعاون الخليجي مركز ثقل سياسي واقتصادي وإستراتيجي يسهم بدور إيجابي فاعل في المواجهة العربية - الإسرائيلية.
وعلى الجانب الاقتصادي تهدف إسرائيل إلى استغلال السوق الخليجية التي تتميز بقوتها الشرائية العالية لتصريف سلعها وتنفيذ المزيد من المشروعات المشتركة في مجالات السياحة والزراعة والأجهزة الطبية وتحلية المياه بشكل يساعد على الدمج بين النفط الخليجي والأموال العربية والتكنولوجيا الإسرائيلية، وتدرك إسرائيل أيضا أن الدعم المالي لأي مواجهة أو حرب أو مقاومة لاحتلالها للمنطقة العربية يأتي -بالدرجة الأولى- من منطقة الخليج الغنية، وأن البترول العربي لعب دورا في حرب 1973، ويلعب دورا أخطر في الوقت الراهن، مع ارتفاع أسعار النفط التي يقترب البرميل فيها من حاجز المائة دولار، وتسعى إلى الحصول على احتياجاتها البترولية ومن الغاز الطبيعي من هذه المنطقة، بل لا تستبعد المشاركة في مشاريع استخراج النفط الخليجي.
الموقف الخليجي
يوجد تناقض بين الموقفين الرسمي والشعبي، ففي الوقت الذي قررت فيه بعض الحكومات الخليجية رفع بعض أوجه المقاطعة الاقتصادية على إسرائيل، نجد الموقف الشعبي ملتزما وحريصا على تفعيل المقاطعة، فالحكومة البحرينية رغم أنها وافقت على رفع الحظر المفروض على دخول البضائع الإسرائيلية إلى أسواقها، فإن البرلمان رفض في 11 أكتوبر 2005 هذا القرار، كما أقر قانونا يعيد فتح مكتب مسئول عن مراقبة دخول السلع الإسرائيلية الأسواق المحلية، علاوة على أن زيارة بعض رجال الأعمال الكويتيين لإسرائيل أثارت غضبا شديدا في الكويت خلال العام الماضي، عبر عنه عدد من نواب مجلس الأمة الكويتي، حيث أصدر بعضهم بيانات تطالب بسحب الجنسية وجوازات السفر الكويتية ممن قاموا بتلك الزيارات.
كما يتميز التعاطي مع تلك القضية بوجود درجة من المرونة التكتيكية، فمن جانب يقبل الموقف الخليجي بفتح قنوات اتصال خليجية إسرائيلية، إلا أنه -من جانب آخر- يشدد في تصريحات رسمية على نقد ممارسات إسرائيل في المناطق الفلسطينية، كما يؤكد دعم موقف السلطة الفلسطينية. وفي الإطار ذاته لا يرى مبررا بأن تؤثر المعايير السياسية المتعلقة بالصراع العربي-الإسرائيلي في إقامة علاقات اقتصادية مع إسرائيل. بل إنه يعتقد أن مزيدا من التقارب مع إسرائيل سوف يكون عاملا إيجابيا في خدمة القضية الفلسطينية، حيث تستطيع دول مجلس التعاون من خلال علاقاتها مع إسرائيل الضغط عليها ودفعها إلى إعطاء الفلسطينيين كامل حقوقهم حفاظا على مصالحها المشتركة معها.
وأخيرا يمكن القول بعدم وجود تحرك خليجي عام إزاء إسرائيل، كما أن هناك اضطرابا في المواقف الخليجية المعلنة تجاه موضوع التطبيع، إضافة إلى ذلك فإن بعض دول المجلس لا تلتزم بالخط السياسي الخليجي العام.
باحث في الشؤون الخليجية.
|