English

 

الاثنين. نوفمبر. 12, 2007

ثقافة وفن » تراث وحضارة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

رقمنة التراث..رهان عربي يتجدد

أحمد عبيد

Image
في انتظار المكتبات الرقمية
طالعتنا جريدة New York Times منذ أيام قليلة بخبر حول رفض العديد من المكتبات العامة والبحثية في أمريكا عروضا من شركات عالمية مثل: جوجل وميكروسوفت، بتحويل مقتنياتهم من الكتب إلى محتوى رقمي من خلال المسح الضوئي، واستضافته على قواعد البيانات الخاصة بهم، وذلك - وفق هذه المكتبات - بسبب الشروط التي تضعها هذه الشركات في مقابل رقمنة الكتب، حيث تشترط جوجل مثلا: عدم إتاحة هذه الكتب بعد رقمنتها، لأي محرك بحث تجاري غيرها، وكذلك تشترط ميكروسوفت شيئا مشابها.

وفي المقابل، وبدلا من أن توقع المكتبات عقودا مع هذه الشركات العالمية، قامت بتوقيع اتفاق مع "اتحاد المحتوى المفتوح" the Open Content Alliance في مبادرة غير ربحية، لإتاحة محتوى هذه المكتبات لجميع مستخدمي الإنترنت، ومن خلال أي خدمة بحثية، وذلك على الرغم من التكلفة العالية لعملية الرقمنة، حيث يتكلف المسح الضوئي للكتاب الواحد حوالي ثلاثين دولارا، يتحملها أعضاء هذا الاتحاد والمتبرعون من المتحمسين للمشروع، بينما يتحمل عنهم "جوجل" هذه التكلفة في حال الموافقة.

وعلى الرغم من حركة المقاومة التي تقودها هذه المكتبات، مثل: مكتبة بوسطن العامة، فإن كثيرا من المكتبات الكبرى قد قبلت عرض جوجل، مثل: مكتبة نيويورك العامة، وبعض مكتبات الجامعات الكبرى، مثل: ميتشجان، وهارفارد، وستانفورد، وأوكسفورد؛ ما دعا جوجل إلى أن تتوقع إتمام رقمنة 15 مليون كتاب من مقتنياتها خلال العقد القادم.

هذا التباين في المواقف، جعل "بول دوجيد" Paul Duguid الأستاذ بكلية المعلومات بجامعة كاليفورنيا، يقول: "إن المشهد يسيطر عليه موقفان متعارضان، أحدهما محكوم باعتبارات تجارية، والآخر محكوم بالتزام الإتاحة والنشر، دون أي اعتبارات مادية، ولا ندري لأي منهما ستكون الغلبة".

حلم قديم حديث

بدايات النشر المرقمن تعود لعام 1971م، عندما قام مايكل هارت Michael Hart بإنشاء أول مكتبة رقمية في التاريخ المعاصر، "جوتنبرج" مخلدا بذلك اسم الرجل الذي اخترع الطباعة في القرن الخامس عشر الميلادي، منهيا بذلك سيطرة رجال الكهنوت المسيحي على إصدار ونشر الكتب، ومؤذنا بعصر التنوير في أوروبا، وتمكين المواطن الأوروبي العادي من اقتناء وقراءة الكتب.

بذلك يعتبر مايكل هارت جوتنبرج العصر الرقمي، وما زال حلمه الذي راوده في سبعينيات القرن الماضي، يراود كل المجتمعات والشعوب، وهو تمكين كل من يملك وصلة إنترنت، وجهاز كمبيوتر، من الحصول على، وقراءة أمهات الكتب وأصول المعرفة الإنسانية، بل الكتب التي أنتجت أيضا في العصر الرقمي، والتي تزخر بها المكتبات ودور النشر.

فالعالم يسعى الآن نحو مكتبة رقمية عالمية متاحة للجميع في أي مكان، بحيث لا يذهب القارئ إلى المكتبة، وإنما تأتيه المكتبة وهو في مكانه.

ولعل هذا الحلم قد أخذ دفعة قوية، ودعما حقيقيا في الآونة الأخيرة بفضل تطور تكنولوجيا الاتصالات وعلى رأسها الإنترنت، التي عملت كبنية تحتية، يمكن بواسطتها الربط بين المستخدم والمكتبات في أي مكان، وكذلك التطور الهائل في تكنولوجيا المسح الضوئي Scanning، وكذلك وتكنولوجيا التعرف الضوئي على الحروف OCR التي وفرت سنوات وسنوات من عمر البشرية، كان يمكن أن تضيع هباء في عمليات النسخ.

من الشرق ومن الغرب

المسح الضوئي للكتب في مشروع أرشيف الإنترنت- نيويورك تايمز

وفي الحقيقة لم يكن "مايكل هارت" وحده الذي راوده حلم المكتبة الرقمية، ففي أوائل التسعينيات من القرن الماضي، ظهر مشروع واير تاب، وهو موقع يستخدم إلى اليوم تقنية "جوفر" لتداول ونقل الملفات عبر شبكة الإنترنت، وفي عام 1993 طوره مارك أوكربلوم الطالب في علوم الكمبيوتر بجامعة كارنيجي ميلون إلى فهرس يضم وصلات وروابط لجميع الكتب الإلكترونية الموجودة على الشبكة، بما في ذلك مشروع جوتنبرج، وأطلق أوكربلوم على فهرسه هذا اسم "صفحة الكتب الإلكترونية" The Online Books Page.

يحتوي الموقع نحو 30000 كتاب من النصوص الرقمية الحرة التي جمعها من أرجاء الشبكة العنكبوتية التي يمسحها برنامجه جيئة وذهابا آناء الليل وأطراف النهار.

يتضاءل كلا المشروعين أمام "مشروع المليون كتاب" الذي يشرف على تمويله "بروستر كيل" (مؤسس موقع أليكسا) ويديره البروفيسور راج ريدي. حيث أتما في أقل من عامين (2005 - 2007) تصوير وطرح 1.4 مليون كتاب ( 750 ألف من الصين، و350 ألف من الهند، و20 ألف من مكتبة الإسكندرية الجديدة بمصر، وربع مليون كتاب من أمريكا). ويقوم المشروع على تقنية المسح الضوئي، إلا أنه لا يهتم بتحويل الصور إلى نصوص تحريرية.

أما عن عالمنا العربي فتتعدد التجارب والمشروعات وتتنوع بين الضخامة والصغر، وبين العمومية والتخصص، موقع الوراق للمكتبات الإلكترونية العربية، حيث يضم عددا هائلا من أمهات الكتب التراثية العربية، فضلا عن امتلاكه آليات بحث متميزة، تسهل عملية البحث والاسترجاع واستعراض النصوص، إلا أنه لا يتيح للمستخدم إنزال الكتاب بأكمله، وذلك حفاظا على حقوق الملكية الفكرية، وكذلك نظرا للكلفة العالية التي تتكلفها رقمنة هذه الكتب.

وفي المجال موقع ببليو إسلام وهو أحد المشروعات الحديثة لشركة ميديا إنترناشيونال، والذي يدخل في إطار وقف "رحمة للعالمين" للتعريف بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، ويهدف الموقع إلى خدمة الباحثين والأكاديميين في مجالات الفكر الإسلامي المعاصر، وذلك من خلال التعريف وإتاحة مصادر المعلومات المختلفة، متدرجا في مستويات عدة تبدأ بالبيانات الببليوجرافية، مرورا بالمستخلصات، والعروض والمراجعات، وانتهاء بالنصوص الكاملة.

وقد تجاوز حجم النصوص الكاملة في الموقع رغم حداثة إنشائه 50 ألف صفحة، و2000 عنوان، تتوزع بين الكتب والرسائل الجامعية، ومقالات الدوريات، وبحوث المؤتمرات، وذلك بالاتفاق مع مؤسسات أكاديمية وبحثية في كثير من دول العالم العربي والإسلامي.

كما يأتي مشروع المخطوطات على موقع "موسوعة المعرفة" ، خطوة هامة في سبيل تحقيق هذا الحلم، وكجهد فردي يضع لبنة مميزة في بناء هذا الصرح، حيث استطاع الموقع أن يحصل من حكومة الهند على 25000 كتاب ومخطوط (2.4 مليون صفحة) باللغة العربية، يرجع تاريخ نشر أغلبها إلى الفترة ما بين 1800 إلى 1920، بينما يوجد من بينها مخطوطات تعود إلى القرن الأول الهجري، فضلا عن مجموعة من المخطوطات التي لم تحقق ولم تنشر بعد.

حتما هناك تجارب عربية أخرى لتوثيق وجمع التراث العربي، وهي وإن كانت تجارب تشكل حلما كبيرا بوجود مكتبة رقمية عربية، فيستحيل أن يقوم بهذا الحلم دولة واحدة أو مؤسسة واحدة مهما أوتيت من إمكانات مادية وتقنية في ضوء غزارة المنجز الحضاري وتوسع مجالات المعرفة واتساع نطاق التعامل معها، والحاجة إلى الكوادر البشرية والمدربة للتعامل مع هذا النشر المعرفي الجديد.

فتوثيق التراث وإتاحته للجمهور على شبكة عالمية هو حلم يجدر به أن يكون متعدد المراحل، ومتعدد الشركاء، يتحقق ببذل المجهود من كل قادر، حتى لو كان فردا عاديا، وهذا ما أصبح متاحا في موسوعات المعرفة المفتوحة، لما في إتاحة المحتوى العربي، سواء أكان من المخزون التراثي العربي القديم الغائب من حيز اهتمامنا أو الحديث.

لكن الأخطر هو أن ينظر إلى ذلك على أنه غاية ويتوقف الأمر عندها، فدون النظر إليه على أنه وسيلة وغاية معا لن نجني الثمار الحقيقية، فهو وسيلة لتحقيق غايات جوهرية ومهمة أساسها الأول إتاحة الحرية الأوسع للوصول إلى مصادر المعلومات، وذلك حق من حقوق الإنسان التي يعاني المواطن العربي الحرمان منها كثيرا.

وبالمقارنة نجد أن هناك ضآلة في الحضور العربي أمام السيطرة الغربية التي تعلن بين فترة وأخرى من خلال بعض الجامعات الغربية رغبتها في التعاون فيما تمتلكه من مئات الآلاف من المخطوطات العربية.

إن شبكة الإنترنت التي تعاني من اختلال في التوازن بين الشرق والغرب، هي رهان عربي جديد، رهان متاح، وفوائده مؤكدة، لكن يبقى أن يدرك المواطن قيمته في هذه الموسوعات المعرفية، وأنه هو من صناع المعرفة وأن المعرفة أداة أساسية لصناعة التاريخ.


رئيس قسم المعلومات بموقع إسلام أون لاين  

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم