|
| الزيارة أثارت احتجاجات المغاربة في سبتة |
الزيارة التي قام بها الملك الإسباني خوان كارلوس إلى مدينتي سبتة ومليلية الخاضعتين للسيطرة الإسبانية ألقت حجرا جديدا في مياه العلاقات الإسبانية المغربية المتسمة دوما بنوع من الهدوء الحذر الذي تزعزعه بعض العواصف من حين لآخر. وهذه هي الزيارة الأولى للملك الإسباني إلى سبتة ومليلية منذ اعتلائه العرش قبل 32 عاما. وعادة يتحاشى المسئولون الإسبانيون زيارة هاتين المدينتين المثيرتين للجدل.
وأثارت هذه الزيارة من ردود الفعل ما لم تكن تتوقعه مدريد من الرباط، وحركت أمواجا في بحر العلاقات بين البلدين بلغ علوها هذه المرة حدا سحبت الرباط معه سفير المغرب عمر عزيمان من إسبانيا "لأجل التشاور"، وهي صيغة مخففة للتعبير عن الاحتجاج القوي والغضب الشديد. وعلى الصعيد الشعبي نظم آلاف المغاربة اعتصاما أمام مقر القنصلية الإسبانية في مدينة تطوان شمال غرب البلاد ما لبث أن تحول إلى مظاهرة رفعت شعارات تدين الزيارة.
أزمة "ليلى" جديدة
الاحتجاج المغربي على هذه الزيارة يسترجع أزمة جزيرة "ليلى" الواقعة غير بعيد عن مدينة "سبتة" وذلك في يوليو 2002، حيث أرسلت كل من المغرب وإسبانيا قوات عسكرية في هذه الجزيرة وقد بررت سلطات الرباط عملية إرسال الوحدة العسكرية الصغيرة إلى "ليلى" بضرورات أمنية دارت حول محورين أساسيين؛ أولهما: محور تقليدي يتعلق بمقاومة الهجرة السرية وتجارة المخدرات اللتين تشتهر بهما مناطق الشمال المغربية، وثانيهما: محور طارئ متصل بالمتغيرات الدولية الناتجة عن تداعيات أحداث 11 سبتمبر الأمريكية، وتحديدا بحرب واشنطن ضد ما تسميه الإرهاب؛ حيث زعمت السلطات المغربية آنذاك وجود جماعات متطرفة على أراضيها تنوي إلحاق الأذى بالقوات الأطلسية المرابطة في صخرة "جبل طارق" على الضفة الأخرى من المتوسط. وأيا تكن مصداقية هذه المبررات المغربية، فقد ردت "مدريد" في الوقت نفسه؛ باعتماد الآلية العسكرية لحل قضية خلافية لم يكن من وجهة نظر المتابعين إلا دليلا على ضعف الموقف الإسباني من المسألة، بمقابل قوة الموقف المغربي منها؛ حيث ظهرت المقاربة شبيهة إلى حد كبير بالصلة القائمة بين قوة الحق وحق القوة.
وفي هذا الإطار تحدثت الكثير من المصادر عن مخاوف إسبانية من أن يكون رفع المغاربة رايتهم الوطنية على الجزيرة الصغيرة بداية لمسلسل تحرير ممكن لخمس جزر أخرى ذات وضع مشابه تنتشر على الساحل المتوسطي المغربي، ولا تزال خاضعة للاحتلال الإسباني، فضلا عن مستعمرات أخرى أكثر أهمية كمدينتي "سبتة" و"مليلية".
أخطاء مغربية كثيرة
ورغم الاحتجاج الغربي على زيارة ملك إسبانيا لمدينتي "سبتة" و"مليلية"، فإن الكثير من المراقبين والمحللين يرون في "الحزم" المغربي تحركا متأخرا تمنعه "أخطاء سابقة" من أن يكون ذا جدوى أو يأتي بنتيجة في ملف عَمّر أكثر من 5 قرون.
فقد ارتكب المغرب أخطاء كثيرة وسكت عن استفزازات إسبانية سابقة في ملف سبتة ومليلية، أولها محاولة فرض البطاقة المغناطيسية على الداخلين إلى المدينتين ثم بعد ذلك فرض التأشيرة ووضع الأسلاك الشائكة على الحدود "الوهمية". وفي فبراير 2006 سكت المغرب أيضا عن زيارة مماثلة قام بها رئيس الوزراء الإسباني خوسيه لويس ثاباتيرو لسبتة ومليلية.
وفي حقيقة الأمر فإنه من الصعب الحديث عن أزمة سبتة ومليلية بعيدا عن ملف الصحراء، فالمغرب وفقا للمتابعين ارتكبت خطأ فادحا عندما ظنت أن مدريد تدعمها في ملف الصحراء، والجانب المغربي لم يدرك أن إسبانيا أعلنت أنها فقط تتفهم مطالب المغرب ولا تتبناها.
هذا الارتباط قائم بين ملفين يحاصران المغرب أحدهما من جنوبه والآخر من شماله، فجبهة البوليساريو التي تطالب باستقلال الصحراء الغربية هي كيان مسخر من إسبانيا تضطر به المغرب لشراء مواقفها. كما ارتكب المغرب أخطاء في ملف الصحراء عندما وافق على أن يحكم القبضة الأمنية على المهاجرين السريين الذين يعبرون من شماله باتجاه الأراضي الإسبانية، حيث فوت المغرب فرصة السماح للمهاجرين الأفارقة بالتدفق ليذكروا العالم بأن سبتة ومليلية مدينتان إفريقيتان. ويعطي المغرب الآن قضية الصحراء الأولوية، فإذا حلّ ملف الصحراء فسيطرح ملف سبتة ومليلية بقوة.
تاريخ من المد والجزر
وتعتبر العلاقات المغربية الإسبانية من أعقد العلاقات وأطولها تاريخا مقارنة مع العلاقات المغربية الفرنسية أو العلاقات المغربية الأمريكية، بحكم القرب والجوار والتفاعل الحضاري. وعرفت هذه العلاقات فترات من المد والجزر والسوء والتحسن حسب المحطات التاريخية.
ومنذ صعود الحزب الاشتراكي بقيادة خوسيه ثاباتيرو إلى الحكم وسقوط الحزب الشعبي بقيادة ماريا أثنار المعروف بمواقفه المعادية تجاه المغرب قديما تفاءل المغرب خيرا بالحكام الجدد فقد تضاعف حجم المساعدات الإسبانية للمغرب أربع مرات خلال سنة 2007، إذ وصل إلى 3 مليارات درهم موجهة للقضاء على الفقر ونشر ثقافة حقوق الإنسان وتنمية البيئة. كما أن حجم المبادلات التجارية بين البلدين بلغ 55 مليار درهم عام 2006 بنسبة نمو بلغت 20% مقارنة مع العام 2005. أما شبكة المؤسسات الثقافية الإسبانية بالمغرب فقد وصلت إلى 11 ثانوية و6 مراكز ثقافية يتابع فيها حوالي 11500 تلميذ تعلم اللغة الإسبانية فضلا عن التعاون الاستخباراتي الوثيق بين البلدين لمكافحة الإرهاب.
وعلى الجانب الآخر تعتبر الجالية المغربية بإسبانيا كبرى الجاليات الأجنبية، وتشكل إسبانيا أيضا الوجهة الأولى للهجرة الشرعية والسرية للمغاربة. وعبرت الزيارة ذات الطابع الثقافي التي قام بها الأمير الإسباني فيليب دو بوربون عن انتعاشة قوية بين مدريد والرباط، حيث دشن في أكتوبر 2006 بمراكش سادس مركز ثقافي إسباني ضمن سلسلة سيرفانتيس بالمغرب. وأكد الأمير الإسباني أن تدشين المعهد تعزيز للعلاقات الثقافية والتاريخية بين البلدين.
لكن التفاؤل المغربي سريعا ما تحول إلى سراب وذلك على خلفية زيارة رئيس الحكومة الإسبانية الاشتراكي إلى سبتة ومليلية العام الماضي 2006، ثم زيارة ملك إسبانيا خوان كارلوس نفسه للمدينتين في نفس اليوم الذي يصادف احتفال المغرب بذكرى المسيرة الخضراء التي استرجع المغرب فيها الصحراء التي كانت مستعمرة إسبانية.
العلاقات بين البلدين
ثمة 5 محطات أساسية وحاسمة في علاقات المغرب مع إسبانيا؛ أولاها، لحظة طرد المسلمين من الأندلس عام 1492 وإجلاء المسلمين عن آخر المدن الأندلسية.
ثانيها هي حرب تطوان عام 1860 واحتلالها.
وثالثها احتلال الأقاليم الشمالية للمغرب والحرب الأهلية الإسبانية في النصف الأول من القرن العشرين، وإبقاء الوجود الاستعماري في أقاليم المغرب الجنوبية إلى عام 1975.
أما رابع المحطات فهي دعم مدريد لجبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو) الذي ما زال مستمرا إلى الآن، بشكل أو بآخر. وخامسها أزمة جزيرة تورة الصخرة الواقعة في المياه الإقليمية للمغرب.
وعلى أي حال يمكن القول إنه ليس هناك فرق كبير على المستوى الإستراتيجي بين الحزب الشعبي والحزب الاشتراكي الإسباني؛ لأن الموقف من مسألة سبتة ومليلية يكاد يكون من الثوابت الوطنية الإسبانية، حيث تكاد لا تجد بين ألوان الطيف السياسي الإسباني من يعلن خلاف هذا الموقف.
ومن ثم فإن المغرب مطالب برفع وتيرة التنمية وتحقيق تقدم اقتصادي كبير يحقق له قدرا من توازن القوى على المدى البعيد. وتجنب الصدام والتخفيف من حدة الأزمات في هذه المرحلة التاريخية الدقيقة، فأي صراع مع إسبانيا ستكون ضريبته مكلفة سياسيا واقتصاديا وعسكريا.
وبالقدر الذي يؤيد فيه بعض المحللين التوجه الرسمي المغربي بتجنب اللجوء إلى الحل العسكري وتفضيل قنوات الحوار السياسية والدبلوماسية في معالجة ملفات المستعمرات الإسبانية الموجودة على السواحل المغربية، فإن محللين آخرين يرون أن مجرد المطالبة التي تفتقد عناصر الضغط والقوة لن يكون كافيا بأي حال لتحرير أرض مغتصبة، خصوصا بعد أن ولّى عصر تصفية الاستعمار ليحل محله عصر الاستعمار متعدد الأشكال.
ومما يؤكد ضرورة الخيار الدبلوماسي أن الملك محمد السادس منذ وقت مبكر من توليه الحكم أعلن عزمه على إثارة ملفات المستعمرات الإسبانية في بلاده، سواء من خلال المقابلات الصحفية التي أجريت معه، أو من خلال التأكيد على علاقات مبنية على قدر كبير من الندية مع إسبانيا، ومن جهة ثانية حرصت السلطات المغربية على تجنب الوصول بالأزمات مع الجارة الشمالية إلى حد الانخراط في حرب عسكرية مباشرة، وهو ما يعني حصر المواجهة والمطالبة باستعادة الأراضي المستعمرة ضمن الأطر السياسية والدبلوماسية والدولية، أي تلك التي رسم ملامحها الملكان السابقان محمد الخامس، والحسن الثاني.
كاتب وباحث سياسي
|