|
| أزمة الأكراد خيمت على مؤتمر الجوار |
في الأصل كان مؤتمر إستانبول يحمل عنوان مؤتمر دول جوار العراق بمشاركة دولية، وعند النظر في الحصيلة يبدو أنه أصبح مؤتمر القوى الدولية بمشاركة إقليمية على حساب العراق وسواه من دول المنطقة وشعوبها، ربما باستثناء تركيا تجاه حزب العمال الكردستاني، ولكن هل كانت مكاسب تركيا على نحو ما يتردد عنها بعد المؤتمر؟ وهل تعادل ما يمكن اعتباره خسارة أطراف أخرى إقليمية؟
تحصين الأهداف التركية
قبل انعقاد المؤتمر ظهرت مؤشرات واضحة للرغبة الدولية، لا سيما الأمريكية والفرنسية، في تحديد وجهات مساره، سواء على صعيد الأزمة التي كادت تبلغ حد الصدام العسكري بين القوات التركية وحزب العمال الكردستاني وربما القوى الكردية شمال العراق من ورائه، أو على صعيد الأزمة السياسية - الدستورية وعقدة انتخابات الرئاسة في لبنان، وقد أدرجت على بساط البحث على "هامش" المؤتمر.
تركيا التي أرادت توجيه المؤتمر لتحقيق مطالبها وتثبيت الخارطة السياسية - العسكرية المترتبة عليها قبل زيارة رئيس وزرائها أردوغان لواشنطن، لم تكتف بالإعلان عن تلك المطالب بلهجة قاطعة لا غموض فيها، إنما أضافت إليها ثلاثة عناصر أساسية:
العنصر الأول: الحشود العسكرية غير المسبوقة على حدود العراق، والبدء الفعلي بعمليات محدودة، لتؤكد أن من وراء موقفها السياسي إرادة ثابتة للتحرك عسكريا مهما يكن المنتظر من مخاطر قد تترتب على تحرك عسكري واسع النطاق.
والعنصر الثاني: التصريح المتكرر بأن قرار الحرب والسلام لا يرتبط بإرادة الدولة الأمريكية، بل هو قرار تركي أولا وأخيرا، مع عدم قطع الاتصالات والمفاوضات مع الطرف الأمريكي وسواه، وهو ما بين لسائر الأطراف الأخرى أن الخروج من الأزمة المتفاقمة لن يكون عن طريق الاعتماد على الوجود الأمريكي في العراق، ولا علاقات التحالف الأطلسي التي تجمع - أو المفروض أنها تجمع - المصالح التركية والأمريكية.
والعنصر الثالث: التحرك الشعبي داخل تركيا في اتجاه يؤكد عددا من الأمور دفعة واحدة، منها أن الالتحام بين القوى السياسية الرسمية والقيادات العسكرية والقوى الشعبية التحام يتجاوز ما هو معروف من تعدد التوجهات إلى درجة الصراع التاريخي، لا سيما بين اتجاه إسلامي له خصوصياته كما يمثله حزب العدالة والتنمية الحاكم، وبين الاتجاه العلماني الذي بدأت تضيق عليه حلقات وجوده المؤثر في تركيا داخل نطاق القيادات العسكرية وفي إطار أحزاب علمانية ضعيفة شعبيا وسياسيا.
ومن مؤشرات التحرك الشعبي أيضا إسقاط رهانات من اعتقد بإمكانية تحويل الأزمة مع حزب العمال الكردستاني إلى تجربة خطيرة أولى على حكومة أردوغان بعد الانتخابات الأخيرة زعزعتها من قبل أن تنفذ برامجها المستقبلية. ومن المؤشرات أيضا أن السياسة المعلنة تجاه حزب العمال الكردستاني المثبتة من خلال جدية احتمال التحرك العسكري وترجيحه، اكتسبت عبر التحرك الشعبي قوة إضافية تجعل الأهداف المعلنة لها في مرحلة "اللاعودة" كما يقال، وساهم في ذلك إثارة قضية الأرمن في واشنطن، وبالتالي أصبحت حكومة أردوغان نفسها "محصنة" تجاه ضغوط دولية ظهرت بداياتها بوضوح قبل انعقاد المؤتمر، وتلاشى مفعولها في اللحظات الأخيرة، غربيا ثم عراقيا، بما شمل الأكراد شمال العراق أيضا.
وفيما سبق ما يبين أسباب نهاية المؤتمر في صالح الأهداف التركية عموما، دون الخوض فيما يعنيه ذلك ومدى تلاقيه أو تناقضه مع "المصالح الإقليمية العليا المشتركة" مستقبليا، فقبل الحديث في ذلك يمكن النظر في القضية الرئيسية الثانية التي هيمنت على مؤتمر إستانبول وإن لم تكن في صميم مهماته ودواعي انعقاده.
الرئاسة اللبنانية في القفص الدولي
اقتراب موعد استحقاق الرئاسة اللبنانية فرض نفسه على مؤتمر إستانبول لوجود عدد من القوى ذات العلاقة فيه، بغض النظر عن السؤال ما إذا كان اعتبار نفسها على علاقة بهذا الحدث "السياسي الداخلي" مقبولا بموازين القانون الدولي أو السياسة الواقعية. هنا أيضا ظهرت للعيان مساعي توجيه اللقاء الإضافي المفروض في مؤتمر إستانبول على أسلوب التعامل الدولي والإقليمي مع قضية الرئاسة الداخلية، ويمكن حصر عناوين هذه المساعي في ثلاثة عناصر أيضا:
العنصر الأول: التصريحات الأمريكية والفرنسية الفجة من قبل المؤتمر، بتأكيد أمرين متناقضين بصورة مباشرة وفي وقت واحد، أولهما عدم "التدخل الخارجي" في هذا الشأن اللبناني الداخلي، وثانيهما التدخل الأمريكي والفرنسي المباشر المتمثل في تعداد الشروط التي تقبل بها الدولتان لانتخاب رئيس الدولة القادم، وهي معروفة سبق تكرارها إلى درجة الملل من إعادة ذكرها، وجميعها تصب في نهاية المطاف في إطار المخاطرة بانقسام لبنان داخليا لدعم القوى المرتبطة بالقوى الغربية وبعض القوى الإقليمية على حساب القوى الأخرى المرتبطة بقوى إقليمية أخرى.
العنصر الثاني: سوريا وإيران المتهمتان بالتدخل في الشئون اللبنانية مقابل التدخل الأمريكي والفرنسي -على الأقل - فيها، اتخذتا واقعيا موقف الدفاع عن النفس بإنكار وجود هذا التدخل وصياغة الموقف السياسي صياغة عامة بحيث يتفق مع القانون الدولي، مثل القول بالاستعداد للقبول بما يتوافق عليه اللبنانيون داخليا، ولكن الصياغة لا تتوافق أو لا تكفي للتعامل مع السياسة الواقعية التي تتطلب - كما في حالة تركيا - رفض القبول بأي وصاية أجنبية على قرار محلي أو إقليمي، لا سيما أنها على حساب المصلحة الذاتية وطنيا، أو المصلحة الذاتية المشتركة إقليميا.
العنصر الثالث: الدول الأخرى المحسوبة على ما يسمى "محور الاعتدال" الناشئ بتصميم ورعاية أمريكية، لم تظهر أي موقف يوحي بعدم استعدادها للمضي في دعم التصورات الغربية عن مستقبل لبنان عبر الاستحقاق الرئاسي بعيدا إلى درجة المخاطرة بانقسامه داخليا إلى جانب مضاعفة أسباب الانقسامات الإقليمية عبر تجديد مفعول سياسة المحاور الإقليمية القديمة المرتبطة بقوى أجنبية.
أما العنصر الشعبي الظاهر للعيان في الحالة التركية، فنجد أنه فيما يتعلق بقضية لبنان ومستقبله، ليس مغيبا فحسب، بل هو مقيد بقيود ثقيلة، سواء في ذلك على صعيد هذا الطرف أو ذاك، أي في سوريا ومصر وإيران والسعودية والأردن، دون فوارق تستحق الذكر.
إن المؤشرات الدولية، وبتعبير دقيق الأمريكية والفرنسية، قبل المؤتمر لم تجد في طريقها عائقا إقليميا، فالتجزئة السياسية في الصدارة، والمصلحة المشتركة هي الضحية، ومعها الإرادة الشعبية ومستقبل لبنان نفسه.
لهذا لم يكن مستغربا أمران أساسيان في المؤتمر نفسه:
الأمر الأول: تحويل حصيلة اللقاء الوزاري الفرنسي - السوري من لقاء كان يفترض فيه البحث عن أرضية مشتركة لتحييد التداخلات الخارجية، الدولية والإقليمية، في الشأن الرئاسي اللبناني، إلى لقاء تتناقل وكالات الأنباء عنه أنه كان لمجرد توجيه تحذير فرنسي مباشر لسوريا ألا تصنع كذا وكذا مما تعتبره القوى الدولية البعيدة جغرافيا وبالتالي أمنيا وسياسيا عن لبنان –نظريا- تدخلا من جانب سوريا المجاورة إقليميا للبنان، وبالتالي المتأثرة أكثر من أي طرف آخر، سياسيا وأمنيا، بما يجري داخليا في لبنان.
الأمر الثاني: انعقاد اللقاء الذي تناول قضية الرئاسة اللبنانية بمشاركة دولية وعربية تستثني المشاركة السورية، وسيان هل صحت أم لم تصح الأخبار الواردة بشأن "احتجاج عربي" أثناء اللقاء، وتوجيه دعوة متأخرة لوزير الخارجية السوري للمشاركة فيه وهو في طريقه إلى المطار مغادرا إستانبول، فالحصيلة الحاسمة هي انعقاد اللقاء دون مشاركة سورية، ودون أن يوجد في البيان الصادر في ختامه عنصر واحد يراعي المصالح السورية الإقليمية أو يشير إلى الاستعداد لأخذها بعين الاعتبار.
إن المواقف الإقليمية لسائر الأطراف فيما يتعلق بقضية لبنان، قبل انعقاد المؤتمر وأثناءه، هي التي تحمل المسئولية عن أن الحصيلة لا تمثل سوى فرض التصور الغربي، الأمريكي والفرنسي، في هذه المرحلة، مع المخاطرة باحتمال أن يؤدي ذلك إلى انشقاقات لبنانية وتداعيات إقليمية، تساهم في زيادة نشر "الفوضى الخلاقة الهدامة" على أوسع نطاق.
ما بعد مؤتمر إستانبول
اللعبة السياسية لعبة لا نهائية، أو بتعبير آخر فيما يتعلق بحصيلة مؤتمر إستانبول، يمكن لتركيا أن تستفيد من مكاسبها وتعمل في الوقت نفسه لتوظيفها في اتجاه يضمن وضعها في إطار إقليمي وليس في إطار وطني/ قومي فحسب، ليخدم ذلك مصلحة تركيا والمصالح الإقليمية على المدى البعيد. كما يمكن لأطراف المنطقة الإقليمية على صعيد لبنان ومستقبله، أن تستدرك الخسائر المترتبة على حصيلة مؤتمر إستانبول للانطلاق بتحرك إقليمي مشترك بمعزل عن القوى الدولية، بحثا عن أرضية مشتركة، إذا قامت على أسس قويمة، واقترنت بإنهاء تغييب الإرادة الشعبية، يمكن أن تؤثر على المواقف الدولية في الاتجاه الصحيح، بدلا من الاستعانة بها على حساب بعضها البعض.
كلا الأمرين يدخل في نطاق التكهنات المستقبلية، ولا يمكن أن ينفصل أي منهما عن وضع كل من القضيتين، أي النزاع التركي -الكردي والنزاع اللبناني- اللبناني في إطار إقليمي شامل، ومنظور مستقبلي يتجاوز النظرات الضيقة المحدودة الأفق والفعالية، مع كسر الحلقة المفرغة لعقدة النقص التي تربط القرار القطري أو الإقليمي بالإرادة الدولية.
إن المقارنة بين نتائج مؤتمر إستانبول في القضيتين الأساسيتين المذكورتين تبين قابلية السير في طريق كسر هذه الحلقة المفرغة، وأن ذلك يرتبط ارتباطا وثيقا بالإرادة السياسية المحلية مهما كان شأن العلاقة بالقوى الأجنبية، كما يرتبط بتلاحمها مع الإرادة الشعبية وانفساح المجال أمام التعبير عنها واعتبارها ثقلا لا يُستهان به في موازين العلاقات الإقليمية والدولية وفي التعامل مع القضايا الساخنة والمزمنة.
لن تجد الأزمة التركية - الكردية حلا نهائيا دون مراعاة مصالح جانبي الأزمة وتغليبها على الارتباطات الأجنبية، مهما بدا لتركيا أنها ضرورية في نطاق تطور علاقاتها على الصعيدين الأوروبي والأطلسي، أو مهما بدا لساسة الأكراد أنها ضرورية على ضوء الارتباطات التي نشأت من قبل احتلال العراق وأصبحت واضحة للعيان في هذه الأثناء، وإن بدا في الوقت نفسه أنها يمكن أن تتحول إلى ارتباطات خانقة أو أن تتحول في إطار اللعبة السياسية الدولية إلى مختلف أشكال التخلي عن "الحلفاء الصغار" المحليين، لحساب آخرين.
كذلك لن تجد الأزمة الداخلية اللبنانية حلا مستقرا لها دون مراعاة مصلحة لبنان القائمة على مصالح الطرفين الرئيسيين فيها معا، وليس على حساب بعضهما البعض، إذا ما أعطيت المصلحة المشتركة الأولوية تجاه أي ارتباط خارجي أجنبي، ومع مراعاة أن لبنان جزء من المنطقة الإقليمية التي يوجد فيها، وأن له مع "جميع" دولها مصالح مشتركة يعتبر التهاون في مراعاتها لحساب ارتباط أجنبي خطرا على لبنان واستقراره ومستقبله، وليس على هذا الطرف أو ذاك فقط من القوى السياسية والشعبية فيه.
إن المنطقة العربية والإسلامية التي تواجه موجة جديدة من جهود القوى الدولية لتجزئتها، ونشر الفوضى الهدامة فيها، تفرض الالتقاء على الصعيد الإقليمي، ليس في إطار "دول جوار العراق" وقد ظهر للعيان في إستانبول مجددا أنه التقاء يمكن أن يخرج عن هدف دعم العراق نفسه ودعم وحدة أراضيه واستقراره مستقبلا، بسبب مشاركة القوى الأجنبية، لا سيما دولة الاحتلال فيه، بل يجب أن يكون التلاقي الإقليمي في إطار تلاقي دول المنطقة على أرضية مشتركة، بهدف واضح للعيان، هو إنهاء الاحتلال نفسه، وإنهاء مختلف صور الهيمنة الأجنبية والتبعية المحلية معه، وبأسلوب يربط مصير الحكومات بإرادة الشعوب، لتكون هي المصدر الحاسم في مواجهة السياسات العدوانية الأجنبية، التي لا تتمثل في "احتلال عسكري وتدمير" فحسب، بل تتمثل في الوقت نفسه في "استنزاف سياسي واقتصادي وفوضى إقليمية هدامة" أيضا.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|