English

 

الاثنين. نوفمبر. 5, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » شئون عربية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

فرّق العرب تَسُد.. نهج قديم متجدّد

نبيل شبيب

Image
اضغط للتكبير
تواتر الحديث في الآونة الأخيرة بكثافة عن مشاريع التجزئة، أو عن دخولها مرحلة التنفيذ الفعلي، من السودان إلى العراق إلى فلسطين إلى الصومال إلى لبنان، ويخطئ من يحسب بقية الأقطار العربية والإسلامية في منجىً من الاستهداف بتلك المشاريع، إنّما هي متطلبات التنفيذ المرحلي فحسب.

وليست عملية التجزئة أمرا بسيطا يُصنع على الخارطة فيتحوّل إلى واقع، بل قد تتطلب حروبَ احتلال عدوانية كما في العراق وفلسطين ولبنان، أو فتنَ الصدامات الداخلية كما في السودان والصومال، كما تتطلّب أجواء دولية مناسبة، وصناعةَ "كوادر" تتحوّل إلى مرتكزات محلية تساهم في التنفيذ، وهذا ما يجعل أهداف التجزئة القديمة الثابتة مسلسلا من حلقات متتابعة، تستغرق فترات زمنية معينة، قد لا يدور خلالها حديث علني عمّا يُصنع، ولكن تنطق به الشواهد العملية، وقد كانت هذه الشواهد في الماضي التاريخي القريب في صيغة مؤامرات تُحاك بليل، وأصبحت في هذه الأثناء في صيغة إجراءات مباشرة تُنفذ جهارا نهارا.

مرتكزات محلية

هل نحن في مرحلة جديدة في مسلسل التجزئة والتقسيم والتفتيت؟.. هذا سؤال اعتباطي، فالجواب قائم على الأرض، مشهود لا يحتاج إلى بحث وتنقيب، وكثرة الحديث لا تزيده وضوحا، بل قد تلفت الأنظار والعقول عن السؤال الأهم، عن المواجهة الواجبة، وبالتالي عن معطيات يجب إيجادها لوقف عملية السقوط على منحدر خطير يُصنع لنا وتساهم فيه أيدينا.

أوّل معالم متطلبات المرحلة هو الرؤية الواعية لدور المرتكزات المحلية في تنفيذ إرادة التقسيم الخارجية، وهذا ممّا نستخلصه من بعض الأمثلة:

في العراقكانت حرب الاحتلال، ورافقها تنويه بشأن تجزئته، أمّا الإعلان عن دعم مشروع رسمي للتجزئة تحت عنوان "دولة اتحادية" في صيغة قرار صادر عن مجلس نواب دولة الاحتلال الذي يُفترض أنّه يمثل شعبها، وهو لا يمثل شعب العراق وإرادته ومصلحته ومستقبله قطعا، فقد جاء -هذا الإعلان الرسمي- والعراق على أبواب العام الخامس من الاحتلال، وعند التأمّل نجد أنّ صناعة المرتكزات الداخلية اكتملت خلال ذلك، وهي التي حوّلت -كما يريد الاحتلال- ساحة المقاومة المشتركة ضدّه إلى ساحة اقتتال بين فئات الشعب المتعدّدة في القطر الواحد، وبالتالي أوجدت المعطيات الأخيرة التي تجعل الاحتلال قادرا على الرحيل عسكريا، وإن بدا مهزوما، مع ترك وضع سياسي يرسّخ التجزئة المطلوبة لزمن طويل على وجه الاحتمال، إن لم نقل على وجه الترجيح.

والجدير بالتنويه أنّ المشكلة ليست في مسألة "دولة اتحادية"، فقيامها في ظلّ ظروف اعتيادية ووفق إرادة شعبية مستقلة، لا ينطوي على خطر، ويوجد كثير من الدول المستقرة داخليا وعلى المسرح العالمي، كالولايات المتحدة الأمريكية نفسها أو ألمانيا، قائمة على صيغة دول اتحادية.. إنّما تكمن المشكلة في أنّ الدولة الاتحادية المراد فرضها في العراق، ترافقها معطيات تجعل "الأقاليم" دويلات ضعيفة متناحرة مجزّأة واقعيا، وربما رسميا في مرحلة لاحقة.

في لبنانكانت الحرب العدوانية الإسرائيلية الأخيرة في نطاق الهدف المعلن رسميا -أثناء الحرب- تحت عنوان "شرق أوسط جديد" -وجميع المشاريع الشرق أوسطية قائمة من البداية على التقسيم وفق هوية أو هويات انتمائية جديدة للمنطقة بديلة عن الانتماء الحضاري المشترك فيها- وكان المدخل إلى ذلك الهدف الرسمي هو إزالة عقبة المقاومة اللبنانية بالقوة، وأخفقت القوة العدوانية في ذلك بصورة مباشرة، وأصبحت هزيمتها عسكريا أشبه بهزيمة القوة الأمريكية عسكريا في أفغانستان والعراق، ولكن هنا أيضا نجد أنّ هدف التجزئة لم يسقط عبر الهزيمة، إنّما أصبحت المرتكزات الداخلية في لبنان، المصنوعة مع مرور الزمن هي المدخل إلى التنفيذ، ولئن لم يكن هدف التجزئة مطروحا كهدف رسمي، فقد أصبح الواقع يتمثّل في جبهتين تطرح إحداهما عنوان "الوحدة الوطنية" هدفا، وتعمل الأخرى للوصاية الدولية عسكريا وسياسيا، وذاك ما يصنع واقع "التجزئة" في لبنان، وإن بقي شكليا دولة واحدة لمرحلة من الزمن.

وفي السودان-مثالا ثالثا وأخيرا- لم ينقطع دعم الانفصاليين في الجنوب على امتداد عقود، فهدف التجزئة من خارج الحدود قائم ولكن اقتراب مرحلة التنفيذ، سواء عبر ثغرة دارفور التي فُتحت بعد تهدئة الجنوب عسكريا، أو عبر استفتاء يجرى بعد أعوام وتسبقه على الأرض إجراءات فرض واقع التقسيم إداريا وسياسيا كالعملة المحلية والشئون البلدية وغيرها، إنّما كان نتيجة وجود مرتكزات محلية داخل حدود السودان.

ولو مضينا مع الأمثلة لوجدنا دوما أنّ تنفيذ التجزئة المخطّط لها خارجيا يتحقق في المرحلة التاريخية المناسبة عن طريق مرتكزات داخلية مدعومة من جانب القوى الأجنبية.

بين الخطأ والجريمة السياسية

قد يطول الجدال كثيرا عمّن يحمل المسئولية عن وجود تلك المرتكزات الداخلية ووصولها إلى مستوى القدرة على تنفيذ مخططات أجنبية عدوانية ضدّ مصالحها الذاتية والمصلحة المشتركة في البلدان التي تنتمي إليها في الأصل، وقد يصل الأمر بالمجادِلين إلى تحميل القوى الرافضة للتجزئة، المقاوِمة للعدوان الأجنبي، قسطا من المسئولية السياسية على أساس ارتكابها أخطاء ما، ومثال فلسطين نموذجي على هذا الصعيد، ولكنّ الاستغراق في هذا الجدال لا يفضي إلى نتيجة مجدية، فسيّان أن يثبت ارتكاب أخطاء أم لا.. يبقى من الضروري التمييز الحاسم بين الخطأ السياسي والعسكري والتخطيطي وغيره، وبين الجريمة ذات الأبعاد السياسية والعسكرية وسواها، ومسئولية من يرتكب الخطأ قابلة للمحاسبة وللتصحيح، ولكن حتى في حالة ثبوته والإصرار عليه من جانب قوى مخلصة "غير واعية"، يبقى في سائر الأحوال أنّه لا يبرّئ الأطراف الأخرى -التي تعتبر نفسها هي "الواعية"- من المسئولية عن "جريمة خطيرة" ترتكبها بحقّ نفسها وبحقّ أهل البلد ومستقبله.

ليس هذا جديدا في تاريخ العالم عموما، ولا في تاريخ المنطقة العربية والإسلامية تخصيصا، فالدول الاستعمارية حملت قسطها من المسئولية عن التقسيم الذي قرّرته مؤامرة "سايكس بيكو"، ووجدت أطرافا أخطأت في التعامل معها لضعف وعيها السياسي أو لضعف استيعابها للتاريخ، ولكنّ التنفيذ كان دوما من جانب مرتكزات داخلية في المنطقة، وأمام العواقب الوخيمة لا يمكن هنا تخفيف المسئولية بالحديث عن سذاجة سياسية انتحارية بدلا من الحديث عن ارتكاب جريمة المشاركة في التنفيذ عن سبق إصرار.

والاستعمار الروسي وسط آسيا حمل قسطه من المسئولية عن التقسيم الذي قرّره في تركستان وقفقاسيا، ولكن التنفيذ تحمل المسئولية عنه مرتكزات داخلية نشأت في المنطقة من بعد، إلى درجة نرصد معها كيف أصبحت أركان الشيوعية بعد الحقبة القيصرية هي التي تحافظ على هذا التقسيم في البلدان "المستقلة" والباقية تحت السيطرة الروسية، إلى ما بعد انهيار الشيوعية نفسها في الدولة الاستعمارية.

صراع الإرادات

الأمثلة كثيرة، فالتاريخ يكرّر نفسه وفق سننه الثابتة، وإن تبدّلت الصور والملامح العامة فحسب، وما يجري في الوقت الحاضر على امتداد الأرض الإسلامية ما بين المحيطات الثلاثة لا يختلف كثيرا عن الماضي القريب، إلاّ فيما تفرضه الوسائل المتغيّرة للعالم المعاصر، من حيث الشكل والأسلوب والإخراج، بالمقارنة مع ما كانت تصنعه خرائط التجزئة عبر القرن الميلادي العشرين ومن قبل.

إنّنا نواجه في قضية التجزئة عنصرين متكاملين يصنعانها معا:

العنصر الأول: الإرادة الأجنبية العدوانية مع ما يقترن بها من جهود للتنفيذ.

العنصر الثاني: الإرادة الذاتية -بغض النظر عن الوصف المناسب لها- لمن يساهم في عملية التنفيذ.

وإنّنا نفتقد في قضية التجزئة عنصرين متكاملين للمواجهة لا غنى عنهما:

العنصر الأول: الإرادة المشتركة بين اتجاهات متعدّدة توحي تصوّراتها بالإخلاص وتضعف عن التحرّك نتيجة تناحرها.

العنصر الثاني: الإرادة الواعية داخل نطاق كل اتجاه على حدة لتثبيت الأولويات في أهدافه ونقاط الالتقاء مع سواه لا سيّما في مراحل العمل لدفع خطر داهم والتمهيد للتعامل مع متطلبات مستقبل مشترك.

من أكبر الأوهام وأوهنها الاعتقاد بإمكانية "تبديل الإرادة العدوانية" بإرادة سياسية إنسانية شرعية قويمة، تتخلّى بنفسها عن أهداف السيطرة والهيمنة والاستغلال، وبالتالي عن العمل ما استطاعت لاستخدام وسيلة التجزئة لتحقيق ذلك كله، ومن يعمل في هذا الميدان بهذا الهدف لا يتجاوز حدود إضاعة الجهود والإمكانات دون جدوى، علاوة على الإسهام في نشر الخلل في التصوّرات التي يشغل بها سواه.

جميع ذلك يتناقض تناقضا مباشرا مع طبيعة القوى العدوانية المعنية نفسها، منذ بدأت تتحرّك في فترة الغيبوبة الحضارية والسياسية في المنطقة العربية والإسلامية من قبل وحتى الآن.

إنّما لا تصحّ بالمقابل الدعوة إلى التخلّي عن ميدان آخر للعمل وإن بدت النتيجة فيه مشابهة تحت وطأة ما يجري، وهو العمل من أجل إزالة التناقضات والأزمات والمنافع الأنانية ما بين الأطراف المعنية في صورة دول أو اتجاهات، داخل نطاق المنطقة العربية والإسلامية، بما يشمل السعي لتحرير إرادة المرتكزات المحلية التي يُعتمد عليها في تنفيذ إجراءات التجزئة وزيادة مفعولها.

ولكنّ الجهد الأكبر الذي يَعِد بذله بنتائج قريبة وبعيدة، هو جهد تلاقي العاملين تحت عناوين اتجاهات متعدّدة للالتقاء على قواسم مشتركة، بما يصنع قواعد للتعامل المتبادل، ويوجد أرضية لتحرّك جماعي، وإن اقتصر على تحقيق أهداف مرحلية، لا سيما عند اقتران ذلك بوضع تصوّر مشترك للتعامل على مثل تلك الأرضية المشتركة أيضا، إذا ما أمكن تحقيق الأهداف المرحلية، وبات في الإمكان الانتقال ممّا يمكن وصفه بمرحلة "الدفاع" إلى مرحلة "البناء".

النهج المغيّب

بالعودة إلى الأمثلة الثلاثة الواردة آنفا:

في العراقنرصد اندفاعا كبيرا أو استعدادا على مضض لدى القوى المحلية، لمشاركة القوى الدولية فيما يُطرح من مشاريع لحلّ أزمة العراق، ويمكن التأمّل بعمق في تلك المشاريع، بدءا بما يُصنع على مسرح دول الجوار بمشاركة مباشرة وغير مباشرة من جانب قوى الاحتلال والهيمنة الأجنبية، انتهاء بما يتردّد تحت عنوان "مؤتمر دولي" تجري التهيئة له بهدوء لوضع البصمات الأخيرة على ما صُنع ويراد صنعه بعد بمستقبل العراق وما يتصل به بعد انتهاء مهمّة "الجانب العسكري" عبر قوة الاحتلال، ولن نجد بعد التأمّل العميق ما يمكن أن يضع أرضية ثابتة لتثبيت وحدة العراق واستعادة قوته ومكانته الإقليمية عربيا وإسلاميا، تحت سيطرة اتجاه واحد، أو سيطرة توافق ما بين عدة اتجاهات، إنّما نجد ما يمكن أن يرسّخ أسباب التجزئة تحت مختلف العناوين، ويرسّخ معها أسباب الضعف والتبعية المحلية والهيمنة الأجنبية.

في لبنانينقطع الحوار المحلي بين الأطراف المعنيين مباشرة بالنزاع وبلبنان، إلا نادرا، ولا ينقطع الحوار عن طريق وسيط دولي وحتى إقليمي، أي عن طريق جهات ساهمت من قبل في الوصول بلبنان إلى ما وصل إليه، ولا يمكن أن تساهم في إزالة ما صنعته بنفسها، ولئن وجدت نفسها مضطرة إلى القبول بصيغة لا تحقّق "الآن" جميع ما تريد، فلن تترك سبيلا للحفاظ على ثغرات في تلك الصيغة نفسها، لمتابعة العمل لاحقا على تنفيذ "بقية ما تريد".

في السودانلم توصل المشاركات الدولية، والمشاركات الإقليمية في إطار دولي، إلا إلى اتفاقات ملغمة يمكن أن يجري تفجيرها مستقبلا باتجاه التجزئة بين شمال وجنوب، أو مسلسل لا ينقطع من الضغوط العسكرية وغير العسكرية لترسيخ أسباب التجزئة عبر ثغرة دارفور أيضا.

إنّ العنصر المغيّب في هذه الأمثلة وسواها، في فلسطين والصومال وغيرهما من المناطق المعرّضة إلى مشاريع التفتيت قبل سواها، هو عنصر العمل الجادّ من أجل إيجاد أرضية مشتركة -وإن تعدّدت الاتجاهات والانتماءات- لأصحاب الإرادة المستقلة عن القوى الخارجية أولا، وعن المرتكزات التي تعتمد عليها محليا أيضا، وبصيغ قد تؤثّر حتى على تلك المرتكزات فتتخلّى عن ارتباطات خارجية من أجل التلاقي مع الآخر محليا.

قد يكون الطريق إلى تحقيق ذلك طويلا، ولن يكون خاليا من العقبات الذاتية والخارجية، ومن محاولات تقويض خطواته الأولى وخطواته التالية، ولكن البديل عنه، هو التسليم دون مقاومة لِما يُصنع دون انقطاع، على قاعدة فرّق تَسُد، وإنّ ما ينبني عليه سواء بمعيار حجم التضحيات أو بمعيار سوء العواقب، أكبر -بما لا يقارن- من كل ما يترتّب على سلوك الطريق الوحيد لتحرير الإرادة الذاتية أولا، وإيجاد أرضية مشتركة بين أصحابها ثانيا، وسلوك سبيل العمل الجادّ لمقاومة كل عدوّ مقاومةً لا تنقطع، والحيلولة بلا مساومة دون متابعة أي مرتكز محلي له، لتنفيذ مخططاته ورفض التلاقي معه دون التخلّي عن ذلك بلا قيد ولا شرط.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات