English

 

الأحد. نوفمبر. 4, 2007

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » باكستان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

حالة الطوارئ في باكستان.. نهاية حكم مشرف

مركز النخبة للدراسات

Image
برويز مشرف
نشرت صحيفة "ليموند" الفرنسية في 15 مايو الماضي تحقيقًا من إسلام أباد حول أعمال العنف الدامي الذي شهدته مدينة كراتشي أكدت فيه أن "الأزمة السياسية تهز البلاد وارتدت طابعًا عنيفًا يشبه الحرب الفعلية". وأشارت إلى أن "هذه الأعمال تنذر بنهاية عهد تمكن فيه الجنرال مشرف من قيادة باكستان دون مجابهة تذكر، أما اليوم فيتعين على رئيس الدولة أن يواجه حركة احتجاج لم يسبق لها مثيل، وهذا التحدي قد يسفر عن كثير من التهديد لاستقرار البلاد والمنطقة".

أزمة ممتدة

ربما تعبر تلك الكلمات التي جاءت في تحقيق الـ"ليموند" عن تلك الأزمة الطاحنة التي تعصف بباكستان، والتي ليست وليدة اليوم.. بل بدأت منذ تولي الرئيس برويز مشرف السلطة عام 1999 إثر انقلاب عسكري أطاح من خلاله برئيس الوزراء المنتخب نواز شريف، لكن تلك الأزمة اشتدت مع مطلع العام 2003 بعد فشل مشرف في الحصول على شرعية شعبية لنظام حكمه الجديد، خاصة مع ارتكابه لانتهاكات بالغة خلال الاستفتاء الذي أجري عام 2002 لانتخابه رئيسًا وكذلك الانتخابات البرلمانية التي جرت في نفس العام.

كذلك كان لدوره الذي لعبه في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على ما تسميه الإرهاب الإسلامي أثر مضاعف في تصاعد الاحتجاجات ضد مشرف، بل والسعي للتخلص منه عبر الاغتيال، حيث تعرض للاغتيال مرات عديدة.

وعلى الرغم من أن علاقات التبعية التي نسجها مشرف مع الغرب وتحديدًا الولايات المتحدة منذ وصوله للسلطة، ليست جديدة -فهي امتداد للسياسة التي اتبعتها إسلام أباد منذ خمسينيات القرن الماضي- فإن الجديد هو التعارض الناشئ عن متطلبات التبعية الجديدة للغرب والمتمثلة في المواجهة مع قوى مهمة في المجتمع الباكستاني.

إن القراءة في تاريخ العلاقات الباكستانية الأمريكية تشير إلى أن التطورات التي شهدتها أعوام 1953 و 1954 مثلت ذروة المسيرة الباكستانية نحو إضفاء الصبغة الرسمية على علاقات تبعيتها للولايات المتحدة في أعقاب فقدان أبرز اثنين من زعمائها السياسيين (وهما مؤسس الدولة محمد علي جناح ورئيس وزرائه لياقات علي خان)؛ حيث سعى حاكم باكستان غلام محمد إلى التفاوض في شأن تحالف عسكري مع الولايات المتحدة، وراح يعرض إقامة قواعد عسكرية أمريكية في الأراضي الباكستانية لمحاربة "العدوان الشيوعي"، ثم كانت هناك سلسلة من الزيارات بين البلدين في عامي 1953 و1954 انتهت بتوقيع اتفاقية للمساعدات الدفاعية المتبادلة مع الولايات المتحدة، وتبع ذلك دخول باكستان في حلف جنوب شرقي آسيا (سياتو) في سبتمبر من العام ذاته.

وفي فبراير 1955 دخلت باكستان حلفًا عسكريًا آخر مع إيران وتركيا، والذي عرف آنذاك باسم الحلف المركزي (السنتو).

وعندما وصل قائد الجيش أيوب خان للحكم عام 1958، أبرم التحالف العسكري النهائي مع الولايات المتحدة، وهو معاهدة الأمن المتبادل التي وضعت باكستان في مكانة "الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة".

وبعد أحداث سبتمبر2001 الإرهابية تجددت علاقات التبعية للولايات المتحدة ولكن بصورة أكبر من ذي قبل، حيث سعت الإدارة الأمريكية لاستغلال باكستان كدولة وكموقع جغرافي وسياسي إستراتيجي في مواجهة قوى الإرهاب.

وبطبيعة الحال ترتب على ذلك أن دخلت الدولة الباكستانية في صراع مع قوى مهمة في النسيج الاجتماعي الباكستاني ترى أن الحرب على الإرهاب موجهة ضد الإسلام والمسلمين وضد القوى الجهادية التي ساعدت أفغانستان على التخلص من الاحتلال السوفيتي في سبعينيات القرن الماضي.

دخلت الدولة في صراع مع هذه القوى التي تحتل مكانة مهمة في المجتمع الباكستاني حصلت عليها عبر عقود متتالية منذ رحيل الزعيم محمد جناح المفاجئ في عام 1948 وصعود رفاقه إلى السلطة، حيث لم يجد هؤلاء ما يستعينون به في ظل فقدانهم للكاريزما الجماهيرية والشرعية التاريخية واصطدامهم بالتهديد الخارجي وتحديات بناء الدولة المستقلة، سوى الارتكان إلى الدين كعامل جامع وموحد للقوميات التي يتشكل منها الشعب الباكستاني.

وحاولت النخب السياسية والعسكرية التي توالت على السلطة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي استخدام الإسلام باعتدال في بناء وترسيخ كيان الدولة؛ لكن منذ السبعينيات ومع تولي "ذو الفقار علي بوتو" وخليفته العسكري الجنرال "ضياء الحق"، بدا أن هناك ميلا نحو توسيع الرقعة التي يحتلها الدين في الحياة العامة؛ فكان أن تم العمل على محو آخر ما تبقى من صور باكستان العلمانية، ثم اتجه "ذو الفقار" إلى تبنى تطبيق أحكام الشريعة والتي توسع تطبيقها مع مجيء "ضياء الحق"، وذلك من أجل تحقيق هدفين؛ كسب قوى الإسلام السياسي إلى جانبه، تعزيزًا لدعائم نظامه العسكري الفاقد للشرعية، وجني المزيد من المساعدات و الهبات المالية من دول الخليج.

هذه القوة التي اكتسبها الدين كان من الصعب إن لم يكن من المستحيل، مواجهتها دفعة واحدة وبدون مقدمات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهو الأمر الذي ترتب عليه اندلاع هذه الأزمة الخانقة، وخاصة أن الرئيس مشرف لم يكن أمامه بديل، فوجوده في السلطة يتوقف إلى حد كبير على الدعم الأمريكي له، وهذا الدعم يحتاج إلى تنفيذ الأجندة الأمريكية الخاصة بمحاربة الإرهاب.

في مرحلة الخطر

واختار مشرف الرضا الأمريكي على رضا الشعب الباكستاني، ودخل في مواجهة مع القوى الإسلامية هناك، وتمثل ذلك جليا في أزمة المسجد الأحمر خلال شهر يونيو الماضي، حيث سعى مشرف منذ اللحظة الأولى للأزمة إلى الاعتماد على القوى الأمنية لحل المشكلة؛ فكان اقتحام قوات الأمن للمسجد الأمر الذي ترتب عليه سقوط المئات بين قتيل وجريح.

ويشتهر المسجد الأحمر بدعمه لحركة طالبان في أفغانستان، ومعارضته لتأييد الرئيس مشرف للحرب التي تقودها الولايات المتحدة على ما يوصف بـ"الإرهاب" منذ عام 2001.

ومنذ تلك اللحظة تصاعدت وتيرة العنف الذي تشهده باكستان خاصة في منطقة القبائل معقل الإسلاميين حيث قتل المئات من الجنود الباكستانيين والمقاتلين في المواجهات الدائرة هناك كما استطاع هؤلاء المقاتلون أخذ العشرات من جنود الجيش الباكستاني كرهائن.

وتقاطعت هذه التطورات مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية ورغبة مشرف في التمديد له من قبل البرلمان، وهو الأمر الذي رفضته المعارضة بشكل حاسم واتخذت عدة إجراءات لمواجهته، كان أبرزها تسيير مظاهرات ضخمة، إضافة إلى تقديم أعضاء المعارضة في البرلمانات المحلية لاستقالات جماعية بهدف إحراج الرئيس مشرف.

ولعبت المحكمة العليا الباكستانية دورًا مهمًّا في هذه الأزمة، خاصة بعد محاولة الرئيس مشرف الإطاحة برئيسها "إفتخار تشودري" ثم إعادته إلى منصبه مرة أخرى تحت ضغط المعارضة التي اتخذت من قضيته وسيلة للتصعيد ضد الحكومة، تمثل في سماحها بعودة رئيس الوزراء السابق نواز شريف زعيم حزب الرابطة الإسلامية، إضافة إلى نظرها عدة طعون ضد ترشح الرئيس مشرف للانتخابات الرئاسية وكذلك ضد العفو الذي منحه لزعيمة حزب الشعب بينظير بوتو في إطار الصفقة المبرمة بينهما لاقتسام السلطة.

مشرف وسيناريوهات المواجهة

في مواجهة كل هذه الضغوط، لم يكن أمام مشرف إلا الاختيار بين عدة سيناريوهات، أولها محاولة الاحتفاظ بالسلطة المطلقة، وهو أمر كان يميل شخصيًا نحوه، من خلال تزوير الانتخابات والتلاعب في الدستور، كخطوة أولى كان سيسعى للحصول على فترة رئاسية أخرى لمدة خمس سنوات عبر المجالس المحلية المشوهة، مثل المجمع الانتخابي، بدلا من المجالس التي ستخلفها المقرر انتخابها هذا العام، وهذا سيجعله قادرًا على تزييف نتائج الانتخابات الوطنية وبعد تأكده من حصول حلفائه السياسيين على أغلبية معقولة داخل البرلمان، ربما يسعى مشرف لتمرير تعديل دستوري آخر بهدف تمكينه من الاحتفاظ بمنصب قائد الجيش بعد ديسمبر عام 2007، وهو موعد انتهاء السلطات الخاصة التي منحها إياه البرلمان في انتهاك لروح دستور عام 1973، بحيث يتمكن من تقلد المنصبين معًا.

لكن تطبيق هذا السيناريو كان سيعني اشتعال حريق كبير في البلاد بسبب رفض أحزاب المعارضة والمجتمع المدني لهذه الإجراءات، وهو رفض لن يتم التعبير عنه بالطرق السلمية كما هو الحال في جزء من الاحتجاجات الحالية، بل سيكون عن طريق العنف المتزايد الذي يعد معه ما يجري في منطقة القبائل مجرد نزهة خلوية.

بوتو ومشرف

السيناريو الثاني يتمثل في سعي مشرف لعمل اتفاق للتشارك في السلطة مع رئيسة الوزراء السابقة "بنيظير بوتو" رئيسة حزب الشعب، يتم بمقتضاه تخلي مشرف عن منصب قائد الجيش والترشح في الانتخابات كمدني في مقابل تأييد أعضاء الحزب له، وتحصل بوتو على عفو عن جرائم الفساد الموجهة إليها وربما عودتها إلى منصب رئاسة الوزراء مرة أخرى.

ولم يكن أمام مشرف بد من مشاركة بوتو السلطة، خاصة أن هذا السيناريو أفضل المتاح أمامه في الوقت الحالي، إضافة إلى أن الولايات المتحدة تشجع على هذا الأمر؛ بل وساعدت كثيراً في إنجازه من خلال دفع الطرفين إلى تقديم التنازلات المتبادلة للتوصل إلى الاتفاق؛ فالإدارة الأمريكية ترى أن بوتو هي أكثر الشخصيات السياسية التي تستطيع الوقوف إلى جانب مشرف في هذه الأوقات الحرجة لتنفيذ الأجندة الأمريكية في مواجهة القوى المتطرفة داخل باكستان وكذلك في أفغانستان.

ولم يتوقف الدور الأمريكي لإخراج مشرف من أزمته عند هذا الحد بل ذهب إلى أبعد من ذلك من خلال الإعلان المتكرر على لسان الأمريكيين أن مشرف هو القائد الأفضل لباكستان؛ فخلال زيارة جون نيغروبونتي نائب وزيرة الخارجية الأميركية إلى باكستان خلال شهر سبتمبر الماضي، وصف القيادة الباكستانية بأنها شريك في "محاربة الإرهاب" وأنها "صوت اعتدال ومنطق".

أمريكا لا تريد شريف

وخلال هذه الزيارة اتفق مشرف مع نيغروبونتي على ضرورة إنجاح المفاوضات الجارية مع بوتو، كما تم الاتفاق في نفس الوقت على ضرورة استبعاد نواز شريف من دائرة اللعبة السياسية وعدم السماح له بالعودة إلى البلاد على الرغم من قرار المحكمة العليا؛ لأنها (واشنطن) ترى أن شريف سيكون عقبة في تحقيق أهدافها في باكستان، بعكس بوتو، وهو أمر لا تريده الإدارة الأمريكية الآن حتى لو تعارض مع قواعد الديموقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان التي تنادي بها؛ لأنه لا تزال هناك مصالح لأمريكا تحتاج من الحكم القائم العمل على تنفيذها.

وفي حين قامت الحكومة الباكستانية بترحيل نواز شريف بعد ساعات من وصوله للبلاد يوم 10 سبتمبر الماضي إلى السعودية، هيأت البلاد لاستقبال بينظير بوتو من خلال السماح لمناصريها بالتوجه إلى المطار لاستقبالها في كراتشي وتأمين عملية وصولها للبلاد بعشرات الآلاف من الجنود.

لكن كل ذلك لم يمنع من رد الفعل الغاضب على هذه التطورات والذي تمثل في تفجيرات هائلة حصدت حوالي 138 شخصًا إضافة إلى عشرات الجرحى من أنصار بوتو.

وهو الأمر الذي يؤشر إلى أن الاتفاق الذي عقده مشرف مع بوتو لا يعني أن الأزمة انتهت أو حتى آخذة في طريقها نحو التبريد بعد ضمان تأييد حزب الشعب الذي يحظى بمكانة قوية لدى الشعب الباكستاني، للرئيس مشرف.

الصحف الأجنبية رأت أن الاتفاق بين بوتو ومشرف لا يوفر المقومات المثالية لتحقيق الاستقرار في البلاد ودعت إلى ضرورة إشراك نواز شريف في هذه الصفقة من أجل ضمان أصوات حزب الرابطة الإسلامية.

فقد قالت صحيفة نيويورك تايمز يوم 18 أكتوبر الجاري إنه "من الصعب اعتبار عودة بوتو انتصارًا للديمقراطية، خاصة أنها جاءت نتيجة صفقة مشبوهة مع الجنرال برويز مشرف منحته خمس سنوات إضافية رئيسًا لدولة باكستان"، مضيفة أن "التحدي الكبير الذي يواجه بوتو الآن هو أن تستغل الشعبية التي تحظى بها والمهارات التي تتحلى بها لإعطاء دفع لهذا الانفتاح السياسي المتواضع وتحويله إلى شيء يشبه الديمقراطية الحقيقية"، وهو أمر لن يتحقق إلا بإصرار بوتو "على أن تكون الانتخابات القادمة مفتوحة أمام الجميع، بمن فيهم غريمها السياسي نواز شريف، فهي وشريف من أكثر السياسيين الباكستانيين شعبية ودون مشاركة كل منهما في اللعبة لن تكون هناك ديمقراطية باكستانية حقيقية".

ونبهت إلى أن ترتيبات تقاسم السلطة التي تمت بين بوتو ومشرف مهددة بالانهيار، خاصة إذا قبلت المحكمة العليا الباكستانية بالطعون المقدمة ضد ترؤس مشرف لفترة جديدة، إضافة إلى أن الطبقة الوسطى المسيطرة على وسائل الإعلام غير راضية عن بوتو بسبب اتفاقها مع مشرف.

إعلان حالة الطوارئ

لكن ما لم تتوقعه هذه الصحف هو تفجر الوضع بالصورة التي حدثت بعد عودة بوتو؛ فقد تطورت الأحداث سريعا نحو مزيد من الصدام المسلح بين الجيش الباكستاني وبين المعارضة التي تسعى لإسقاط حكم مشرف بالقوة.

وسقط خلال هذه المواجهات عشرات القتلى والجرحى من الجانبين، الأمر الذي دفع الرئيس الباكستاني إلى إعلان حالة الطوارئ وتعليق العمل بالدستور، كما جرت اعتقالات واسعة في صفوف المعارضة، إضافة إلى إغلاق حوالي 60 محطة تليفزيونية.

وبرر الرئيس مشرف فرضه حالة الطوارئ في البلاد بأنه كان ضروريًّا لحماية الوحدة الوطنية في مواجهة ما وصفها بنزاعات داخلية خطيرة ولاستكمال الانتقال إلى الديمقراطية.

وأشار في خطاب إلى الشعب الباكستاني بثه التلفزيون الباكستاني بعد ساعات من إعلانه حالة الطوارئ، إلى أن "الإرهاب والتطرف بلغا ذروتهما"، مبرزا "الهجمات الانتحارية الدامية التي شهدتها مدن باكستانية في الآونة الأخيرة مثل العاصمة إسلام أباد وراولبندي وكراتشي". كما تطرق إلى الأحداث الجارية في وادي سوات شمال غرب باكستان والمناطق القبيلة وامتدادها للمدن الكبرى.

مشرف والمحكمة العليا 

وهاجم الرئيس الباكستاني بشدة المحكمة العليا، واتهمها بالتسبب في شلل الأجهزة الحكومية، وتدخلها في السلطتين التنفيذية والتشريعية، مشيرا إلى أن السلطة القضائية تدخلت في أكثر من مائة قضية تتعلق بالسلطة التنفيذية.

وبناء على ذلك، وبموجب قانون الطوارئ، قام "مشرف" بعزل رئيس المحكمة العليا القاضي إفتخار تشودري بعد رفضه مع سبعة قضاة آخرين التصديق على قرار الطوارئ، وتم تعيين القاضي عبد الحميد دوغر بديلا عنه.

جدير بالذكر أن المحكمة العليا كانت حددت يوم السادس من نوفمبر الجاري لإصدار حكمها في القضية، مما دفع كثيرًا من المراقبين إلى القول بأن إجراء مشرف كان استباقًا للقرار الذي كان متوقعًا أن يأتي في غير مصلحته.

موقف المعارضة

رفضت المعارضة بجميع أطيافها قرار مشرف وأعلنت العمل على إلغائه؛ فقد تعهدت بوتو باحتجاج حزب الشعب الذي تتزعمه على إجراءات مشرف، مؤكدة عزمها الاجتماع مع زعماء سياسيين آخرين بغية التوصل إلى إستراتيجية لإلغاء قرار مشرف بتعليق الدستور.

من جانبه، وصف رئيس الوزراء الباكستاني الأسبق نواز شريف قرار مشرف بأنه صورة من صور الأحكام العرفية، مؤكدًا على أن البلاد في طريقها نحو الفوضى الشاملة، وقال زعيم الجماعة الإسلامية قاضي حسين أحمد: "إن مشرف ارتكب الخيانة العظمى". مؤكدًا على أن "كل من يتعاون معه سيعامل أيضًا على أنه خائن".

البلاد نحو الهاوية

من المؤكد أن إعلان حالة الطوارئ في باكستان سوف يقود البلاد إلى حالة من الفوضى الشاملة؛ فإذا كان الرئيس الباكستاني يعتبر أن أحداث العنف الأخيرة مثلت فرصة مثالية له لتحقيق مخططاته في إعلان الأحكام العرفية من أجل القضاء على المعارضة وكذلك مواجهة الحكم المتوقع للمحكمة العليا الذي كان سيقضي بعدم شرعية انتخابه رئيسا للبلاد، وذلك بهدف استمرار سيطرته على السلطة بصورة مطلقة، فإن المعارضة ستجد في إعلان الأحكام العرفية فرصة مثالية لتجميع نفسها لبدء الجولة الأخيرة في معركة إسقاط حكم مشرف؛ حيث ستتيح الأوضاع الجديدة فرصة التقاء أطراف المعارضة حتى تلك التي هادنت حكم مشرف في إطار اتفاق تقاسم السلطة كما هو الحال مع حزب الشعب.

وإذا كانت المعارضة على الرغم من انقسامها في الماضي وعلى الرغم من توجهها إلى النهج السلمي في الجزء الأكبر من عملها، قد استطاعت إحداث تلك الهزات العنيفة في نظام حكم مشرف بالدرجة التي دفعته إلى إعلان أحكام الطوارئ، فكيف سيكون الحال وقد وفر لها مشرف بقراراته تلك أرضية مناسبة للرد بصورة أكثر عنفًا وشمولا مما سبق؟

لم يبق أمام مشرف بعد أن فقد كل الأطراف الداخلية التي كانت تسانده في الفترة الماضية، إلا مساندة الخارج وخاصة الولايات المتحدة والدول الغربية، ولعل ذلك ما جعل مشرف يوجه رسالة خلال خطابه الأخير بعد إعلان الأحكام العرفية إلى هذه الدول التي أطلق عليها "أصدقاء باكستان" الغربيين، طالبهم فيها بتفهم قراره إعلان حالة الطوارئ، مؤكدًا أنه لولا هذا القرار لانجرت بلاده إلى "الانتحار"، مشيرًا إلى أنه عندما جاء عام 1999 إلى السلطة وضع خطة من ثلاث مراحل للانتقال إلى الديمقراطية انتهت مرحلتان منها، مشددًا على أن قراره فرض الطوارئ هو بداية المرحلة الثالثة لإزالة العراقيل أمام العمل الديمقراطي.

لكن إلى متى تستطيع هذه الدول مساندته في مواجهة شعبه؟

الولايات المتحدة تحتاج بالفعل إلى مشرف لتحقيق مصالحها كما سبقت الإشارة، وسوف تعمل على الوقوف بجانبه، لكن ذلك لن يدوم طويلا، وخاصة أن فترة ولاية الإدارة الأمريكية الحالية قاربت على الانتهاء، ومع وجود توقعات تشير إلى أن الإدارة القادمة ستكون مغايرة في توجهاتها، فإن أمر مساندة مشرف سيكون محل شك كبير في ظل تلك الإدارة الجديدة.

وحتى مساندة الولايات المتحدة لمشرف حتى انتهاء ولاية الإدارة الحالية لا تعني أن التفاعلات الداخلية ستكون تحت السيطرة، بل ربما تزيد هذه المساندة من دفع القوى المعارضة للعمل بشكل أكبر وأسرع للتخلص من مشرف الذي يتلقى مساندة ممن تعتبرها المعارضة عدو الإسلام والمسلمين.

خلاصة القول أن قرار الرئيس مشرف إعلان حالة الطوارئ وتعليق العمل بالدستور هو قرار إعلان نهاية وجوده في السلطة، وسواء أطال الأمر أم قصر فإن تنفيذ هذا القرار قادم لا محالة على أيدي أبناء الشعب الباكستاني.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات