English

 

الخميس. نوفمبر. 1, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

فيلم المملكة: دعاية لدعم إرهاب المحافظين الجدد

د. إبراهيم علوش

Image
ملصق فيلم المملكة
عندما يصبح فيلمٌ سينمائيٌ ما مجرد امتدادٍ ميكانيكي للموقف السياسي للمحافظين الجدد فيما يسمى "الحرب على الإرهاب"، وعندما ينبثق ذلك الفيلم من ثنايا الإشكالات التي كانت حكومة الولايات المتحدة تتذمر كثيرا أنها واجهتها في إقناع السعودية بالتنسيق معها أمنيا في المعركة ضد "الإرهاب"، وعندما يبدأ الفيلم على خلفية العمليات التي استهدفت مجمعات الأمريكيين السكنية في السعودية في عامي 1996 و2003، فإن الحديث يكون بالضرورة عن فيلم "المملكة" الذي أطلق في الولايات المتحدة الأمريكية في 28/9/2007.

فيلم تبسيطي سياسيا لأهداف مدروسة

وقد تكلف الفيلم حوالي ثمانين مليون دولار، وهو يدخل ضمن فئة "الأكشن" والإثارة المعتمدة على تتابع الأحداث، لا على أسبابها، وعلى المهارات القتالية لممثليه في مواجهة "المسلمين المتطرفين"، دون اقتران ذلك برسالة إنسانية ما أو ببنية درامية معقدة، أو حتى بشخصيات تحركها دوافع نفسية عميقة على الأقل كما جرت العادة في الكثير من الأفلام الأمريكية. وهو بالتأكيد ليس فيلما خياليا أو معلقا في الهواء، بل ينطلق من أحداث حقيقية، وظروف سياسية مباشرة هي الإشكالات المحيطة بالتعاون الأمني بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها.

وفي المجلد الضخم المعنون "الأسماء المشفرة: حل شفرة الخطط والبرامج والعمليات العسكرية الأمريكية في عالم ما بعد 11 سبتمبر"، الصادر عام 2005، يخلص واضعه -الكاتب والصحفي الأمريكي وليم أركن- في الفصل الخاص بالسعودية إلى أن التعاون العسكري الأمريكي السعودي أفضل بكثير من التعاون الأمني. وهو يدعي نقلا عن مسؤولين أمريكيين أن الـ "سي آي إيه" لم تتمكن من تأسيس "علاقة يومية أصيلة" مع الأجهزة الأمنية السعودية كما ترغب، حتى بعد عملية الخبر عام 1996 ضد القوات الأمريكية وأحداث 11 سبتمبر، وبالرغم من تشكيل قوة تدخل مشتركة سعودية أمريكية لمكافحة تمويل الإرهاب في آب 2003 وزيادة تبادل المعلومات بعد اعتقال عشرات المتعاونين مع القاعدة و"الإرهابيين" المحتملين في السعودية. وهذه هي الخلفية الحقيقية لفيلم "المملكة". والأفلام الأمريكية كثيرا ما تتألف من طبقات، أولها سطحي هدفه تجاري، وآخرها سياسي موجه.

تقوم قصة الفيلم على رحلة لفريق من مكتب المباحث الفيدرالية، إف بي آي FBI، إلى السعودية للتحقيق في عدوان إرهابي على مجمع سكني أمريكي في الرياض يقتل فيه عدد كبير من المدنيين الأمريكيين بالإضافة إلى مسؤول مكتب الـ إف بي آي FBI في السعودية. ومن المعروف أن مجمعا سكنيا أمريكيا تم تفجيره في 12 أيار/ مايو 2003، وأن مجمعا آخر تم تفجيره في الخبر في 26 حزيران/ يونيو 1996 وأن تسعة عشر جنديا أمريكيا قضوا في تفجير الخبر. وفي الفيلم أتى دخول الفريق الأمني الأمريكي للسعودية عنوة عمليا، ونتيجة ابتزاز مباشر لممثلي البعثة الدبلوماسية السعودية في واشنطن.

إذن لا حبكة معقدة أو شخصيات قلقة، كما تقول النيويورك تايمز في 28/9/2007، بل يهدف هذا الفيلم الخطي المباشر -وهو بالفعل فيلم تبسيطي سياسيا في تبرير أهداف تدخلات أمريكا الأمنية خارج حدودها- إلى أن يحرض الشباب الأمريكي والعربي وأن يعبئهم جميعا في "الحرب على الإرهاب". وهذا ما يبدو -أكثر ما يبدو- لا من الحبكة أو الأحداث بل من خلال قراءة أدوار الشخصيات الرئيسية فيه.

شخصيات مختارة لاستقطاب الأقليات

فهناك أولا دور ضابط الشرطة السعودي فارس الغازي (الممثل أشرف برهوم من الأراضي المحتلة عام 1948) المتعاون والمنسجم مع الفريق الأمني الأمريكي. وهدف الفيلم هنا هو أن يحرض الشباب العربي والمسلم على التعاون مع هذه الحرب، مظهرا ضابط الشرطة السعودي المكلف بمرافقة الفريق الأمريكي والترجمة له كأكثر عربي "كووول" في السعودية، ولا ينسى الضابط فارس الغازي (الممثل أشرف برهوم) الذي يلعب هذا الدور أن يضع "جل" على شعره وأن يلبس نظارة شمسية خلال الفيلم حتى مماته غدرا في النهاية، ولا يتوانى الضابط فارس الغازي إبان ذلك أن يبذل قصارى جهده لثني القوانين وتجاوز العوائق البيروقراطية المحلية لتسهيل مهمة الفريق الأمني الأمريكي. وهو يصور في نفس الوقت باعتباره رجلا متدينا خلوقا شجاعا ذكيا محبا لعائلته.. فهكذا يصور المتعاونون أمنيا مع الطرف الأمريكي-الصهيوني!.

ويلاحظ أن الشخصيتين العربيتين الرئيسيتين في الفيلم هما الممثل أشرف برهوم والممثل علي سليمان، وكلاهما من الأراضي المحتلة عام 48، وسبق أن مثلا في فيلم "الجنة الآن" المعادي بحنكة سوداء للعمليات الاستشهادية في فلسطين.

وفي توقيته أتى فيلم "المملكة" تمجيدا للحرب في العراق وأفغانستان، بينما تواجه الإدارة الأمريكية صعوبة في إقناع الشباب الأمريكي بالانضمام للقوات المسلحة الأمريكية. أما العمليات القتالية في الفيلم فهي أشبه بألعاب الفيديو، وكذلك أزياء المقاتلين بالـ تي شيرت القطني الذي يضعون فوقه واقيا للرصاص أو لا يضعون. فمحاكاة ألعاب الفيديو تهدف للوصول إلى قطاع أصغر سنا من المشاهدين من الخريجين حديثا من الثانوية العامة، المهيئين للتطوع في القوات المسلحة الأمريكية.

وكذلك اختيار أبطال الفريق الأمني الأمريكي في الفيلم من فئة السود، أي الأمريكيين الأفارقة، ومن النساء، حيث بات هذان العنصران مكونين رئيسيين في قوات الولايات المتحدة في الخارج، فاستخدام الأقليات في الجيش الأمريكي كوقود لحروب أمريكا الخارجية -والمرأة تعتبر أقلية في أمريكا لا بحكم العدد طبعا بل بحكم وضعها الاجتماعي الدوني مقارنة بالرجل- هو مهم جدا لاستقطاب هاتين الفئتين للقوات المسلحة الأمريكية.

وباعتبار الأقليات عامة أقل غطرسة وغرورا من الرجل الأمريكي الأبيض في التعامل مع شعوب العالم الثالث، فإن جعل الشخصيتين الرئيسيتين في الفريق الأمني الأمريكي الذاهب إلى السعودية الممثل الأسود جيمي فوكس الحائز على جائزة أفضل ممثل، والممثلة جنيفر غارنر المشهورة بدورها في مسلسل "ألياس" Alias حيث تلعب دور عميلة سي آي إيه CIA متخفية في هذا البلد أو ذاك خارج أمريكا مهم جدا من منظور أمريكي للتواصل مع العرب والمسلمين باعتبار أن العقل الاستشراقي الغربي هنا يفترض أن الأقليات في الغرب ستكون أقرب لشعوب العالم الثالث من الرجال البيض. ولو فهموا عقد النقص المتفشية في بلادنا لعلموا غير ذلك!.

وعودة إلى استقطاب الشباب الأمريكي للقوات المسلحة الأمريكية، فإن قائد الفريق الأمني الممثل الأسود جيمي فوكس يذكر في الفيلم اسم بلدته الحقيقية التي ولد فيها، وهي تيريل في ولاية تكساس، كبلدة صغيرة غير معروفة، وكونه أتى منها فعلا يجعل دوره أقرب للتصديق. ومن المعروف أن نسبة كبيرة من المنتسبين للقوات المسلحة الأمريكية يتم استقطابهم من البلدات الصغيرة والفقيرة في الولايات المتحدة.

والحقيقة أن الفريق الأمني الأمريكي كان كله من الأقليات، اسميا على الأقل. فدور العضو الثاني في الفريق، بعد قائده الأسمر جيمي فوكس، وهو دور المرأة المقاتلة جنيفر غارنر، مهم باعتبار أن المرأة لم تعد تلعب دورا ثانويا في المجتمع، ولم تعد تجلس بالبيت في انتظار النصيب، ومن هنا أهمية إعطائها دورا قتاليا رئيسيا لا تكون فيه حبيبة أو زوجة أو تتمة للرجل المقاتل كممرضة مثلا، بل يتهكم الفيلم ضمنا على تقاليد المجتمع السعودي التي تهمش امرأة مقاتلة متفوقة مثل جنيفر بالرغم من تفوقها على الرجال فيما يفترض تقليديا أنه مجالهم العسكري، وقد حرص المخرج كثيرا هنا أن لا يجعل شخصية جنيفر غارنر تبدي حتى نظرة إعجاب برجل خلال الفيلم، فهي ضابط محترف فحسب، وقد عوض المخرج عن ذلك -كي لا يفهم أنها خالية من أي مشاعر إنسانية- بجعلها تتأثر كثيرا كلما قتل أو جرح زميل لها في المخابرات أو كلما رأت ضحية بريئة (ولكن ليس من الإرهابيين طبعا!) وهو ما تم استخدامه منذ بداية الفيلم في تعزيز دافع الثأر من الإرهابيين كعنصر أساسي في التحريض على التدخل الخارجي الأمريكي العسكري والأمني.

إعادة الاعتبار للبطولات الأمريكية

أما العضو الثالث في الفريق فهو الممثل جيمس بايتمان من نيويورك، وهو يلعب دور يهودي يواجه مشكلة عند دخوله السعودية مع الفريق الأمني لأن جواز سفره عليه ثلاث تأشيرات دخول إلى "إسرائيل"، وعند سؤاله عن الأمر يقول للضابط السعودي مستنكرا بأن له أقارب في "إسرائيل" يذهب لزيارتهم "فهل لديك مشكلة مع هذا؟!". ويدخل السعودية لممارسة التحقيق الأمني فيها بدون إشكالات طبعا، وهو الذي يختطفه "الإرهابيون" ويحاولون جز رقبته أمام الكاميرا إلى أن تنقذه جنيفر غارنر المرأة المقاتلة بـ"التي شيرت" الزيتوني والتي تقتل كل الإرهابيين مع زملائها تماما كما يحدث في ألعاب الفيديو.

أما العضو الرابع في الفريق فهو الممثل كريس كوبر الذي يلعب دور خبير متفجرات، وهو رجل في السادسة والخمسين من عمره عند تصوير الفيلم، ومن المعروف أن القوات المسلحة الأمريكية رفعت سن الانتساب إلى الجندية إلى أوائل الأربعينيات بسبب نقص الجنود لديها بعد العراق وأفغانستان، كما أن فئة المسنين في الولايات المتحدة Senior Citizens تعامل كأقلية.

المهم، يدخل الفريق ويقتل "الإسلاميين المتطرفين"، المتخفين في كل مكان (كما تفترض "الحرب على الإرهاب" الخالية من أهداف محددة جغرافيا)، بمساعدة "الإسلاميين المعتدلين"، ويخرج سالما سوى بضع خدوش حسب تقاليد الكاوبوي الأمريكي الذي يعيد له الفيلم بعضا من كرامته المفقودة في العراق وأفغانستان! ولا يعيق الفريق في مغامراتهم الرائعة هنا سوى مندوب وزارة الخارجية الأمريكية في السعودية، وهو رجل أمريكي أبيض يصور كشخص مزعج ضيق الأفق يحرص على البرتوكول الدبلوماسي أكثر من الصورة الكبيرة في محاربة "الإرهاب"، في إشارة للصراع التقليدي والحقيقي في الجهاز التنفيذي الأمريكي ما بين الأجهزة الأمنية والعسكرية من جهة ووزارة الخارجية من جهة أخرى حول رسم السياسية الخارجية الأمريكية.

الفيلم ذو الميزانية الضخمة تم تصويره في الإمارات العربية المتحدة، وهو من إخراج بيتر بيرغ اليهودي من نيويورك والممثل والمخرج والمنتج والكاتب الأمريكي ذو الشهرة المتوسطة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات