|
مجلس الشورى دون عضوية نسوية برغم ارتفاع عدد المرشحات والناخبات |
أُسدل الستار على انتخابات مجلس الشورى في سلطنة عمان للفترة التشريعية السادسة (2007 /2011) حيث أظهرت النتائج فوزا كبيرا لمرشحي القبائل بالعضوية للسنوات الأربع المقبلة. ولم تتمكن أي من الـ21 امرأة اللاتي تقدمن للانتخابات من الفوز بأي من المقاعد الـ 84 للمجلس، رغم الحضور الذي سجلته المرأة العمانية كناخبة بمعظم الولايات.
وكان الإقبال على التصويت في سفارات السلطنة في الخارج جيدا. وجرت الانتخابات في ولايات ومحافظات السلطنة في المدارس التي تشكل مقارا للانتخابات وقد تابعت اللجنة الرئيسية للانتخابات عمليات الفرز عن طريق دوائر تلفزيونية تم ربطها مباشرة بجميع مراكز الانتخاب بولايات السلطنة.
وحظيت الانتخابات باهتمام إعلامي كبير وذلك على نطاق محلي ودولي وذلك من خلال تسهيل وزارة الإعلام واللجنة الإعلامية للانتخابات مهمة الصحفيين والإعلاميين وتوفير كل ما يحتاجون إليه من وسائل اتصالات ونقل ومعلومات عن مسيرة الشورى العمانية والعملية الانتخابية.
وأعدت اللجنة الإعلامية ملفا إعلاميا متكاملا يحتوي على معلومات عن الانتخابات والمترشحين والمراكز الانتخابية وغيرها من المعلومات التي تهم الإعلاميين إضافة إلى أنه تم إصدار كتاب يحوي تاريخ الانتخابات في السلطنة.
الجديد في الانتخابات
الأول مرة منذ بدء انتخابات مجلس الشورى عام 1991 تسمح وزارة الداخلية في سلطنة عُمان بالدعاية الانتخابية للمرشحين عبر الصحف واللوحات الإعلانية مع تحديد عدد اللافتات (10 لافتات بكل محافظة) إضافة إلى منع قيام التجمعات الانتخابية بأماكن العبادة.
ولا يستخدم غالبية المرشحين هذه الدعاية الصحفية نظرا لضعف الإمكانيات المالية. وقد اعتمد الكثير من المرشحين للانتخابات العمانية على الندوات واللقاءات التي تجرى في مجلس القبيلة أو الولاية. كما سمح للمرشحين بنشر إعلاناتهم في الصحف المحلية؛ لاجتذاب أكبر عدد من الناخبين، وشهدت بعض الولايات العمانية الصغيرة التي ينتمي غالبية أعضائها إلى قبيلة واحدة تنافسا حادا بين مرشحين أشقاء وأبناء عمومة. واستخدم المرشحون كل إمكانياتهم المادية، من إقامة مقرّات دعائية، كالخيام أو استخدام المرشح منزله أو مزرعته بغية اللقاء المباشر مع الناخبين وعرض برنامجه الانتخابي عليهم.
وطبقا للائحة التنظيمية لانتخابات مجلس الشورى العماني، فمن حق ولايات السلطنة التي يبلغ عدد سكانها 30 ألف نسمة فأكثر انتخاب 2 من المرشحين عنها لعضوية المجلس، أما الولايات التي يقل عدد سكانها عن 30 ألف نسمة فتنتخب كل منها مرشحا واحدا من مرشحيها.
تطور متدرج محسوب
والمتابع للشأن السياسي في سلطنة عُمان يدرك أنها دولة من طراز قبلي فريد، شأنها شأن دول أخرى بالمنطقة العربية، والتي كانت البنية القبيلة بها هي الأساس الذي تدور حوله كافة سياسات الدولة، وقد أدركت القيادة السياسية العُمانية مبكرا هذه الطبيعة، فخلال 37 عاما شهد المجتمع العُماني جرعات متدرجة من الإصلاحات في مختلف الجوانب، وكان على النظام الوليد في السبعينيات مواجهة نوعين من التحديات، هما: السعي إلى تأسيس دعائم الاستقرار الداخلي المبني على قاعدة الاندماج والانصهار الوطني "التكامل والوحدة"، وبناء نظام سياسي حديث بصورة متدرجة وسلمية، بحيث يتمكن من استيعاب التغيرات الحديثة والمعاصرة في البنية الاقتصادية والاجتماعية القبلية التي تقوم على علاقات القرابة.
وقد قامت هذه الإصلاحات المتدرجة على عدد من الأسس، أبرزها: توسيع عملية المشاركة السياسية لتحقيق قيم التحديث عبر مراحل متتالية، مع الحفاظ على الخصوصية التاريخية والاجتماعية للواقع العماني، والأخذ بأسلوب التطور التدريجي السلمي البعيد عن النظريات والأطروحات الخارجية التي لا تتفق مع الثقافة السياسية العمانية.
وتمثلت أهم الخطوات العملية في إدخال التعديلات المستمرة على مجلس الشورى، فعبر مراحله الخمس الماضية التي امتدت على مدى 15 عاما من العام 1992 وحتى العام 2007، شهد المجلس بعض التعديلات التي تشكل في مجموعها نقلة نوعية في تجربة الشورى العُمانية وتكاملها من حيث توسيع المشاركة السياسية، واستيعاب النخب السياسية الجديدة التي تثري التجربة السياسية، ومن هذه الخطوات:
أولا: تعميم حق الانتخاب لكل مواطن عُماني الجنسية بالأصل على أن يكون قد أكمل 21 عاما ميلادية وفق مستند رسمي، وإلغاء حصر هذا الحق في فئات محددة كانت موجودة في اللائحة التنظيمية لترشيحات عام 1997، وهي فئات الشيوخ والراشدين والأعيان والوجهاء والمثقفين والتجار الذين لهم دور بارز في ولاياتهم.
وهذا التطور المتمثل في إلغاء الفئوية الاجتماعية ينسجم مع المادة (17) من الدستور العُماني والتي تنص على: "المواطنون جميعهم سواسية أمام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو المذهب أو الموطن أو المركز الاجتماعي".
كما تم إلغاء التدخل الحكومي في اختيار أعضاء المجلس؛ حيث كان متاحا للحكومة اختيار عضوين من 4 أعضاء بالنسبة للولايات التي يزيد عدد سكانها عن 30 ألف نسمة، واختيار عضو واحد من عضوين للولايات التي تقل عن 30 ألف نسمة، لكن بعد الإلغاء أصبحت أصوات الناخبين هي التي تؤهل المرشحين للوصول إلى عضوية المجلس دون تدخل من الحكومة.
ثانيا: طورت وزارة الداخلية اللائحة الانتخابية لمجلس الشورى واتخذت مجموعة من الإصلاحات والإجراءات والتعديلات على عملية الترشيح والترشح للفترة السادسة 2007، خاصة مع زيادة عدد المشاركين في عملية التصويت (الهيئة الانتخابية)، إذ ارتفع عدد الناخبين من 51 ألف ناخب في انتخابات أكتوبر 1997 إلى 175 ألفًا في انتخابات 14 من سبتمبر 2000، ثم إلى 228 ألفًا في انتخابات أكتوبر 2003. ثم إلى 383 ألفا و683 ناخبا وناخبة، بزيادة نحو 50 في المائة عن الدورة السابقة.
ومن أهم الإجراءات:
1- اعتماد البطاقة الشخصية -الرقم المدني- للتصويت كبديل لبطاقة "ناخب" والتي كانت تصدر لكل دورة انتخابية، واعتماد جواز السفر المقروء آليا في حالة عدم توفر بطاقة سارية المفعول كمعالجة قانونية لحالات كبار السن، وخاصة النساء اللاتي لا يحملن بطاقة شخصية ولا يتحفزن لاستخراجها، وهاتان الوثيقتان اكتفى بهما المشرع لتوثيق البيانات الشخصية في السجل الانتخابي عن أي وثائق أخرى.
2- اعتماد التسجيل السابق في السجلات الانتخابية، فأي مواطن أو مواطنة سُجِّلَ في الدورات الماضية لا يتوجب عليه إعادة القيد من جديد ما دام اسمه وبياناته موجودة، وعليه فقط التأكد من هذا التسجيل عبر مكتب الوالي أو دائرة الانتخابات بالوزارة أو موقعها على الشبكة العالمية للمعلومات من خلال إدخال الرقم المدني وتاريخ الميلاد، وهذا يعفي المواطنين ولجان الانتخابات من إجراءات استخراج بطاقة ناخب التي يعتبرها البعض عبئا عليه.
3- أتاحت الوزارة ضمن التسهيلات نقل قيد الناخب بين الولايتين المسموح له بالتصويت في إحداهما، وهما: مقر إقامته المولود بها، وإقامته الحالية، وفق الإثباتات القانونية من خلال تقديم طلب نقل القيد إلى لجنة الانتخابات إلى الولاية التي يرغب في التصويت فيها. ويعد هذا الإجراء تسهيلا آخر بدلا من التسجيل من جديد، كما أنه خيار في التصويت بين مقر الميلاد والإقامة الحالية.
4- فتح مراكز جديدة للتصويت خارج السلطنة في البلدان التي توجد بها جالية عُمانية، ومن بينها الطلبة، ومن هذه الدول: الولايات المتحدة، وفرنسا، والهند، إلى جانب الدول العربية (مصر والأردن) والتي فتحت بها مراكز للفترة الخامسة، ودول مجلس التعاون أيضا، وذلك لتمكين الدبلوماسيين والباحثين والدارسين العُمانيين من المشاركة في العملية الانتخابية.
ثالثا: تم فتح المجال كاملا أمام المرأة للمشاركة في العملية الانتخابية دون تقييده بنسبة معينة كما كان في الماضي، حيث كان ترشيح المرأة مقصورا فقط على ولايات محافظة مسقط الست، ثم زادت النسبة إلى 10% من كتلة المرشحين، ثم زادت في انتخابات الفترة الرابعة إلى 30%، ثم أصبح المجال أمامها مفتوحا في الفترة الخامسة، ولكنها لم تتمكن من الحصول على أي مقاعد في الفترة السادسة.
رابعا: بروز بعض الظواهر الحديثة ومنها سماح وزارة الداخلية للمرشحين بإنشاء مواقع لهم على الإنترنت لاستخدامها في الدعاية الانتخابية؛ لأن الدعاية في الحملات الانتخابية عن طريق الصحف والمطبوعات كان أمرا تحظره وزارة الداخلية، حيث كان المرشح يقوم بعرض برنامجه الانتخابي عن طريق الجولات والزيارات التي يقوم بها، وتعرف باسم "السبلة".
خامسا: تم رفع مستوى الإشراف القضائي، حيث ضمت اللجنة الرئيسية بصفتها القائمة على إجراءات العملية الانتخابية كلا من وكيل وزارة الداخلية واثنين من نواب رئيس المحكمة العليا، ويترأس والي كل ولاية لجنة رئيسية للانتخابات، بعضوية أحد القضاة ونائب الوالي وعضوية آخرين من بين رؤساء الدوائر الحكومية بالولاية.
نواقص نوعية
وعلى الرغم من هذه التطورات التي شهدها مجلس الشورى خلال مسيرته، فإنه لا يوجد في عُمان دستور للبلاد مقرّر من جمعية تأسيسية، ويرى البعض أن عملية التحديث السياسي التي جرت في البلاد من حيث انتخابات مجلس الشورى لا يمس الصلاحيات التي يتمتع بها المجلس، حيث لا يملك المجلس سلطة الرقابة الشعبية القادرة على التأثير أو التغيير في القرارات السياسية والخيارات الإستراتيجية المتعلقة بشئون الأمن والدفاع والسياسة الخارجية.
ولا تزال هناك بعض الجوانب التي تتطلب ضرورة مراجعتها ومنها زيادة الدور التشريعي للمجلس، والبحث في أسباب عزوف بعض المثقفين عن المشاركة، وضرورة وضع ضوابط صارمة تقلّل من دور المؤثر القبلي والعشائري عند اختيار المرشح، حيث تعد أبرز العوائق الخاصة بالعملية الانتخابية هي هيمنة القبلية والعائلية والمحسوبية. وضرورة دراسة إيجابيات وسلبيات نظام الحصص البرلمانية "الكوتا" للاستفادة منه في المستقبل.
ويمكن القول إنه طالما بقيت صلاحيات المجلس كما هي فلن يكون هناك جديد، سوى في الإجراءات الشكلية التي تضمن المسيرة المتدرجة الهادئة.
كاتب وباحث سياسي
|