English

 

الأحد. أكتوبر. 28, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أوروبا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

روسيا ومحور الممانعين العرب.. حدود العلاقة

إبراهيم غالي

Image
تثبيت العلم الروسي دوليا
  على نقيض الإدارة الأمريكية التي اتخذت منطلقا أيديولوجيا تجاه قضايا الشرق الأوسط إثر هجمات 11 سبتمبر 2001، فإن روسيا الاتحادية التي تسعى لاستعادة دور لها بمنطقة الشرق الأوسط منذ عام 2005 بعد غياب نسبي استمر 14 عاما، تنطلق سياساتها اليوم وفق اعتبارات مصلحية غير أيديولوجية خلافا لما كان سائدا خلال الحقبة السوفيتية.

فالمحركات البرجماتية للسياسة الروسية تكمن الآن في المصالح الاقتصادية والتجارية والأمنية، وتدفع موسكو إلى تطوير علاقاتها مع شركاء سابقين لها في المنطقة مثل سوريا ومصر، وفتح آفاق جديدة للعلاقات مع إسرائيل وتركيا، وأخيرا محاولة طرق الأبواب الخليجية، هذا إضافة إلى علاقاتها الخاصة مع إيران منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي.

تغيرات في موسكو وفي الشرق الأوسط

ويمكن القول إن التحرك الروسي الجديد في المنطقة هو نتاج امتزاج مجموعة من الاعتبارات تشكل الإطار العام الذي يحكم سياسة روسيا الراهنة تجاه أزمات المنطقة وتجاه توطيد علاقاتها مع الفاعلين المختلفين.

أول هذه الاعتبارات أن سياسة روسيا الخارجية عالميًّا وفي الشرق الأوسط أيضاً أصبحت تنطلق على قاعدة خدمة أهداف الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والأمني الداخلي لتعزيز مكانتها على الصعيد الدولي، وتندرج هنا عدة أمور تحظى بأولوية روسية قصوى هي مدّ العلاقات الاقتصادية والتجارية والعسكرية مع الشركاء القدامى والجدد فيما يطلق عليه "إستراتيجية البيزنس متعدد الاتجاهات"، وألا تمثل القضية الشيشانية سببا جوهريا في سوء علاقات روسيا مع البلدان العربية والإسلامية.

وثاني هذه الاعتبارات أن روسيا والشرق الأوسط أصبحا في مجال جيوبوليتكي مشترك بعد تأسيس الدول المستقلة في وسط آسيا والقوقاز، ما أحدث قدرا كبيرا من التداخل الأمني والإستراتيجي بين المنطقتين؛ وبالتالي فإن محرك السياسة الروسية يقوم على الحيلولة دون تحدي روسيا في مناطق نفوذها الأولى، سواء من دول جارة كإيران وتركيا أو بعيدة كالولايات المتحدة.

أما ثالث هذه الاعتبارات، فهو أن سياسة روسيا الخارجية، وإن تجنبت الصدام المباشر مع الأمريكيين والأوروبيين الذين لم يفوا بوعودهم التجارية والاقتصادية مع موسكو، فإنها تكون غالبا بمثابة رد فعل على السياسات الغربية، وبالقدر الذي يضع حسابات روسيا محل اعتبار في السياسات العالمية خاصة مع تعدّد الخلافات بين روسيا والغرب في العديد من القضايا الثنائية والدولية.

من جانب آخر، لا تبدو مسألة عودة الدور الروسي في الشرق الأوسط قضية ذات بعد أحادي يرتبط بموسكو دون سائر الأطراف في المنطقة، فكافة دول المنطقة تريد دورا ما لروسيا، لكنها تريده دورا محددا لأنه في معظم القضايا نجد أن ما ترغبه دولة ما أو مجموعة ما من الدول يتناقض مع مصالح دولة أو دول أخرى، كما أن روسيا عادت للشرق الأوسط وقد تغير تماما، في جانب المصالح وفي جانب التحالفات، بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وما أفرزه من تغير طبيعة موازين القوى في المنطقة.

ولهذين السببين، إلى جوار الاعتبارات الثلاثة السابقة، يلاحظ أن قادة روسيا وجدوا أنفسهم في موقع المضطر لأن يسلكوا سياسات واقعية لا تنحاز لطرف على حساب آخر بصورة مبالغة، بل ويتخذوا مواقف تجاه قضايا الشرق الأوسط تكون بمثابة رد فعل على السياسات الأمريكية والأوروبية تجاه روسيا، ما ارتبط منها بسعي أمريكا لنشر الدرع الصاروخية أو محاولة نفاذها إلى منطقتي آسيا الوسطى وبحر قزوين أو ضعف حزمة المبادلات الاقتصادية بين الغرب وروسيا.. وكلها أمور أنتجت سياسة روسية أطلق عليها البروفيسور الروسي "فيتالي نعومكن" -رئيس المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية والسياسية بموسكو- إستراتيجية "تعدّد المنتصرين" في منطقة الشرق الأوسط.

لكن هذه الإستراتيجية تجعل سياسة روسيا في المنطقة تسير على خيط رخو ولا تمكّنها من إتمام تحالف ما مع أي من الأطراف، صحيح أن ذلك بحد ذاته قد يكون توجهًا روسيًّا حاضرًا اليوم، لكنه لن يكون كذلك على المدى المتوسط أو البعيد؛ لكون القوى الكبرى في السياسات العالمية تضطر إلى إقامة تحالفات مع القوى الإقليمية خدمة لأهدافها ومصالحها، كما حدث خلال فترة الحرب الباردة، ولكون المنطقة اليوم بانتظار تغيرات ضخمة قد تفرز قريبا مسارات جديدة لشكلها ولطبيعة توازن القوى وأنماط التحالفات السائدة، وربما لذلك فإن أيًّا من الأطراف في المنطقة لن يتمكن من الاستفادة الكاملة في الأمد القصير من عودة هذا الدور الروسي بما في ذلك إيران ذاتها.

أكبر من التعاون وأقل من التحالف

ومن هنا تفرض التناقضات القائمة في الشرق الأوسط نفسها على السياسات الروسية ولا تمَكن موسكو من اتخاذ خطوات واقعية لتنفيذ رؤيتها -وليس أجندتها- لأزمات المنطقة بل وتضطر موسكو في بعض الأحيان أن تسلك مواقف متعارضة في الملف الواحد.

وهذا ما يفسر على سبيل المثال استبعاد بلوغ علاقات موسكو وطهران درجة التحالف، على نقيض علاقة الولايات المتحدة وإسرائيل التي يمكن وصفها بالتحالف غير المكتوب، وهذا ما يفسر أيضا أن ثمة حدودًا معينة لارتباطات موسكو بدمشق، خاصة فيما يتعلق بنوعية الأسلحة الروسية التي تقدم إلى سوريا.

وإذا كانت الإدارة الأمريكية اليوم تحاول أن تخلق ما أطلق عليه في الدوائر الغربية وبعض الدوائر العربية محور "المعتدلين العرب"، وتسعى لأن تضع أطرافا عربية مثل مصر والأردن ودول الخليج مع إسرائيل في سلة واحدة، فإن موسكو لا تملك أن تدعم المحور الآخر الذي يُطلق عليه "المحور الرباعي الراديكالي أو المتطرف"، متمثلا في إيران وسوريا وحركة حماس وتنظيم حزب الله في لبنان، على حساب علاقاتها ومصالحها لدى سائر أطراف المحور الآخر.

سوريًّا، تقوم روسيا منذ عام 2000 بإعادة تحديث معدات الجيش السوري (80% منها روسية الصنع) وتزود سوريا بالعديد من وسائل الدفاع الجوي والصواريخ المضادة للدبابات، لكن هذا التعاون لم يمتد بعد إلى حيازة سوريا على صواريخ هجومية مثل "إسكندر إيه" على الرغم من دخول إيران على خط العلاقات التسليحية بين الطرفين عندما وقعت طهران ودمشق معاهدة دفاعية في يونيو 2006 تقوم بمقتضاها طهران بتمويل العديد من صفقات الأسلحة الروسية إلى سوريا.

وتقترب سياسة موسكو في هذا الملف من نظيراتها الغربية، فهي لا تزال تعد إسرائيل بالحفاظ على التوازن العسكري القائم والتفوق الإسرائيلي خاصة مع سوريا. ويعزى ذلك إلى سوء علاقات دمشق بالغرب من جانب، وإلى تحسن العلاقات الروسية الإسرائيلية في عهد فلاديمير بويتن من جانب آخر، حيث يبلغ حجم التجارة المباشرة بين البلدين الآن أكثر من 1.5 بليون دولار، ونحو بليون دولار في صفقات الطاقة، كما توجد مشروعات مشتركة في الصناعات الثقيلة والطيران وغيرها، علاوة على هجرة مليون روسي يهودي إلى إسرائيل منذ عام 1989، يشكلون 20% من سكان إسرائيل.

لكن الرسالة الروسية لإسرائيل واضحة وهي الكف عن التنافس التسليحي مع روسيا في مناطق نفوذها الأساسية في سوق السلاح العالمي وتحديدا لدى كل من الصين والهند وبعض الدول الآسيوية الأخرى، والرسالة الأخرى موجهة للغرب، وهي أن روسيا فاعل أساسي في إحداث توازن عسكري بالمنطقة، كما أنها شريك جوهري في مفاوضات السلام لعضويتها في اللجنة الرباعية الدولية وأنها لن تنحاز لطرف على حساب آخر.

إيرانيًّا، تبدو أمور العلاقات بين طهران وموسكو غاية في التعقيد، وتكاد تقدم أفضل نموذج يمكن الاعتداد به لسياسة روسيا في الشرق الأوسط، فموسكو أمدّت طهران بالعديد من صفقات الأسلحة الدفاعية والهجومية الضخمة، ولأن إيران هي أقصر الطرق لوصول روسيا للمياه الدافئة، فقد أقامت روسيا شبكة من العلاقات الاقتصادية والتجارية معها.

بيد أن ذلك وغيره لم يُزل الكثير من عناصر التشكيك المتبادل والتاريخي بين الطرفين، بحيث يجوز القول إن سياسة روسيا تجاه إيران تعتمد آليات متشابكة، فالموقف الروسي ثابت تجاه عدم حيازة إيران السلاح النووي لأن إيران قوية بما يفوق التصور الروسي وتعرّض منطقة نفوذ روسيا في آسيا الوسطى والقوقاز على المدى الطويل لمشكلات عدة.

وفي ذات الوقت يبدو الملف النووي الإيراني ورقة تساومية ولعبة كبرى للمقايضة بين روسيا والغرب بل ومع الدول الخليجية أيضا، وبالتالي فالاقتراب الروسي لهذا الملف يأخذ في الاعتبار منع قيام حرب كبرى في المنطقة، والعمل على توجيه المفاوضات شيئا فشيئا صوب حل الأزمة عبر تخصيب اليورانيوم الإيراني على الأراضي الروسية بدلا من امتلاك إيران مقدرات نووية تبلّغها المعرفة الكاملة بدورة الوقود النووي، هذه الآلية للحلّ توثق علاقات موسكو بالغرب وتعطي ثقة غربية لموسكو مستقبلا في أي تعاون في المجال النووي السلمي، كما يجعل من روسيا شريكا اقتصاديا وتجاريا قويا لدول المنطقة، ويشرك روسيا مستقبلا في أي ترتيبات تتعلق بأمن الخليج العربي بعد الانسحاب الأمريكي من العراق، أو على الأقل يعطيها ثقلا مناسبا أمام النفوذ الأمريكي في المنطقة، ولا سيما أن الدول الخليجية الآن باتت على قناعة بضرورة التعاون مع روسيا "النفطية" اقتصاديا وتجاريا وتسليحيا والسعي لتدويل قضايا الأمن في منطقة الخليج.

ومن هنا يغدو التناقض في بعض الأحوال هو السمة المميزة لسياسة روسيا تجاه أزمة الملف النووي الإيراني، فهي قد صوتت على القرارين الدوليين 1737 و1747 بفرض عقوبات اقتصادية على طهران، ولا تزال على الرغم من زيارة الرئيس بوتين الأخيرة إلى طهران تماطل في تشغيل مفاعل بوشهر النووي، على أن التناقض الروسي الأكبر يتضح على سبيل المثال في توقيع الحكومتين الروسية والإيرانية في يناير 2005 صفقة للأسلحة بقيمة بليون دولار، حصلت إيران من خلالها في ديسمبر 2006 على 29 صاروخا دفاعيا من طراز "تور إم 1" لحماية منشأة بوشهر النووية، بينما أطلقت الحكومة الروسية في إبريل 2006 قمرا صناعيا إسرائيليا قادرا على التجسس على البرنامج النووي الإيراني، وكأن روسيا تقول إنه في حالة توجيه ضربة عسكرية للمنشآت الإيرانية لابد من استثناء منشأة بوشهر التي لا ترتبط ببرنامج إيراني سري لتصنيع أسلحة نووية.

أما فيما يخص علاقات موسكو بالتنظيمات التي تعتبرها أمريكا "إرهابية" وخاصة حركة حماس وتنظيم حزب الله، فقد فضلت موسكو اتخاذ موقف يناسب أمنها الداخلي، لا سيما ما يرتبط بقضية الشيشان، ويعاكس التصور الأمريكي للمنظمتين خاصة بعد أن جاء في وثيقة "إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي عام 2006" بأنه "لا ينبغي الاكتفاء بتشجيع روسيا على احترام القيم الديمقراطية والحرية بداخل روسيا فقط، ولكن يجب أيضا التوقف عن إعاقة قضية الحرية والديمقراطية في المناطق الحيوية والضرورية للحرب على الإرهاب"، ما اعتبر تدخلا سافرا في سياسة روسيا داخليا وخارجيا.

وتقوم وجهة نظر موسكو في هذا الأمر على أن معاداة الحركتين سيؤدي إلى تنامي العلاقة بينهما وبين "الراديكاليين" الشيشانيين، بل وربما يؤدي إلى تدخل تنظيم القاعدة وحركات جهادية أخرى على خط التفاعلات الروسية الشيشانية، كما أن موسكو ترى أن للحركتين دورا حيويا في الداخل ولا يمكن تجاهلهما لأن ذلك يضر بالاستقرار في المنطقة.

الحاصل إذن أن روسيا تجد نفسها أمام موازنات دقيقة في المنطقة، بسبب مصالحها الذاتية وبسبب التناقضات القائمة في طبيعة المشهد الشرق أوسطي الكلي؛ ولذلك فهي توازن كذلك علاقاتها مع العرب وإسرائيل، وتسعى لتنمية علاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج ومصر والأردن، وفتح أسواق للصناعات العسكرية الروسية لدى هذه الأطراف، وإنضاج الشروط العربية والإسلامية لقبول سياسة روسيا في الشيشان؛ والتي تقوم اليوم على عدم استقلالها مع التخفيف من حدة القبضة الحديدية في التعاطي مع الأزمة الشيشانية، أضف إلى ذلك سعي موسكو لتوطيد علاقاتها بالعالم الإسلامي خاصة بعد أن حظيت بعضوية مراقب في منظمة المؤتمر الإسلامي في عام 2005.

هكذا تعود روسيا للشرق الأوسط في ظل حسابات معقدة وتوازنات دقيقة وحساسة سيكون الإخلال بإحداها خسارة لروسيا، كما سيكون خسارة لدول الشرق الأوسط التي تحتاج دورًا ما يوازن التدخل الأمريكي غير المأمونة عواقبه!!.


كاتب وباحث سياسي.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات