|
| أحد الاحتفالات الأرمينية |
ما هي حقيقة قضية الأرمن التي تعتبرها المصادر الأرمينية، وتدعمها المصادر الغربية، أّنها قضية "إبادة" بالمفهوم القانوني الدولي للكلمة، وتطالب تركيا بالاعتراف الرسمي بها، وتقول إنها وقعت في أواخر العهد العثماني، بينما تقول المصادر التركية: إنّ مقتل مئات الألوف من الأرمن في تلك الفترة، اقترن بمقتل عشرات الألوف من الأتراك أنفسهم، نتيجة الفوضى العارمة التي شملت البلاد؟..
وكيف كانت علاقة الأرمن بالمسلمين عموما طوال فترة وجود دولة الخلافة، وحتى العصر الحديث؟..
وما الذي يدفع عددًا من الدول الغربية، آخرها الولايات المتحدة الأمريكية أن تعمد إلى "نبش" التاريخ التركي قبل ما يناهز مائة عام، لتركّز على "مذابح الأرمن" مع المخاطرة بأن تسوء العلاقات التركية الغربية، برغم وجود تركيا في حلف شمال الأطلسي منذ أكثر من خمسين عاما؟..
الأرمن والمسلمون.. تاريخ وئام
تقول المصادر التاريخية الأرمينية: إن الدولة الأرمينية التاريخية في العصور القديمة كانت في المرتبة الثالثة بعد فارس والروم، قبل أن تقتسمها الدولتان، ثم تخضع لاحقا للحكم الإسلامي، إلى أن احتل الروس المنطقة، وظهرت أرمينيا بحدودها الراهنة.
وعلاوة على الرجوع بالأصل الأرميني إلى الأصل الآري الأوروبي من قبل 5000 عام، يلفت النظر في القراءة التاريخية الأرمينية الذاتية، الحديث عن أرمينيا الصغرى وأرمينيا الكبرى، والقول إن الأرض التاريخية الأرمينية تمتد من سلسلة جبال القوقاز شمالا إلى سلسلة جبال طوروس الأرمينية جنوبا على الحدود العراقية، ومن منابع نهر لفرات غربا في قلب تركيا الحديثة، وحتى بحر قزوين والعراق، فتشمل بذلك أراضي تابعة لتركيا وإيران والعراق وجيورجيا، على مساحة 358 ألف كيلو متر مربع، أي ما يعادل 12 ضعف أرض أرمينيا بحدودها الرسمية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتفككه.
وظهرت المملكة الأرمينية الأولى في القرن السادس قبل ميلاد المسيح عليه السلام، وبلغت مساحة سيطرتها الإمبراطورية ضعف مساحة "أرمينيا التاريخية"، فامتد سلطانها إلى أفغانستان في الجنوب الشرقي وبلاد الشام في الجنوب الغربي. ونشأت المملكة الأرمينية الثانية في القرن الأول قبل الميلاد، وبقيت قائمة حتى القرن الخامس الميلادي. وتقول المصادر الأرمينية أيضا إنّ هذه المملكة (الآرشاكونية) اعتنقت المسيحية رسميا عام 301م، فسبقت بذلك الدولة الرومانية، ثم دخلت في عداء معها لتمسكها بالمذهب المسيحي الأرميني، وتعاونها لاحقا مع المسلمين، إضافة إلى العداء مع الدولة الفارسية.
أما العلاقة مع المسلمين فقد تأسست وفق مصادر أرمينية وعربية على عهدٍ نبوي مكتوب يقول (أنا محمد بن عبد الله رسول الله تعالى أعطيت هذا العهد إلى شعب أبراهام البطريرك وإلى المطارنة والرهبان الأرمن الذين يقيمون في القدس ووهبت لهم كنائسهم ودورهم وأوقافهم وأراضيهم). وتوجد صورة لهذا العهد في كنيسة القديس يعقوب في القدس، وتحمل الخاتم النبوي الشريف، وهذا ما أقرّ الخليفة الفاروق عليه أهل القدس من الأرمن عند فتحها.
أما الحملات الإسلامية التي وصلت إلى أرض "أرمينيا التاريخية" في عهد الفاروق رضي الله عنه، فقد انتهت إلى معاهدة بين الجانبين في عهد عثمان رضي الله عنه (عام 31 هـ و652م) ومنذ ذلك الحين قامت علاقات تعاون وثيق بين الجانبين على امتداد القرون التالية، وبلغت ذروتها في العهود الأموية والعباسية بما في ذلك خوض حروب مشتركة ضدّ الخزر (في منطقة بحر قزوين). وبرغم الآثار السلبية للصراع الطويل بين العثمانيين والصفويين وتقسيم المنطقة بينهما مرارًا، بقيت أوضاع الأرمن مستقرة نسبيا في العهد العثماني أيضا حتى حقبة السلطان عبد الحميد الثاني.
وتنسب المصادر الأرمينية الحديثة ما تسميه (إبادة الأرمن) إلى حقبة عبد الحميد الثاني نفسه وحقبة حزب الاتحاد والترقي من بعده، ولكن ظهور ما عُرف بقضية الأرمن كان وليد اللعبة الدولية التي بدأت مع ضعف الدولة العثمانية، فالهزيمة تجاه الدولة الروسية القيصرية أوصلت عام 1878م (1295هـ) إلى ذكر أرمينيا في معاهدات دولية، مثل معاهدتي سان ستيفانو ومعاهدة برلين، التي وافقت الدولة العثمانية فيها تحت تأثير الهزيمة العسكرية على عدد من البنود على حساب الأراضي التابعة لها، في أوروبا وآسيا، بينما رفض السلطان عبد الحميد الثاني تطبيق تلك البنود لاحقا، وهنا تقول المصادر الغربية والأرمينية إنّه قتل زهاء 300 ألف من الأرمن بين عامي 1894 و1896م (1311و1314هـ). على أنّ ما يوصف بالمذبحة الكبرى أو حرب الإبادة، كانت في حقبة حزب الاتحاد والترقي التي بدأت عام 1908م (1326هـ)، ليرسخ القومية الطورانية على حساب الخلافة الإسلامية؛ فكان هذا الانقلاب هو المقدّمة لإسقاطها لاحقا عام 1921م (1339هـ).
وتقول المصادر الأرمينية: إنّ عدد مَنْ أبيد في تلك الحقبة بلغ مليونا ونصف المليون، أي ثلث عدد الأرمن آنذاك، بينما تقول المصادر التركية بمقتل ما بين 300 و500 ألف أرميني في الحروب التي دارت في أنحاء البلاد، وكان ضحاياها من مختلف الشعوب، ولم تكن في صيغة (إبادة) وفق تعريف القانون الدولي للكلمة، وهو ما يعني -عند الاعتراف بذلك- سلسلة من التبعات السياسية، بما في ذلك التعويضات المالية.
ويقول آرا سركيس آشجيان، الأستاذ الجامعي والباحث الأرميني من العراق، والذي اعتمدت المعلومات التاريخية السابقة اعتمادًا رئيسيًّا على دراسة له: (وتتفق مصادر عديدة على أن يهود تركيا ومحافلها الماسونية كانت عاملاً مساعداً كبيراً على ارتكاب حزب الاتحاد والترقي -غالبية أعضائه من يهود الدونمة والماسون المتنفذون في محفل سالونيكا الماسوني- والسلطات التركية لهذه المجازر).
التصعيد ضدّ تركيا
يلفت النظر هنا أنّ أوّل ما حرّك الكونجرس الأمريكي للسير في اتجاه استخدام "قضية الأرمن" ضدّ تركيا، كانت "لجنة مكافحة التمييز اليهودية" في واشنطون يوم 24/8/2007م بإصدارها بيانا يدعو إلى الاعتراف بمذبحة الأرمن، في خطوة عدائية لتركيا أوصلت تدريجيا إلى المرحلة الثانية التي اتخذت شكل قرار غير ملزم من جانب لجنة الشئون الخارجية في الكونجرس الأمريكي يوم 11/10/2007م، مما يعتبر مقدمة لقرار يصدر عن الكونجرس نفسه.
ومن المعروف أن فرنسا سبقت إلى هذه الخطوة في عهد الرئيس السابق جاك شيراك؛ إذ صدر يوم 12/10/2006م قرار بمنزلة القانون عن "الجمعية الوطنية" يعتبر جريمة الإبادة أمرا ثابتا والتشكيك فيها -ولو في دراسات علمية جامعية- "جريمة" يعاقب عليها القانون، على غرار ما صدر من قوانين غربية بشأن "الإبادة النازية لليهود".
وصحيح أنّ الإدارة الأمريكية للجمهوريين عارضت القرار الصادر بغالبية أصوات الديمقراطيين، ولكن من العسير استبعاد عملية "توزيع أدوار سياسية" على هذا الصعيد، على غرار ما كان في فرنسا آنذاك، فقد كان الديجوليون بزعامة شيراك يملكون الغالبية في الجمعية الوطنية، ولكنّهم تغيّبوا عن الجلسة المعنية باتخاذ القرار فأفسحوا المجال أمام أقلية الاشتراكيين لتثبيته، ورافق اتخاذَ القرار قولُ ساركوزي، وزير الداخلية آنذاك والرئيس الفرنسي لاحقا: "إنّ على تركيا تنفيذ ثلاثة شروط لتحاشي التصويت على مشروع القانون، الشرط الأول هو أن يصار إلى إنشاء لجنة ثنائية بين أرمينيا وتركيا تتمتع بالتمثيل المتساوي للبدء بعملية الاعتراف بالتاريخ. والشرط الثاني أن تفتح تركيا حدودها المغلقة مع أرمينيا. والشرط الثالث أن تلغي تركيا قانون العقوبات الذي يمنع التحدّث عن الإبادة".
وأضاف ساركوزي يقول: "إن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ليس مضمونا حتى وإن قبلت الاعتراف بإبادة الأرمن، فهذا ليس شرطا مسبقا لدخول أوروبا؛ لأنّ اعتراف أي دولة بماضيها، كما فعلت ألمانيا، هو أقلّ ما يمكن أن تفعله لتدخل إلى أوروبا". ومن التبجّح بمكان أن يصدر ذلك الموقف عمّن يرفض بشدّة الاعتراف بالماضي الفرنسي الدموي في شمال إفريقية وسواها، ولا سيّما في الجزائر.
وقبل فرنسا اتخذت ألمانيا موقفا بدرجة أقلّ عداء لتركيا، ففي 16/6/2005م أصدر المجلس النيابي الألماني دعوة موجّهة إلى تركيا للتحقيق في "الإبادة الأرمينية".
ولم تكن مواقف الدول الغربية العدائية لتركيا على هذه الشاكلة على الدوام، ولكنّها تبدّلت في وقت مبكر نسبيا، فمنذ عام 1971م أصبحت القضية مطروحة في إطار "لجنة فرعية" منبثقة عن اللجنة العامة لحقوق الإنسان، تحت عنوان "منع التمييز وحماية الأقليات"، وفي إحدى جلساتها يوم 6/3/1974م كانت معارضة فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا والنمسا بالإضافة إلى رومانيا ونيجيريا وباكستان وإيران وتونس والعراق، من وراء إسقاط بند من تقريرها المؤقت، أدرج "إبادة الأرمن" ضمن الشواهد التاريخية على عمليات الإبادة، ولكن بعد خمس سنوات انقلبت الدول الغربية على هذا الموقف إلى نقيضه، فطالبت فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية والنمسا بإعادة البند المحذوف نفسه، إلى التقرير النهائي الذي صدر عن اللجنة في جلستها الختامية عام 1979م، معتبرا إبادة الأرمن أول عملية إبادة جماعية في القرن الميلادي العشرين.
فتنة مستقبلية
بغضّ النظر عن حقيقة ما شهده الأرمن قبيل الحرب العالمية الأولى، مع انهيار الخلافة العثمانية داخليا، وما يمكن الوصول إليه عبر دراسات منهجية حيادية على هذا الصعيد، يصعب الانطلاق من أنّ تطوّر الموقف الغربي من قضية الأرمن صادر عن اعتبارات إنسانية وقانونية دولية محضة.
فعلاوة على أنّ أوّل من أثار الفتنة بين الأرمن والأتراك العثمانيين كانت سلسلة المؤتمرات الغربية التي أثارت فتنا مشابهة في البلقان والمنطقة العربية وغيرهما، لم يسبق أن تحرّكت الدول الغربية بدوافع إنسانية وقانونية دولية في قضايا الإبادة للشعوب، التي بدأت بالهنود الحمر وشملت القارة الإفريقية، ووصلت إلى تسيبرينتسا ورواندا وسواهما في التاريخ المعاصر.
وليس صحيحا أنّ الدافع السياسي "الوحيد" صادر عن وجود أعداد كبيرة من الأرمن في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، لا سيما في فرنسا، فقد كانت تلك الأعداد موجودة من قبل، أثناء الإبقاء على قضية الأرمن "نائمة" لإثارتها على شكل فتنة كبرى في الوقت المناسب. ويشير إلى ذلك إبقاء جذورها على قيد الحياة من خلال اللجنة الدولية لحقوق الإنسان في فترة لم تكن أرمينيا نفسها دولة مستقلة في العهد السوفييتي، ولم يكن يوجد من يطالب بإثارة هذه القضية في حينه. كما توجد أعداد كبيرة من فئات شعبية من ذوي الأصل الإفريقي تخصيصا في الدول الغربية، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، ولم تدفع إلى اتخاذ مواقف مشابهة في صيغة قرارات وقوانين لصالح ضحايا الإبادة في العهود الاستعمارية وحتى العصر الحديث، بمشاركة دول غربية في الدرجة الأولى.
القضية الإنسانية في الأصل توضع في قالب سياسي لأغراض سياسية، وتكاد تشابه في فترة "تنويمها" وفي فترة "إيقاظها" قضية الأكراد، الذين وزعتهم صناعة الحدود الحديثة في المؤتمرات الغربية على عدة بلدان، لتعمل على إثارة قضيتهم -بغض النظر عن تقويم عناصر الجوانب الإنسانية وجانب العدالة فيها- في الوقت المناسب للغرب، لتنفيذ مخططات جديدة، بدءا بتحويل محور ثقل الصراع الدائر في درجة تكاد تبلغ مستوى إبادة شعب فلسطين، إلى منطقة العراق والخليج، انتهاء بتركيا نفسها، التي بدأت بذور الصحوة الإسلامية فيها مع أواخر السبعينيات من القرن الميلادي العشرين، واشتدّ عودها بصورة موازية لتحريك قضيتي الأكراد والأرمن، وبلغت في الوقت الحاضر مرحلة حاسمة، تنذر "الغربيين" بمستقبل تركي آخر على غير ما يتوافق مع مخططاتهم، وهنا يمكن أن يتحول تشغيل قضية الأرمن على مستوى جديد، إلى درجة إشعال المنطقة بفتن وصراعات جديدة، تمتدّ حيثما تمتدّ "الأراضي التاريخية الأرمينية" وفق ما ذكر آنفا، أي يمكن أن تشمل تدريجيا الدول المجاورة، وتمنع التلاقي على أرضية حضارية مشتركة لمختلف الشعوب والطوائف والنحل.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|