|
يبدو أن ما لم تنجح فيه أمريكا وإسرائيل في شأن التدخل في لبنان وضرب القوى المعارضة للهيمنة الصهيونية والأمريكية، سوف تنجح فيه الأطراف اللبنانية بنفسها ومع بعضها البعض دون تدخل خارجي مباشر للحدّ الذي يهدد بانقسام سياسي ينتج عنه رئيسان للجمهورية ورئيسان لمجلس الوزراء، بعدما نجح الصهاينة والأمريكان في ضرب وحدة اللبنانيين، بحيث قد تصبح انتخابات الرئاسة اللبنانية هي شرارة هذا الانقسام والتفتت وربما الحرب الأهلية الثانية في لبنان.
مفصل الاستحقاق الرئاسي
فقد ظل الفريقان المتصارعان من قوى الأكثرية النيابية المحسوبين على الغرب (لهم 68 نائبا برلمانيا) والأقلية التي تضم ثلاث كتل معارضة هي: حركة أمل وحزب الله والتيار الوطني الحر (59 نائبا) يتعايشان في ظل انقسام فعلي في البلاد بين رئيس الجمهورية إميل لحود (القريب من الأقلية)، ورئيس الحكومة (السنيورة) المحسوب على تيار الأكثرية، ورغم الخلاف بينهما فيما يخص مطالبة الأكثرية بمحاكمة قتلة الحريري والتلويح لمسئولية سوريا والتيار المعارض -وضمنه حزب الله- الموالي لها، ومطالب الأقلية باستقالة السنيورة وتشكيل حكومة جديدة، ظلت السفينة تبحر وسط العواصف.
بيد أن وصول السفينة لموعد الاستحقاق الرئاسي (25 سبتمبر الماضي) مع قرب نهاية فترة تولي الرئيس لحود في 15 نوفمبر المقبل، أعاد جهود التوفيق بين الجناحين المتصارعين أملا في الوصول لحل وسط قبل أن تنزلق سفينة الحكم لمنحدر الخلافات الطائفية الوعر. حيث تصورت الأغلبية أن بإمكانها فرض رأيها على الأقلية عبر التحكم في انتخاب رئيس جديد -عبر البرلمان- يكون مواليا للأكثرية لتحصد بذلك السيطرة على مقعدي الرئاسة ورئاسة الحكومة، في حين اشترطت المعارضة التوصل لاتفاق وسط خصوصا معالجة ما يخص ملفات مثل حزب الله والمقاومة في الجنوب، والعلاقات مع سوريا، وغيرها.
وزاد الأمر خطورة أن الرئيس لحود (القريب من الأقلية المعارضة) أعلن بدوره أنه سوف يعين حكومة جديدة مؤقتة -بديلة لحكومة السنيورة التي تمثل تيار الأكثرية- في حالة عدم توصل البرلمان لانتخاب رئيس جديد بالتوافق قبل موعد انتهاء مدته الدستورية في 15 نوفمبر المقبل؛ وهو ما يعني أن يكون هناك رئيس من الأقلية المعارضة ومعه رئيس وزراء من الأقلية، مقابل تهديد الأكثرية بانتخاب رئيس جديد يمثلها بدون اتفاق مع المعارضة لتستحوذ بذلك على منصبي الرئاسة ورئاسة الحكومة!!.
خطورة التصويت دون توافق
ولأنه لم يحدث وفاق بين الطرفين على أجندة توافقية، فقد كان من الطبيعي أن تعلن الأقلية انسحابها من جلسة التصويت على انتخاب رئيس جديد للبلاد التي جرت في 25 سبتمبر الماضي؛ وهو ما أفقد المجلس أغلبيته المطلوبة لجلسة التصويت وهي ثلثا أعضاء البرلمان البالغ عدد نوابه 128 نائبا، أي حوالي 85 نائبا لا تملك الأكثرية منهم سوى 67 نائبا بعد اغتيال أحد نوابها الأسبوع الماضي.
والخطورة الآن أن الأكثرية النيابية التي يقودها (الحريري الابن) تقول إنها سوف تنتخب في جلسة التصويت الثانية (23 أكتوبر الجاري) رئيسا جديدا للبلاد بأغلبية النصف فقط + 1 (أي 65 مقعدا) وهو عدد متوفر للأغلبية، وتستند في هذا لما جاء في المادة 49: "ينتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الأولى، ويُكتفى بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي"، في حين تشترط المعارضة أن يتم انتخابه بثلثي الأعضاء والتوافق حوله بين الأكثرية والأقلية، أو تقاطع الجلسة ولا تعترف به.
والأكثر خطورة أنه لو استمر هذا الخلاف وانتخبت الأكثرية رئيسا بأغلبية النصف +1، فلن تعترف به المعارضة التي ترفع شعار (لا توافق= لا نصاب)، وبالمقابل قد يرفض الرئيس لحود -القريب من الأقلية- الاعتراف بالرئيس الجديد أو ترك قصر الرئاسة له، وربما تنفيذ تهديده السابق بتعيين رئيس وزراء جديد غير السنيورة لحكومة طوارئ طالما لم يتم التوافق على رئيس جديد؛ وهو ما يعني أن يصبح هناك رئيسان للجمهورية اللبنانية ورئيسان للحكومة يكرسان الانفصال السياسي الذي لا محالة سيتحول لصراع مسلح وحرب أهلية جديدة!.
رئيس ضد المقاومة وسوريا
ويبدو أن نقطة الخلاف الرئيسية بين الكتلتين النيابيتين هي أن الأكثرية تعادي المقاومة وسوريا في حين تستقوي الأقلية بالمقاومة وبالعلاقات مع سوريا، ولهذا تساور الأقلية النيابية مخاوف من أن تساند الأغلبية رئيسا جديدا للجمهورية يعادي سوريا والمقاومة وتطلب التوافق عليه؛ لأنه خلال فترة الإعداد لانتخاب الرئيس الجديد طُرحت عدة أسماء لتولي المنصب، أغلبها ينتمي للأكثرية المناهضة لسوريا، وجميعهم من الطائفة المسيحية المارونية، وفق ما ينص عليه الدستور.
فوفقا لوثيقة الوفاق الوطني اللبناني -اتفاق الطائف– توزع المقاعد النيابية بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين، ثم نسبيا بين طوائف كل من الفئتين، ثم نسبيا بين المناطق، ويزاد عدد أعضاء مجلس النواب إلى (128) مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، كما يرأس الدولة رئيس مسيحي ماروني ويرأس الوزارة مسلم سني، ومجلس النواب مسلم شيعي.
وقد كشف كل طرف عن نواياه حين أعلنت الأكثرية أنها قررت بلا تردّد انتخاب رئيس جديد للبنان من داخل فريق 14 مارس، وبدا واضحا للجميع أن مرشح الأكثرية هو نسيب لحود رئيس حركة التجديد الديمقراطي بعد أن نال دعما غير مسبوق من قادة الأكثرية خلال المؤتمر الذي نظّمه للإعلان عن برنامجه الانتخابي، بل إن أغلب من أعلنوا ترشيحهم من الموارنة كانوا من المعادين لسوريا والمقاومة باستثناء مرشح وحيد للتيار الوطني (الماروني) الذي يشارك المعارضة في الموقف، وهو الجنرال ميشال عون، والذي لم يدعمه حزب الله ولا حركة أمل رسميا لكونه لا يحظى بالقبول من فريق الأكثرية أو الموارنة.
ويبدو أن دور حزب الله والمقاومة اللبنانية عموما، وبالمقابل قرب الأكثرية من الإدارة
الأمريكية، له دور الأسد في هذا الخلاف الذي ربما يؤدي إلى الانقسام والتصعيد بين الطوائف والأحزاب اللبنانية.
ويزيد هذا الخطر إصرار كل طرف على موقفه، خصوصا حزب الله بعدما قال حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله من قبل على الهواء "ستسقط حكومة السنيورة" وله عبارة شهيرة في خطابة "كما وعدتكم بالنصر أعدكم بحكومة الوحدة الوطنية"، وهو التزام يصعب التخلي عنه، مقابل إصرار الأكثرية على إنفاذ خطط انتخاب رئيس بأغلبية مطلقة لها.
فالمقاومة أصبحت عمليا هي القضية المحورية التي يدور حولها الخلاف الفعلي بين الأكثرية والأقلية، بل إن الأقلية تعتمد في قوتها لعرقلة أي انتخابات رئاسية -كما فعلت عندما انسحبت يوم 25 سبتمبر الماضي من المجلس لإفشال اكتمال النصاب القانوني- على ضرورة التوافق حول هذه المسألة أولا، بحيث يتم بعدها التوافق على رئيس لبناني تؤيده الأكثرية والأقلية معا.
الانشقاقات عبر الطوائف
والحرب التي قادها حزب الله في لبنان في الصيف الماضي ضد قوات الاحتلال والتي أدت لتدمير الجنوب، كانت هي نقطة الخلاف الرئيسية بين الأكثرية والأقلية، بحيث حصلت الأكثرية على دعم أمريكي وأوروبي غير محدود لتحجيم المقاومة وتفكيك ترسانتها المسلحة لصالح تل أبيب ولضرب إحدى أدوات الضغط السورية في لبنان. ومنذ ذلك الحين وهناك تصور للأكثرية يدعمه الغرب بأن إنهاء المقاومة في لبنان وتسليم سلاحها للجيش هو الخيار لضمان عدم مهاجمة إسرائيل للبنان مرة أخرى، في حين يرى فريق آخر يؤيد المقاومة أن سلاح المقاومة هو الضمان الوحيد لاستقرار لبنان.
ويزيد من مخاطر الصدام واحتمالات ظهور سيناريو أسود أن تحالف قوى 14 آذار (الأكثرية) لديه إصرار على انتخاب رئيس من معسكر الأغلبية يناهض سوريا والمقاومة، بحيث يكون هو أول رئيس -منذ انسحاب القوات السورية من لبنان في العام 2005 بعد اغتيال رفيق الحريري- غير محسوب على السوريين، ومن ثمّ يرون هذه فرصة لا يجب تفويتها!.
وإن انتهى الأمر لعدم اتفاق بين الطرفين فسوف يتحول لبنان لساحة حرب سياسية تتلوها تدخلات خارجية وربما حرب أهلية جديدة لن تكون هذه المرة بين مسلمين ومسيحيين، وإنما بين أبناء كل طائفة وبعضهم البعض، لأن الأكثرية النيابية فيها مسلمون ومسيحيون والأقلية كذلك، بل وحتى أبناء الطائفة المارونية الذين ينص الدستور اللبناني على أن يتولوا منصب رئيس الدولة في لبنان، منقسمون بين أغلبية وأقلية.
وما بين هذا التدخل من جانب سوريا وإيران لصالح تيار الأقلية، والتدخل الأمريكي والأوروبي وحتى الإسرائيلي بإضعاف سوريا عسكريا ودعم الأكثرية قد يدخل لبنان في 23 أكتوبر بداية النفق المظلم ما لم يحدث توافق صعب بين كتلتي الحكم.
أما إذا استمر الخلاف حتى 15 نوفمبر فسوف نشهد لبنان برأسين: رئيسين وحكومتين!!!.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|