English

 

الخميس. أكتوبر. 18, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الأمريكان وراء ابتزاز الجنوب السوداني للشمال

محمد جمال عرفة

Image
لا الخلاف حول تبعية منطقة "آبيي" الفاصلة بين الشمال والجنوب، ولا الخلاف حول انسحاب قوات الجيش السوداني من مناطق جنوبية ونفطية، ولا الخلاف حول حق الجنوبيين (وحدهم دون مشاركة الشماليين) في تعيين وزرائهم في الحكومة الاتحادية أم لا، هو مصدر الأزمة الأخيرة بين الخرطوم وحكومة الجنوب، والتي أدت بالمتمردين الجنوبيين السابقين (الحركة الشعبية لتحرير السودان) لإعلان "تجميد" مشاركة وسحب 19 وزيرا ومستشارا ووزير دولة جنوبيا في الحكومة الاتحادية يوم 11 أكتوبر الجاري 2007!!.

فكل هذه الخلافات -وغيرها الكثير- هي أمور مثارة منذ توقيع اتفاقية سلام الجنوب في نيفاشا يناير 2005، وهناك لجان ولقاءات مستمرة تجري لحلها، كما أنه ليس صحيحًا أن الشماليين وحدهم هم المقصرون في تنفيذ اتفاقية السلام، وإنما الصحيح أن الجنوبيين أيضا أشد تقصيرا، بل وأكثر نزوعا -عبر العديد من المواقف المرصودة- باتجاه إضعاف خيار الوحدة مع الشمال عبر التحريض الإعلامي الدائم ضد الخرطوم والشماليين بصورة تشجّع الجنوبيين على الانفصال في نهاية الفترة الانتقالية عام 2011، بل إن هناك من يقولون إن الانفصال أصبح أمرا واقعا وما يجري هو محاولات منعه!.

والأخطر، أنهم -الجنوبيين- يلقون تشجيعا غير عادي من الولايات المتحدة الأمريكية -ضمن خطتها الأوسع لنشر الفوضى الخلاقة عبر تقسيم العراق والسودان ولبنان والصومال- على الانفصال، حتى يمكن القول إن مبعوث السلام(!) الأمريكي المسئول عن ملف السودان في الخارجية الأمريكية روجر ونتر، لعب دورا بارزا في تشجيع التيار المتشدد داخل "الحركة الشعبية" على التصعيد ضد حكومة الخرطوم والضغط عليها بأزمة تجميد عمل وزراء الجنوب.

وولكي يكون تحليل الأزمة متعمقا وصحيحا، سوف نناقش هنا مطالب الجنوبيين وقراراتهم، هم وحكومة الخرطوم منذ إعلان اتفاق سلام الجنوب لكي ندرك النوايا الحقيقية لكل طرف، ومن يقع عليه وزر التصعيد الأخير في الأزمة على النحو التالي:  

أزمة منصور خالد!

وفقا للإعلان الأخير للمتمردين الجنوبيين السابقين يوم 11 أكتوبر الجاري بشأن تجميد عمل وزراء الجنوب في الحكومة الاتحادية، حملت "الحركة الشعبية" -عقب اجتماع مكتبها السياسي الذي عقد على مدى خمسة أيام في جوبا- شريكها الشمالي مسئولية الأزمة، وركزت على ما قالت إنه «تعدّى» على السلطات الدستورية للنائب الأول للرئيس سلفاكير ميارديت.

وكانت تقصد بذلك أمرين: (الأول) قرارات اتخذتها حكومة الخرطوم من دون مشاورة الجنوبيين، كما حصل أخيراً في قرار طرد دبلوماسيين أجانب ومبعوث الأمم المتحدة، و(الثاني) رفض الرئيس عمر البشير طلب سلفاكير تغيير بعض وزرائه الجنوبيين في الحكومة الاتحادية، خصوصا طلبه تولي الدكتور منصور خالد القيادي في الحركة الشعبية والقريب من الإدارة الأمريكية منصب وزارة الخارجية بديلا للدكتور لام أكول الأكثر اتساقا في مواقفه مع حكومة الخرطوم.

وبصرف النظر عن أن اختيار وزراء الحكومة الاتحادية يجب أن يتم باتفاق الطرفين الشمالي والجنوبي وبصورة توافقية في ظل الفترة الانتقالية، فمن الواضح أن الخرطوم رفضت اقتراح سلفاكير ميارديت رئيس حكومة الجنوب والنائب الأول للبشير الخاص بتعيين منصور خالد وزيرا للخارجية لأسباب واضحة تتعلق بتوجهات "خالد" الموالية لأمريكا والمناهضة لحكومة الإنقاذ، والمؤيدة لانفصال الجنوب عن الشمال، خصوصًا في ظل التصعيد الأمريكي الحالي ضد السودان؛ ولأن خالد ربما يكون أكثر ميلا للأجندة الأمريكية وهو وزير لخارجية السودان.

فالخرطوم تتحسب منذ فترة لنوايا أمريكية غير ودية تصب في خانة تقسيم السودان بين شمال وجنوب وشرق وغرب، وترصد سلسلة العقوبات الأمريكية على الشمال، وبالمقابل إغداق السلاح والمال على الجنوب (كما حدث في آخر زيارة قام بها وفد جنوبي عسكري لواشنطن الشهر الماضي)، كما ترصد أدوارا خبيثة يقوم بها مبعوثون أمريكيون في المنطقة بما فيهم من يسمى "مبعوث السلام" روجر ونتر التي شارك قادة التمرد الجنوبيين اجتماع جوبا الذي انتهى لقرار التصعيد مع الشمال، والذي تتهمه مصادر سودانية جنوبية بأنه شجع التيار المتشدد داخل حركة التمرد على الضغط في اجتماعات الحركة الأخيرة باتجاه القرارات التصعيدية.

انسحاب الجيش من الجنوب

المشكلة الثانية التي تثيرها الحركة الجنوبية هي مسألة انسحاب الجيش السوداني من المناطق الجنوبية التي جرى تحديدها وفقا لمعاهدة عام 1956، وخصوصا من مناطق إنتاج البترول، وتحديدا منطقة "آبيي" المتنازع على صفتها هل هي جنوبية أم شمالية، حيث تتهم حكومة الجنوب الجيش برفض تنفيذ ما اتُفق عليه في معاهدة السلام بشأن إكمال انسحاب الجيش السوداني الشمالي من مناطق الجنوب بحلول 9 يوليه 2007 الماضي.
والحقيقة هنا تتطلب أن نشير لثلاث نقاط هامة على النحو التالي:

1- ليست الخرطوم وحدها هي المقصرة فيما يخص سحب قوات الشمال من أرض الجنوب، وإنما حكومة الجنوب أيضا أشد تقصيرًا، ولم تنفذ التزاماتها فيما يخص سحب قواتها من أرض الشمال، حيث سجلت مضابط "لجنة المراقبة الدولية" التابعة للأمم المتحدة في آخر اجتماع لها في أغسطس الماضي أن القوات المسلحة السودانية، قد أكملت الانسحاب من 87.5% من أراضي الجنوب.

وقد اعترف سلفاكير لمجلة "المصور" الحكومية المصرية خلال زيارته لمصر 2006 أن نسبة انسحاب الجيش السوداني في 9 يناير 2007 بلغت 83%، وقال إنها ستزيد في 9 يوليه 2007، وعلى العكس لم تنفذ الحركة الشعبية سوى ما نسبته 6.9% حسب آخر إحصاء، وبالتالي فحكومة الخرطوم أكثر التزاما من حكومة الجنوب، حيث لا يزال يوجد -وفق بيان للجيش السوداني أصدره في 25 أغسطس الماضي- للحركة الشعبية بمنطقة جنوب النيل الأزرق 35330 جنديا، و22601 جنديا جنوبيا في جبال النوبة، و1237 جنديا جنوبيا حول منطقة آبيي، بينما لا يوجد للقوات المسلحة (الشمال) إلا 3655 جنديا بمناطق البترول حسب إحصاء بعثة الأمم المتحدة، وذلك لتواجد قوات حركة التمرد السابقة (الجيش الشعبي) بكثافة في مناطق البترول بعدد حوالي 30 ألف جندي برغم نص اتفاقية السلام على أن تكون المنطقة منزوعة السلاح، ومع هذا فقد أكدت الخرطوم التزامها بتنفيذه الانسحاب بمجرد تشكيل القوات المشتركة بين الجيش السوداني والحركة الشعبية.

2- من المفترض أن يتزامن سحب قوات الخرطوم من الجنوب مع حلول وحدات مشتركة في هذه المناطق، ولكن الجنوبيين هم من أخّر عمل لجان تشكيل هذه القوات المشتركة بتأخير إرسال مندوبيهم، ما عطّل تنفيذ أجندة الانسحاب بنسبة 100% قبل حلول يوليه الماضي.

3- ليس سرًّا أن هناك مخاوف شمالية من انفصال مبكر للجنوب عن التاريخ الذي نصت عليه اتفاقية السلام في 2011، وأن هناك حديثا في الخرطوم عن "سيناريو" تعده "الحركة الشعبية" يقوم علي التريث ريثما يكتمل تسلّم بعض مفاصل السلطة المتبقية -مثل اكتمال انسحاب الجيش من كامل أرض الجنوب- بحيث تعلن الحركة بعد ذلك انفصال الجنوب من داخل برلمانها، متجاوزة مرحلة تقرير المصير والاستفتاء في 2011، كما ينص اتفاق السلام، وتكون الحركة بمثل هذا السيناريو تُكرّر ما فعله السودان عام 1955 حين انتهك اتفاق الحكم الذاتي، وتجاوز متطلبات تقرير المصير ليعلن فوراً الاستقلال من داخل البرلمان ويضع دولتي "الحكم الثنائي" (مصر وبريطانيا) أمام الأمر الواقع. وهناك حديث متصاعد حاليا في الخرطوم عن تحريض أمريكي واضح في هذا الاتجاه ووعود ودعم عسكري وتشجيع لفصيل متشدد داخل الحركة الجنوبية للجوء لهذا السيناريو تحت دعاوى ظلم الشمال للجنوب ورغبة الجنوبيين في الانفصال.

آبيي.. فتيل الأزمة

لو قلنا إن المشكلات السابقة يمكن التغلب عليها أو حلها، فالعقدة الكبرى وفتيل الأزمة المشتعل هي في منطقة آبيي التي تقع على مسافة 650 كم جنوب غرب الخرطوم في ولاية غرب كردفان والقريبة من دارفور، والتي تسكنهاقبائل تقول حركة التمرد إنّ أغلبهم جنوبيون فيما تقول الخرطوم إنهم شماليون، ووصلت لجان تحديد تبعيتها بين الطرفين لطريق مسدود بشأنها.

والحقيقة أنه لولا البترول الموجود في المنطقة لما كانت لها أهمية، فهذه المنطقة استخرج منها عام 2005 ربع الإنتاج النفطي السوداني!.

ومع أنه تمّ توقيع بروتوكول خاص بهذه الولاية بين الطرفين بهدف التوصل لتسوية لوضعها النهائي جنوبية أم شمالية أم يجري اقتسامها، كما أن الرئيس البشير وعد بإعادة كل دولار يمكن أن يكون الشمال أخذه من حق الجنوب في النفط هناك، في حالة توصل اللجنة القانونية المختصة بتحديد وضع آبيي لقرار بإلحاقها للجنوب، فلم ينتظر الجنوبيون نتيجة عمل اللجان المشتركة وتواصل الصراخ والتصعيد فيما يخص هذه المنطقة بصورة تشوه حكومة الخرطوم وتصورها على أنها تسرق أموال الجنوب برغم أن حكومة الجنوب وصلها من الشمال 3 مليارات دولار عوائد بيع النفط ولا يزال الجنوب يعاني الفقر والتخبط نتيجة الفساد الإداري هناك.

فتش عن الدور الأمريكي

والحقيقة أن التفتيش عن سر هذه المشكلات التي يصعّدها الجنوبيون من حين لآخر يوصل دوما للأمريكان، والدور الذي تسعى إدارة بوش للعبه في تقسيم السودان ضمن سياسة "تفتيت الأطراف" التي اتبعتها منذ توليها الحكم تجاه السودان عبر سلسلة اتفاقات سلام، والخطوات التي اتخذها الجنوبيون منذ توقيع اتفاق السلام ظلت تصب في هذا الخط الأمريكي.

فقد قامت حكومة الجنوب بفتح 18 مكتبا للحركة الشعبية في عدد من الدول الإفريقية والأوروبية والعربية، على رأسها "قنصلية" في الولايات المتحدة الأمريكية؛ ضمن خطوات أخرى للتمهيد لفصل جنوب السودان عن الشمال، كما أن مكتب الحركة الشعبية في أمريكا، منحته الإدارة الأمريكية وضعاً دبلوماسيا مميزاً كذلك الممنوح لتايوان وتيمور الشرقية، حيث ستموّله الإدارة الأمريكية.

كما أنشأت حكومة الجنوب بنكا مركزيا جديدا وصكت عملة خاصة بها، ووكالة أنباء لجنوب السودان (وكالة جنوب السودان للأنباء) بالإضافة لتأهيل إذاعة وتليفزيون الجنوب، وتتفاوض مع شركات اتصالات لنشر خدمة التليفون بكود دولي مختلف عن كود السودان الموحد، فضلا عن ترخيص المركبات العامة والخاصة في الجنوب بلوحات تحمل رمز NS؛ وهي اختصار لـ "السودان الجديد" أو New Sudan؛ وتخالف الترخيص المعمول به في شرطة المرور لكافة أنحاء السودان؛ حيث تحمل كل ولاية رمزاً معيناً لها.

وما أثار قلق الخرطوم اتفاق أخير لواشنطن مع وفد عسكري رفيع من قيادة الجيش الشعبي (الجنوبي) زار أمريكا على دعم هذا الجيش بنصف مليار دولار، واستثناء جنوب السودان من الحظر الأمريكي المفروض على السودان ككل، ما يؤكد نوايا الانفصال برعاية أمريكية!.

وقد لوحظ أمر أخر عقب تجميد عمل وزراء الجنوب في الحكومة الاتحادية هو -حسبما قال وزير الدولة السوداني برئاسة الجمهورية والقيادي بالمؤتمر الوطني إدريس محمد عبد القادر- قيام "الجيش الشعبي" في جنوب السودان بمنع سلطات الجمارك السودانية (الاتحادية) من ممارسة مهماتها هناك، وقيام أفراد من الجيش الشعبي بجمع وتحصيل أموال الجمارك على الحدود مع الدول الواقعة على الحدود جنوب البلاد!.

الأزمة الأخيرة وسحب وزراء الجنوب من الحكومة ليس له مبرر؛ لأن المشكلات القديمة ليست جديدة، كما أن حركة التمرد الجنوبية السابقة تتحرك بالفعل في اتجاه الانفصال وليس الوحدة، ما يصنّف خطوة التصعيد الأخيرة من جانبها بأنها مجرد ابتزاز لحمل الخرطوم على تقديم المزيد من التنازلات وسحب ما تبقّى من قواتها في الجنوب، ربما لإعلان الانفصال رسميا واستباق خطوات الاستفتاء في عام 2011.

وربما لهذا بعث الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، مستشار البشير، برسالة للجنوبيين، في صورة تصريحات، يقول لهم فيها إنهم سيكونون واهمين لو ظنوا أنه "عبر الضغوط وتأليب القوى الخارجية علينا، إننا سنتراجع عن مواقفنا المعروفة والمعلنة تجاه اتفاق السلام وقضايا الوطن الأخرى"، وشدّد على أنه: "لن نستجيب لشروط الحركة وضغوطها بتلك الكيفية".

فالقضية بالنسبة للخرطوم ليست قضية خلافات داخلية مع حركة التمرد، وإنما قضية تصور الحركة المتمردة في الجنوب أنها يمكن أن تستقوي بأمريكا وتنفذ خطوة الانفصال بشكل أسرع قبل مرور السنوات الأربع المقبلة الباقية من مهلة الفترة الانتقالية، وأنّ فريقًا متشددًا من الحركة يسعى لتنفيذ الأجندة الأمريكية لتقسيم السودان مقابل مكاسب للجنوب.

وربما لهذا كان "نافع علي نافع" نائب رئيس حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان أكثر وضوحًا في اتهام "مجموعة في الحركة الشعبية بأنها متحالفة مع جهات تعمل على تصفية مشروع الإنقاذ الوطني"، وقال: إن ذلك يأتي تنفيذا لأجندة خارجية.


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات