English

 

الأربعاء. أكتوبر. 17, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » لبنان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

رئاسة لبنان.. بين التوافق المؤقت أو الانهيار

إبراهيم غالي

Image
بين بواعث عديدة للقلق ومنشطات قليلة للأمل، يعيش لبنان فترة المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، والتي بدأت يوم 25 سبتمبر الماضي بفتح المجلس النيابي أمام النواب دون اجتماعه فعليا، وتنتهي في 23 نوفمبر المقبل، ليجد البلد نفسه بعد هذه المدة إما أمام مخاطرة كبرى وانزلاق محدق نحو الهاوية والمجهول، أو أمام نوع من التوافق على رئيس جديد لن يكون اختياره في أحسن الأحوال سبيلا لحل الأزمات العالقة بين الأكثرية (قوى 14 آذار) والمعارضة (قوى 8 آذار والتيار الوطني الحر) أو أمام إيجاد مخرج لأزمة لبنان، الدولة والكيان.

معطيات متغيرة غيّرت لبنان

لقد أفصحت وقائع عام كامل من السجال الداخلي اللبناني عن خلاصتين، أولاهما سيرورة الاستقطاب الثنائي الذي بقي على حاله بين الفرقاء، بل زيادة حدة الشقاق بينهما مع كل تطور مفصلي يؤثر في كينونة الدولة والمجتمع، مثل الطريقة التي أُقرت بها المحكمة ذات الطابع الدولي لمعاقبة قتلة الرئيس الحريري، أو إصرار المعارضة على الاعتصام وسط العاصمة رغم فشلها في تحقيق الأهداف المرغوب فيها على مدار 9 أشهر.

وثانيتهما أن حجم ارتهان فرقاء لبنان للخارج قد تجاوز المدى والحدود، بحيث باتوا يتبارون في تحديد نسبة تبعيتهم لهذا الخارج الإقليمي أو العربي أو الدولي، وليضحى شعار "الدولنة" له اليد الطولى على شعار "اللبننة".

وكان من الطبيعي في مناخ كهذا أن يكون فرقاء لبنان مثل قطبي المغناطيس المتنافرين لا يلامسان بعضهما أبدا، وبالتالي تزايدت وتعمقت محاور الخلاف في أمور السياسة والاقتصاد والاجتماع، لا بين الطوائف أو حتى بين الرئاسيات الثلاث، بل بين رموز وزعامات الطوائف الكبرى والصغرى، والتي لم تنظر بعين الاعتبار إلى مصالح لبنان أو مصالح طوائفها بقدر ما نظرت إلى مصالح ترتبط بعودة أدوار تقليدية قديمة أو ما يتماشى مع مستجدات داخلية وإقليمية طارئة فرضت عليها.

ومن ثم بات على محازبيهم اتخاذ مواقع لهم ضمن دوائر الولاء في الرئاسيات الثلاث حفاظا على موقعهم ومصالحهم وارتباطاتهم بدوائر صنع القرار؛ الأمر الذي غذى حدة الاحتقان الداخلي على عكس فترة التسعينيات، حيث كان الجميع يضمد جراحه بعد فصول درامية من الحرب الأهلية.

وعلى الجانب الآخر، فإن لبنان الذي تماسك واحتفظ بوحدته الداخلية - أي بين أهل الحكم - طوال فترة التسعينيات وفق معطيات إقليمية وعربية ودولية كانت تراوح بين تقلبات السلام والحرب في منطقة الشرق الأوسط جعلت أهل الحكم على اختلاف مشاربهم يتوحدون حتى تحرير الجنوب ولا يرفض بعضهم بالمقابل أطروحات ما للسلام.. لم يعد لبنان هذا منذ عام 2004 بعد أن اختلت تلك المعادلة منذ تغيرت معالم السياسة الدولية في المنطقة على يد الإدارة الأمريكية، فباتت أسباب الفرقة تعلو على أسباب الوحدة تحقيقا لاستقطابات إقليمية ودولية.

ضمن هذه السياقات الصراعية المصلحية الداخلية ونمط الارتهانات الخارجية يمكن فهم لماذا يتشبث فرقاء لبنان كل بمواقفه في كافة المشكلات، بدءا بما يتعلق بتفسير بعض النصوص الدستورية، مرورا بالشكل الأمثل لإدارة شئون الدولة، وصولا إلى نمط الارتباطات الخارجية، وانتهاء باعتبار معركة الرئاسة المعركة الأخيرة أو الحاسمة.

الرئاسة امتداد لأزمة داخلية

وما يدعو إلى القول إن لبنان لن يتجاوز معظم أزماته الراهنة حتى إذا تم الاستحقاق الرئاسي في موعده؛ وهو الأمر الذي قد يحدث فقط تجنبا للسيناريوهات الكارثية وربما الدموية التي ستطبع البلد، هو تلك الاختلالات القائمة في بنيته السياسية والاجتماعية على السواء، والتي رافقته منذ وضع دستوره عام 1926 أو بعد استقلاله عام 1943 وإصدار الميثاق الوطني اللبناني الذي اعترف بالطائفية أسلوبا للحكم وإدارة الدولة، ولازمته أيضا بعد اتفاق الطائف في عام 1989 الذي وإن أنهى الحرب الأهلية، فإنه لم يتجاوز وتعديلاته الدستورية العيب الهيكلي في الميثاق الوطني، رغم أنه قد نص على إلغاء الطائفية السياسية تدريجيا دون تحديد جدول زمني لذلك.

إن تحولات ما بعد الطائف هي بإيجاز ما يشي بعدم حل إشكاليات لبنان الكبرى؛ فبدلا من إلغاء الطائفية أصبحت شخصيات بعينها من الطوائف المختلفة هي مصدر الطائفية والتشنج المذهبي، واستمر الزعماء التقليديون ممن أداروا الحرب الأهلية ممسكين بزمام الأمور، ولم ينتج لبنان قيادات سياسية أو حزبية وطنية جديدة، بل لقد خلق هؤلاء كياناتهم الخاصة وأصبحت كل طائفة وكأنها مجتمع مغلق بعينه وضاقت أفق العيش المشترك واقعيا.

علاوة على ذلك فقد حدثت تحولات بنيوية في نسيج الطوائف الأكبر عددًا. فالحريرية "السنية" الجديدة بزعامة "سعد الحريري" قد انتقلت تماما لمسار لم يعرفه السنة من قبل، وأصبح الميل العام غربيا أكثر منه عربيا، وبات الالتزام بالقرارات الدولية مطلب كتلة المستقبل الأول بجوار الاستئثار بالسلطة وقيام رأسمالية جديدة في لبنان.

أما الطائفة الشيعية، فقد انتقلت في السنوات الأخيرة إلى لعب دور سياسي كبير يوازن حجمها العددي وتعدد المراكز التي يتولاها هؤلاء في قلب الدولة وإدارتها، وأيضا بما يناسب حجم مقاومة حزب الله لإسرائيل وتحريره للجنوب اللبناني وأخيرًا هزيمته لإسرائيل في حرب الصيف الماضي 2006، حيث بات هذا الدور مطلوبًا في مرحلة تحولات ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ثم أصبح حتميا بعد التداعيات الداخلية والإقليمية والدولية للقرار الدولي 1701 الذي أنهى الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان.

وبخصوص المسيحيين، وتحديدًا الطائفة المارونية، لا يخفى أن هذه الطائفة تعاني منذ نهاية الحرب الأهلية من التراجع النسبي في التأثير سياسيا على مجريات الأمور، ومن تعدد الزعامات داخل الطائفة، وهو أيضا ما لا يجعل تمثيلها بارزًا على سطح الحياة السياسية.

وبناء على ذلك، وبالرغم من خفوت أثر البعد الطائفي في الأزمات الراهنة، فإن رئاسة 2007 لا تذهب بعيدا عن منوال هذا الحصاد المر من الاختلالات البنيوية؛ فالمواقف على اختلافاتها الظاهرة بين الأكثرية والمعارضة، والباطنة داخل كل فريق من الاستحقاق الرئاسي الجديد، تعكس تشبثا واضحا بإنضاج الشروط الملائمة لتوزيع جديد للأدوار بين الطوائف المتباينة لا تزال في مراحلها الأولى فقط.

الرئاسة انعكاس للتدخلات الخارجية

وعلى مستوى الارتباط بين معركة الرئاسة وأدوار الخارج، فإن معركة اليوم، كما كانت منذ الاستقلال، تؤكد أن تاريخ لبنان الحديث هو انعكاس لتاريخ التوازنات السياسية في المنطقة، وأن رئاسة لبنان في حد ذاتها تعد مرآة للنزاع أو الوفاق الخارجي حول لبنان ودوره.

وقد بدأت أمارات ذلك مع أول انتخابات رئاسية عرفها لبنان بعد استقلاله عن فرنسا عام 1943؛ إذ كان الاختيار بين رئيس الكتلة الدستورية "بشارة الخوري" الذي انتخب كأول رئيس في لبنان في 21 سبتمبر 1943، وبين رئيس الكتلة الوطنية "إميل إده"، اختيارًا بين سير لبنان في خط عربي دون ضمانة من أحد، وبين السير في ركاب غربي بضمانة فرنسية.

كما كان اختيار الرئيس يخضع، ولا يزال، في وقت الأزمات الإقليمية إلى اتفاق الأطراف المركزية في اللعبة الدائرة؛ ففي أعقاب ثورة 1958 وفي حمأة تأرجح لبنان بين سياسة الأحلاف الدولية وصراع الأطراف العربية، كان اتفاق مصر "عبد الناصر" والولايات المتحدة وراء رئاسة فؤاد شهاب في 31 يوليو 1958 (1958-1964( خلفًا للرئيس كميل شمعون (1952=1958) الذي أدخل لبنان في دائرة مشروع "أيزنهاور" وطرد السفير المصري من بيروت ولبت أمريكا طلبه بقدوم 5 آلاف من مشاة البحرية الأمريكية للساحل اللبناني للحيلولة دون وقوع لبنان في قبضة الناصرية. كما كان السفير المصري "عبد الحميد غالب" هو أول من أعلن خلافة شارل حلو (1964-1970) للرئيس شهاب ليكمل مسيرة عدم انحياز لبنان إلى محاور عربية أو غربية.

وعاد التدخل الأمريكي مرة ثانية في عام 1976 باختيار الرئيس إلياس سركيس الذي وافق دون "ريمون إده" على طلب واشنطن استخدام الجيش السوري لفرض الأمن في لبنان، لكن في أعقاب عدوان إسرائيل عام 1982 واحتلالها بيروت، انقلب الأمريكيون على سوريا وأقنع المندوب الأمريكي "فيليب حبيب" السعودية وزعماء مسلمين ونوابا بانتخاب "بشير الجميل" في 23 أغسطس 1982 والذي خلفه شقيقه "أمين الجميل" بعد اغتياله قبل أن يمضي في الرئاسة 20 يوما.

وأدى مجددا الوفاق الأمريكي السوري بالاتفاق على انتخاب "مخايل ضاهر" في عام 1988، وهو الأمر الذي لم يحدث لأن "أمين الجميل" ألف حكومة عسكرية انتقالية برئاسة العماد "ميشال عون" الذي رفض وقتها اتفاق الطائف، حتى تم اتفاق أمريكي سعودي سوري باختيار "رينيه معوض" رئيسا في 5 نوفمبر 1989، لكنه اغتيل في 21 من الشهر ذاته، ليرضخ الأمريكيون للخيار السوري بتنصيب الرئيس إلياس الهراوي يوم 24 نوفمبر، في وقت كان يتشبث فيه عون برئاسة الجمهورية ويرفض مغادرة قصر بعبدا حتى حدثت المقايضة السورية الأمريكية بإطلاق الأخيرة يد سوريا في لبنان مقابل تأييد طرد الجيش العراقي من الكويت، فأخرجت سوريا عون من القصر بالقوة العسكرية حتى غادر إلى فرنسا في نوفمبر 1990.

واستمر هذا التهادن الأمريكي الاضطراري مع سوريا إلى حين إعادة ترتيب أوراق المنطقة حتى كان الصدام السوري الغربي بعد إصدار القرار الدولي رقم 1559 يوم 2 سبتمبر 2004، والذي قابلته سوريا بالتمديد الاستثنائي للرئيس إميل لحود - وتعديل الدستور استثنائيا ولمرة واحدة لأنه لم يكن قد أكمل مدته الدستورية الأولى - لفترة رئاسية ثانية، وهو تاريخ بداية أزمات لبنان الراهنة ودخولها على خط الصراع الدائر في المنطقة بين أمريكا وإيران وحلفائهما منذ الغزو الأمريكي للعراق والإعلان الأمريكي الذي لم ينقطع عن شرق أوسط كبير ثم شرق أوسط جديد اعتقدت الإدارة الأمريكية إمكانية تحقيقه من قلب لبنان بعد أن فشل الأول في العراق.

بين التوافق المؤقت أو الانهيار

إن هذه التحولات الداخلية والتدخلات الخارجية تفسر التعقيد الشديد الذي يطاول عملية انتخاب رئيس توافقي جديد للبنان. ففرقاء الداخل، كل على حسب مصالحه وحسب نمط تحالفاته الراهنة، لا يريد أن يترك للفريق الآخر التحكم في مفاصل الحكم، وكل فريق يناور بمبادرة ما دون أن يتخلى عن هدفه الجوهري، وليدع الكرة في سلة الآخر في انتظار رده وتصرفه، لدرجة تكاد معها لعبة الاستمراء هذه تجرف البلد رويدا رويدا إلى طريق مجهول، في وقت يضغط فيه عاملان، أولهما عامل الزمن حيث ينتظر كل فريق ما سيفعله الآخر في ربع الساعة الأخير، وثانيهما عامل امتلاك كل منهما للتحرك ردا على الآخر.

فمن وجهة نظر المعارضة هي تملك تعطيل الاستحقاق برمته إذا استحال التوافق على رئيس جديد، وبعد ذلك تملك الإعلان عن حكومة ثانية. ومن وجهة نظر الأكثرية، وهي ترى تقلص عدد نوابها نتيجة للاغتيالات السياسية، فإنها تبدو مستهدفة، وبالتالي يحق لها أن تختار رئيسا وفق الأغلبية المطلقة (النصف +1)، وذلك قبل أن تفقد هذه الميزة الحالية نتيجة اغتيال جديد على سبيل المثال.

هذه الخيارات وسواها مما تعرفه زعامات لبنان الآن تتقاطع مع حسابات الأطراف الخارجية الضاغطة، خاصة أمريكا وسوريا الطرفين الأكثر قدرة دون سواهما (فرنسا والسعودية وإيران ومصر) على التأثير على الاستحقاق الرئاسي؛ إذ رغم كارثية الوضع اللبناني الداخلي يبقى لبنان مدخلا أمريكيا مؤثرا في طبيعة السياسات الأمريكية التي ستتخذ حيال دمشق وطهران في الفترة المقبلة، سواء ما تعلق منها بالتهدئة أو التهيؤ لحرب إقليمية، كما أن سوريا لا تريد التفريط بأبرز أوراقها لمقابلة الضغوط الأمريكية المكثفة منذ منتصف عام 2003.

في المحصلة، فإن خيار التوافق بين الأكثرية والمعارضة لن يتم في أحسن الأحوال إلا إذا تضاعف الإدراك لحقيقة الانهيار الكلي الذي سيحدث إذا دخل البلد مرحلة حرجة من الفراغ المؤسسي بخلو المقعد الرئاسي دون خلف للرئيس إميل لحود، أو أن تأخذ المسألة أبعادًا أخطر تقود لقيام رئيسين للبلاد وبالتالي قيام حكومتين؛ وهو الأمر الذي قد يقود إلى حدوث إجماع خارجي على ضرورة تمرير الاستحقاق الرئاسي، لأن قيام حكومتين عمليا يقود لنشوء واقع تقسيمي حتى على المستوى الجغرافي كما هو حاصل في غزة والضفة الغربية، كما أن العديد من الأطراف الدولية المشاركة في قوات اليونيفل ستجد نفسها مضطرة للتعامل مع الحكومة الثانية التي حتما - إن نشأت - ستكون لها مناطق نفوذ في جنوب نهر الليطاني وقسم كبير من جبل لبنان ومناطق أخرى في الشمال اللبناني.


كاتب وباحث سياسي.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات