|
| حتمية اللقاء في الماضي.. والآن |
يحق لكل الغيورين على استقامة مسار النضال الفلسطيني وحضور القضية الوطنية الفلسطينية وحيويتها، استشعار الأسى الممزوج بالغضب مما آل إليه حال القوى الفلسطينية وأنماط التفاعلات فيما بينها. وأغلب الظن أن بعضا من هؤلاء الغاضبين قد سبقوا إلى دائرة اليأس إزاء المستقبل الفلسطيني عموما، وهذا أمر محتمل يمكن تلمس شواهده من متابعة ردود الأفعال والأصداء التي ما انفكت تتوالى منذ وقوع حركتي فتح وحماس في هاوية الاقتتال الدامي ولا سيما في رحاب قطاع غزة منتصف يونيو الماضي.
وسواء أكتفى البعض بمشاعر الدهشة والانزعاج أم تجاوز آخرون إلى القنوط، فالباعث لدى الجميع هو الصدمة الكبيرة مما جرى ويجري في المشهد الفلسطيني، الذي فاق أكثر التوقعات تشاؤما وسوداوية. ونحسب أن المصدومين من أيام الدم وتوابعها في غزة على دراية جيدة بالسير الذاتية لحركات التحرر التي أصيبت بمثل هذه الأعراض في عوالم أخرى، كما لا بد أنهم على معرفةٍ بما اعترى الحالة الفلسطينية ذاتها من تغاضب وتشادّ في مراحل أخرى من سيرتها الممتدة.. ومع ذلك، فإنهم يعتبرون أن المشهد الفلسطيني الراهن ينطوي على جديد فارق يوجب مشاعرهم السلبية الاستثنائية.. فلنتأمل ما يجول بخواطر هؤلاء وغيرهم بهذا الخصوص.
جديد المشهد الفلسطيني
إنهم يعتقدون أن الخلاف والتعارض المحتدم بين القطبين فتح وحماس لزهاء عقدين ليس بدعا في أقدار كثير من حركات التحرر العربية والعالمية.. فمعظم هذه الحركات (الخبرات أو التجارب) خاضت في بعض مراحلها شيئا أو آخر من التكاسر بين تيارات ومجموعات وأجنحة على أرضيات من التنابذ الفكري الإيديولوجي، أو التنافس على أحقية الريادة والتمثيل السياسي، أو الاختلاف حول الأهداف ووسائل احترامها وأنماط التحالف الداخلية أو الخارجية.
هم يفترضون أيضا -وهذا صحيح- أن السيرة الفلسطينية ليست مبرأة تاريخيا من مظاهر التدافع الداخلي بين تنظيمات وأجنحة وزمر سياسية ومدنية متباينة الرؤى والتكييفات حول عملية التحرر وما يتصل بها من قضايا وهموم وأبعاد. فقبل إطلالة فتح ثم حماس وغيرهما بكثير، كان هناك معسكر الحسينيين والنشاشيبيين، ثم الجبهة العربية مقابل اللجنة العربية، ثم الهيئة العربية العليا مقابل منظمة التحرير، وليس بلا مغزى في هذا السياق أن كبريات القوى أو الفصائل الوطنية الشهيرة، كفتح والجبهتين الشعبية والديمقراطية، قد تعرضت بدورها لتصدعات وشروخ ثم لانقسامات وانشقاقات، حتى تناسلت عنها أطر تنظيمية كثيرة.
وعليه فإن الحالة الفلسطينية، شأنها شأن تجارب أخرى، لم تخلُ من انحدار التفاعلات البينية إلى التراشق والتلاوم والاصطكاك النظري السياسي والإعلامي الدعائي ومحاولات استقطاب الأنصار.. هبوطا إلى استخدام العنف وليّ الأذرع وفرض الرؤى بالقوة. ويقينا، كانت المداخل الخارجية العربية والإقليمية والدولية أحد ثوابت المؤثرات في تبريد أو تأجيج هذه المظاهر.
والحال كذلك، فما الذي استجد في المشهد الفلسطيني بحيث فرض الغضب والمخاوف بشكل استثنائي؟!.. اجتهادنا، أنّ الذي استجد هو اقتضاب حجم القطيعة أو الانعطافة الحادة في أساليب إدارة المنازعات أو الخلافات بين فتح وحماس ومن والاهما مقارنة بالخبرات الفلسطينية السابقة.. ذلك أن"التنازع" المقرون بالقليل من العنف تحوّل إلى "صراع" ضروس مغموس حتى الأذنين في لغة القوة والدم والنار. وبينما كان التنابز بالألقاب والتلاوم وتبادل الاتهامات محددا في الماضي ببعض القيادات والرموز، أي مقصورا على دوائر النخب والنافذين في الصفوف الأولى، أضحى في آونتنا الأخيرة المنكودة هذه ينال قطاعات شعبية وينساب إلى أوساط جماهيرية سياسية ومدنية واسعة النطاق.. حتى صار يقال بلا حرج ودون حذر إن الضفة وفتح تواجه غزة وحماس! بمعنى أن حديث التخاصم، ولعله العداء، بات ممتدا إلى تصور أو احتمال وضع نصف شعب الأرض المحتلة تقريبا على خطوط تماس ملتهبة في مواجهة النصف الآخر.
الذي استجد بإلحاح أيضا، مسارعة الفصيلين الكبيرين إلى امتشاق السلاح واستسهال الضغط على الأزندة لدى بروز أية مشكلة بينهما صغيرة كانت أم كبيرة.. وذلك مقابل شحوب لغة العقل والحوار حتى كادت تختفي تماما. وهكذا ما عاد الفريقان يقيمان وزنا للبدائل التوافقية، بما فيها تلك التي أهلكا في سبيلها وقتا وجهدا منهما ومن بعض الوسطاء على الصعيدين الفلسطيني والعربي، كوثيقة الأسرى وتفاهمات القاهرة ومكة.
والمثير أن قطيعة ما بين قطبي المجال السياسي (والكفاحي) الفلسطيني تتصاعد والمسافة بينهما تتسع، فيما تدور رحى التواصل والتفاوض بين بعضهم (رام الله) وبين المسئولين الإسرائيليين بغض النظر عن الجدوى والعائد.. إن هذا لأمر يذهب بعقل الحليم، إذ يتأفف بعض أهل البيت الفلسطيني من حديث التلاقي والتسامح فيما بينهم، ولا يتحرجون من سياسة الباب والقلب والعقل المفتوح مع إدارتي واشنطن وتل أبيب وشركائهما من الأوروبيين وغيرهم.
القصد إجمالا أن ثمة عددا من الانشطارات الإيديولوجية والسياسية والاقتصادية في المشهد الفلسطيني، المتعامدة على ما يشبه الانقسام جغرافيا واجتماعيا.. هذا كله في غياب أطر جامعة، كالتي كانت تعبر عنها منظمة التحرير. فلقد كانت إحدى فضائل المنظمة، ديمومتها ورسوخها في أوقات الشجار بين القوى المنضوية تحتها. وقتئذٍ لم يكن لأي خلاف داخلي فلسطيني أن يزاح خارجها ولا أن يتفاقم إلا بشكل بالغ المحدودية والأثر.. كان الفلسطينيون يختلفون ويتوافقون تحت سقفٍ تمثيلي واحد، لديه القدرة والتفويض لأن يتعامل مع الآخرين ويتحدث إليهم بصوت واحد برغم الأزمات الداخلية العارضة.
لأجل هذه المستجدات ونحوها مما يثير الشكوك في صحة مسار الحركة الوطنية الفلسطينية ومصيرها، ربما لا يلام كثيرا المتوجسون تجاه هذا المسار والمصير أو المرجفون بهذه الحركة من أصحاب عقلية الانتقام والتشفي.
نحو مساحة للأمل
مع ذلك لا نعتقد أن التاريخ قد قال كلمته النهائية وحكم على الملف الفلسطيني بالتبعثر والتصفية. ولا يقوم هذا الاعتقاد على فكر رغبوي أمنياتي بقدر ما ينطلق من قناعة لها مسوغاتها الموضوعية.. منها -بلا ترتيب أو حصر-:
أولا: أن حركة التحرر الفلسطينية سبق لها أن خاضت في مفازات ومحن بالغة القسوة، بحيث طارت ظنون الكثيرين بأنها آيلة لا محالة إلى الذوبان والانفراط وأن قيامتها قد قامت بالفعل. حدث هذا في مناسبات بعينها: بُعيد إعصار النكبة عامي 1948 و1949، وهزيمة 1967 المدوية، والاقتلاع من حصون الثورة في الأردن عامي 1970 و1971، ثم تذرية قوى منظمة التحرير في أنحاء العالم العربي عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وغداة ضمور الانتفاضة الأولى ومعاناتها من الازورار العربي بين يدي زلزلة حرب الخليج الثانية بتوابعها الكئيبة وتصدع النظام العربي عام 1991.
لكن ما لا تخطئه عين المتابع عن وعي وتدبر أن الحالة الفلسطينية كانت رغم كل هذه المناسبات ونحوها قادرة على التجدد والانبعاث وإعادة التكوين واستئناف السيرورة.
ثانيا: أن عمق الأزمة الفلسطينية الراهنة يتأتى في تقديرنا من حجم المخاض والتحول الكبير الذي يعيشه النظام الفلسطيني بفعل الانتقالة الكبرى من الأحادية القطبية إلى الثنائية والتعددية الحقيقية. فالشاهد أن دخول حماس أو حتى التيار الإسلامي بقوة وزخم ملحوظين أحدث تغيرا جوهريا في مجرى الحياة السياسية وملحقاتها النضالية. وهو أمر لم يثبت أن بعض حراس النظام القديم قد استوعبوه بالقدر اللازم لعدم إحداث ردود أفعال صاخبة. ومن المقدر، وربما كان من الطبيعي، أن تمر تفاعلات ما بعد هذا التغير بمرحلةٍ انتقالية، كان من سوء الطالع أنها بدت دامية وعسيرة على ما نسمع ونرى. وعلى كلٍّ فما تعنيه سلامة النضال الفلسطيني هو الانشغال بتخفيف أو إزالة آلام هذه المرحلة وتقصير أجلها.
ثالثا: أن المحيط الإقليمي، العربي بالذات، يموج بالقوى والتيارات والإيديولوجيات التي تحمل لفلسطين أحانين وتنشدُّ إليها بوشائج ومصالح وروابط مادية وروحية على نحو لا يمكن فهمه وهجرانه بسهولة. القضية الفلسطينية تبدو والحال كذلك غير قابلة للأفول والضياع لمجرد رخاوة العامل الفلسطيني على أهميته.. إن كل قوة أو كتلة مشحونة بحمولات قومية أو إسلامية أو ليبرالية في هذا المحيط، لا يسعها تجاوز هذه القضية ومن المقدر أن لها مصلحة في إسناد الحالة الفلسطينية وانتشالها من السقوط والفشل المروع.. لو كان الوضع على غير هذه الشاكلة والتقدير لانفض ناس هذه القضية من حولها منذ أمد طويل، ثم إن رخاوة العنصر الفلسطيني تبدو كما ألمحنا أقرب إلى كونها مؤقتة.
رابعا: أن القوى الدولية المتداخلة والمنغمسة في الملف الفلسطيني لا تملك تنحيته وإملاء ترائيها وإسرائيل عليه وفق أجندتها بلا معقبات وعقبات. ذلك لتيقن هذه القوى (الولايات المتحدة صاحبة اليد الطولى في الأمر بخاصة) من ارتباط هذا الملف -سخونة وبرودة وتعقيدا وتسوية- بقضايا ومصالح إستراتيجية بالغة الحيوية بالنسبة لها شرق أوسطيا وعالميا. ربما حاول هؤلاء الضغط باتجاه تطويع الحالة الفلسطينية وتحجيم مطالبها وانتهاك حقوقها بعلنٍ، غير أنهم يدركون أن تدفق مصالحهم بالمنظور الشامل معلق إلى حد جوهري بعمل شيء ما واعد على الصعيد الفلسطيني، ويعلمون أيضا أنه لا شيء يغري العرب والمسلمين بالتجاوب معهم أكثر من هذا الوعد.
ليس بلا مغزى في هذا السياق أن الولايات المتحدة كلما اتجهت إلى فعلةٍ أو سياسةٍ ما في طول "الشرق الأوسط" وعرضه (على الصعيد العراقي مثلا) بادرت إلى التلويح بشيء إيجابي نحو الفلسطينيين، وحديث اللقاء الدولي في الخريف المقبل مثل صارخ على ذلك.
استغلال الأزمة واستمراريتها
خامسا: أن توجهات التحالف الإسرائيلي الأمريكي لطي الحركة التحريرية الفلسطينية، انطلاقا من التيه والانفلات الذي يعتري هذه الحركة، هو أمر محفوف بالشكوك. ويبدو أن الهدف البديل هو التلاعب بهذه الحركة وتعميق تناقضاتها الداخلية عبر تزكية قوى معينة وتفضيلها قوى أخرى، والتمييز بين معتدلين منها يستحقون التعاطف والاعتراف والإسناد المالي والسياسي.. وبين متطرفين (حماس وأنصار المقاومة المسلحة) يتعين طردهم من رحمة المجتمع الدولي ومن حوزة النظام الفلسطيني.
غير أن الضغوط في هذا الاتجاه لها سقف وقاع لا نتصور أنه يمكن تجاوزهما. فحجم القوى المراد إزاحتها كبير وراسخ فلسطينيا، بحيث يصعب تصور القضاء عليه بالقوة. لكن الجائز بهذا الخصوص هو احتمال رفع هذه القوى إلى مزيد من المرونة بأدوات السياسة وليس الاستسلام أو التركيع.. ومؤدى ذلك أن أية تسوية فلسطينية، سيظل تفعيلها على أرض الواقع (عمليا) رهنا بها من سماح يتيحه رضا حماس ونظائرها.
سادسا: يتصل بالملاحظة السابقة استحالة استبعاد التيار الإسلامي وتجلياته الحركية التنظيمية في
فلسطين من معمعة القضية الفلسطينية وحركتها التحريرية. وعِلة هذا التصور تقع في حضور الأبعاد الدينية لدى المشروع الصهيوني المقابل. بمعنى أن في طبيعة الصراع الصهيوني العربي، أو الإسرائيلي الفلسطيني، ثمة ما يوجب تشغيل الطاقة الدينية الروحية بين طرفي الصراع، وهذا يستلزم بالتداعي ديمومة حضور حماس ومن على شاكلتها فلسطينيا.
ونظن أن أحد نتائج هذا الحضور تتمثل في قدرة حماس على تعطيل أية صيغة للتسوية لا تلقى لديها القبول أو لا تفي بكثير من مطالبها وثوابتها، وإذا انتفت هذه القدرة، فسوف تكون حماس قد ارتدت إلى حيز الوجود الشكلي الذي لا معنى له سياسيا.. وليس هناك ما يوحي بمثل هذه الردة إلى إشعار آخر.
كأن هذه المعطيات تقول إنه لا مفر أمام المعنيين بالشأن الفلسطيني، صراعا وتسوية، من رام الله إلى واشنطن وبينهما تل أبيب سوى التعامل مع الحالة الفلسطينية وقد باتت حماس في لحمها وشحمها. وتتعزز هذه المحصلة بحقيقة رديفة هي أن رام الله لا تملك وحدها، بمعزل عن غزة، صياغة المستقبل الفلسطيني العام، كما أنه لا مصلحة للعاطفين على صياغة كهذه في كل العواصم المعنية في تذرية الفلسطينيين ومصيرهم على نحو يترك لقضيتهم ذيولا وتوابع توجعهم وتقض استقرار أية تسوية يصلون إليها في وقت أو آخر.
والحق أن بعض أكثر الدول العربية امتعاضا من حماس ومن حضورها العاصف في المشهد الفلسطيني، تفهم الأمر وتقاربه على هذه الطريقة والمنهجية. وتبدو هذه الحقيقة من دواعي الاطمئنان إلى أن رام الله وغزة سوف يهتديان إلى الفهم ذاته ربما في توقيت أقرب مما يتصوره المتشائمون.
الحصيلة
الشاهد إجمالا أنه مهما كانت المغريات والمشهيات أمام رام الله، فإنها لا تستطيع أن تمضي وحدها
قدما في أي مشروع للتسوية (أو للتحرر بعامة) بدون إرضاء غزة والإصغاء لصوتها والاعتماد على مساندتها ودعمها.
ومهما كانت صلابة غزة وحماس، فإنها لا تستطيع إغلاق البصر والبصيرة عن بعض الحقائق الصلبة المحيطة بالقضية الفلسطينية في الواقع المحيط بها، فلسطينيا وإسرائيليا وعربيا، وإقليميا ودوليا. وذلك رغم معاكسة هذه الحقائق لبرامجها وتطلعاتها.
ومهما كان امتعاض العرب من حال الفلسطينيين، فإنهم لا يستطيعون تجاهل التبعة التاريخية والقومية الملقاة على عاتقهم، ومنها تحري تسوية مقبولة للقضية الفلسطينية بعد دفع القوى الفلسطينية دفعا إلى التلاقي والتوافق على قواسم مشتركة.
ومهما حاول التحالف الأمريكي الإسرائيلي وأشياعه فصم عرى الحالة الفلسطينية والضغط على أعصابها العارية سياسيا أو ماليا أو عسكريا، فإنه مكره على التوقف عند حدود ومنح هذه الحالة ما يكفي من حقوقها لتمرير مصالح ومخططات لا تمر إلا عبر هذا الطريق.
كاتب ومحلل سياسي فلسطيني.
|